ربما أُخذ على المحللين البنيويين الوظيفيين إسرافهم في الاعتماد على تحليل الوظائف المناط بالمؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية أداؤها، باعتبار أن أداء المؤسسات لتلك الوظائف بعينها هو المعيار الوحيد لنجاح المؤسسات، والمبرر الوحيد لبقائها. أما في حالة إخفاق تلك المؤسسات في أداء وظائفها فإن ذلك يعتبر سبباً أكيداً ـ في نظر أولئك المحللين ـ لإلغاء تلك المؤسسات. أما إذا تحايلت تلك المؤسسات واختلقت لنفسها وظائف أخرى وأدتها بقدر معين من النجاح فحينئذ يتعين تغيير أسماء تلك المؤسسات لتنسجم العناوين مع الوظائف.. وهذا طبعاً في حالة عدم لجوء المؤسسات «الفاشلة» إلى تكرار أداء وظائف سهلة، تؤديها بكفاءة أكبر مؤسسات أخرى أقيمت خصيصاً لأداء تلك الوظائف. المؤتمرات الاحتفالية ليس في شيء من تلك الاعتبارات ما يشفع لكثير من المؤسسات السياسية الكبرى في العالم العربي ان ظلت تحمل أضخم العناوين وتقيم موسمياً أعظم المؤتمرات الاحتفالية، ثم تنفض دون أن تحقق أية نتائج تذكر. ومع التمادي في غض النظر عن تلك المؤسسات، تمادت هي في الفشل الذريع، ولكن كان لابد أن تصطدم تلك المؤسسات الوهمية «الضخمة» بتحديات عظمى تعريها تماماً وتجبر الأمة على إعادة النظر في أمرها جذرياً. إزاء كل أحداث الحرب الشارونية الكاسحة كانت أنظار الرسميين العرب تتجه بعيداً عن تلك المؤسسات «المفترضة» لتبحث عن عوامل التأثير وأسباب الحل من خارج الحدود. فالأوراق كلها بيد أمريكا كما كان يقال قديماً، أو بيد إسرائيل كما غدا يقال حديثاً، ومن أسف فإنه ليست بأيدي العرب إلا «ورقة» واحدة في القول القديم، ولا ندري هل ظلت باقية أم تبخرت في الأثر الحديث. وهكذا فإن مؤسساتنا التحالفية السياسية الكبرى ـ أو القومية إن شئت! ـ ظلت بلا وظائف طبقاً لاعترافنا بأنفسنا كهدف نطالبها إذن بأداء أية وظيفة، ونحن لم نخصص لها أية وظائف ابتداء وانما أقمناها من قبيل الديكور والزينة و«الاحتفالية»، و«اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط».. كما ورد في الحديث القديم!! المؤتمرات الإقليمية العربية ليست لها وظيفة في الإسهام في حل الصراع العربي الإسرائيلي، إنها يمكن أن تنعقد وتنفض ليكون مؤدى عملها تعميق الأزمة بافتعال نزاعات وشجارات جانبية، أما المؤتمرات الدولية التي تعقدها أمريكا في بون وسواها فهي تلك التي تقوم بالمهام والوظائف نيابة عن العرب ومؤسساتهم. وفي النهاية فإن شارون قد اقتلع ذلك الحق حتى عن أمريكا فهو الذي اقترح تصور المؤتمر الإقليمي لحل نزاع الشرق الأوسط وطلب أن يمنع ياسر عرفات من حضوره، وأن تستثنى من الحضور أيضاً منظمة الاتحاد الأوروبي، والدولة الروسية والاتحادية، وأسرع كولن باول قائلاً إن حضور عرفات ليس ضرورياً.. صحيح انه لطّف عبارة شارون قليلاً.. لكن المعنى واحد في النهاية.. وإذا كان عرفات ـ وهو صاحب الحق ـ لا يستطيع لا بشخصه ولا بمؤسساته إضافة أي شيء للمؤتمر، فلماذا تحضر الدول الأوروبية ولماذا تحضر روسيا.. فالمؤسسات الإسرائيلية الفعّالة التي بلغت من فعاليتها انها تدير وتؤدي أيضاً مهام المؤسسات السياسية الأمريكية، تستطيع أن تقوم بالواجب عن عرفات وعن العرب أجمعين! في مقابل تلك الفاعلية الهائلة للمؤسسات السياسية الإسرائيلية في أداء وظائفها والاستحواذ على وظائف مؤسسات الغير فإن نظاماً إقليمياً عربياً محدود الوظيفة والفاعلية، مجلس وزراء الخارجية العرب يجتمع ليصدر قراراً «هوائياً» يطلب فيه من مجلس الأمن الدولي أن يعقد اجتماعاً ليصدر قراراً يقضي بضرورة تطبيق المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تسمح باستخدام الوسائل العسكرية لتنفيذ قراراته. ومجلس وزراء الخاجية العرب يعرف جيداً حدود ما هو مسموح له باستخدامه للضغط على المجتمع الدولي أو حتى التنسيق معه، ومع ذلك فهو يطالب مجلس الأمن الدولي تلك المطالبة الباهظة إن لم نقل المستحيلة التحقيق.. وإذن فالتفسير الصحيح لقيام مجلس وزراء الخارجية العرب بتقديم تلك المناشدة لمجلس الأمن هو مجرد تسليم منه بالافتقار لوظيفة يؤديها، فالوظيفة تؤدى بالنيابة عنه، ويقوم بتلك النيابة مجلس الأمن الدولي. الاستحواذ المؤسسي ولكن مجلس الأمن الدولي سيؤديها كما يشاء، أو كما يشاء الأقوياء، ومن يسيطرون على الأجندة، أو يؤثّرون عليها تأثيراً فعالاً، مباشراً أو خفياً، ولن يؤديها أداء مهنياً «محايداً أو شريفاً» ولا كما طلب «المناشدون» الذين يزعمون انهم مظلومون وانهم مستسلمون لإرادة آليات «العمل» أو «العدل» السياسي الدولي ولذلك فقد اجتمع مجلس الأمن الدولي، ولم يصدر أي قرار، وانما أصدر بياناً عاماً تحدث عن مبدأ ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وان ليس في الأمر استثناءً لأي كبير. وهو أمر صحيح من حيث المبدأ، ولكن تكراره غير مفيد، ولعل مجلس وزراء خارجية الدول العربية قد اكتفى بتلك الإجابة، ولم يعد يطلب من مجلس الأمن الدولي المزيد. لم تستخدم المؤسسات العربية آلية واحدة في سبيل الضغط لتحقيق الأهداف المطلوبة. مع أن الإمكانيات العربية غير الموظفة هي أكبر بكثير من إمكانيات الطرف الإسرائيلي. ولكن الإمكانيات غير الموظفة تصبح دائماً بمثابة المواد الخام التي تنتظر التصنيع والتفعيل. وبقاء الإمكانات في حالة غير توظيف هو النتاج لبقاء المؤسسات في حالة غير توظيف، فمن ذا الذي يمكن أن يوظف تلك الامكانات غير المؤسسات. انظر إلى تصرف الطرف الإسرائيلي، مع امكاناته القليلة، فإنه يوظفها جميعاً، ثم انه بمهارته يجيّر أداء مؤسسات دولية كثيرة لصالحه، وذلك بمجرد تغلغله فيها بأفراد أذكياء يُعدون برامجها، أو بممارسة ضغوط خفية عليها، واستخدام الذرائع الكثيرة في عالم السياسة، أو اختلاقها أو توجيه مسارات الأحداث الجارية إلى اتجاهات أخرى.. ويستغرب المرء كيف غفل النقاد السياسيون عن ملاحظة مسار حدث اقتصادي وسياسي أمريكي مهول، سماه «الملف السياسي» لـ «البيان» في حينه بأنه «أضخم حالة إفلاس اختصاصي وسياسي في التاريخ الأمريكي» كيف يكاد ملف ذلك الحدث أن يتوارى في غيابات النسيان، وما علاقة ذلك بما جرى من أحداث أخيراً بفلسطين، ولماذا تعالى صوت بوش في تأييد شارون؟! إلى حد غير معهود ولا متوقع ولا معقول بما تم على الاطلاق؟ وهل هنالك غير حالة مقايضة، أو حالة شراء صريح لذلك الموقف الأمريكي بإخفاء أو تغييب ملف «انرون»؟! الإجابة هي بالتأكيد بالإيجاب، وهي دلالة أخرى على فعاليات مؤسسات الضغط الإسرائيلي. إن أحداً لا يدعو إلى استخدام آليات ضغط غير شريفة كتلك، ولكن تمادي الآخرين في استخدام آليات الضغط إلى هذا الحد ينبغي أن ينبه من تقع عليه أعباء الضغط. وفي عدد سابق تحدثنا عن تحليلات مفكرين أمريكيين كبار عن خطورة آليات الضغط السياسي الإسرائيلي على أمريكا. أفلا ينبه ذلك العرب إلى خطورة وقع تلك الآليات عليهم لا سيما انهم هم المستهدفون أساساً من خلال الضغط الإسرائيلي على أمريكا، ثم ألا ينبههم ذلك إلى ضرورة تفعيل مؤسساتهم السياسية وعلى رأسها الجامعة العربية، ومجالس التنسيق السياسي والاقتصادي المختلفة، وإعطائها وظائف محددة تحاسب بمقتضى العمل بها، وبما تنجز منها، وليكن الاختبار الأول هو الاختبار الأعظم، وهو اختبار رد الكرامة والإحساس بالوجود كأمة إلى أمة العرب التي تتقاذفها الأعاصير، وتتوعدها إسرائيل وأمريكا بهجوم إثر هجوم. نجاحات موازية إن من العدل أن نقول بعد هذا إن المؤسسات الإعلامية العربية، وعلى مستويات متفاوتة، أثبتت أنها أكثر استجابة للتحدي الصهيوني الشاروني من المؤسسات السياسية العربية. لقد اختفت نهائياً آثار الصعقة التي أصابت الكثير منها أيام أحلام السلام العادل أو «هجمات السلام» كما كانت تسمى.. وأمام السعار الشاروني انتفضت المؤسسات العربية الإعلامية جميعاً لتؤدي وظائفها القومية بكفاءة قصوى. كذلك أدت مؤسسات الإغاثة الإسلامية وظائف كبرى في سبيل نجدة المنكوبين والمحصورين من أهل فلسطين ولعل نجاح هذين النوعين من المؤسسات في أداء وظائفه هو سبب سخط ونقمة الطرف الإسرائيلي والأمريكي عليهما تماماً مثلما ان فشل المؤسسات السياسية القومية العربية في أداء وظائفها هو سبب سكوت أو رضا الطرف الإسرائيلي الأمريكي عنها وأسوأ ما يمكن أن يحدث هو ان تقوم المؤسسات الصهيونية بكفاءتها المعهودة، بتحريض المؤسسات السياسية العربية، على المؤسسات الإعلامية والإغاثية العربية بقصد تحجيمها وتعطيل وظائفها. إن السؤال المشروع بعد هذا هو: لماذا تفشل المؤسسات السياسية العربية في أداء وظائفها بينما تنجح مؤسسات أخرى كالمؤسسات الإعلامية والإغاثية وغيرها، والإجابات المبتسرة تقول إن السبب هو غياب الإرادة السياسية، أو ضعف المشروعية السياسية، أو الاختراق الإسرائيلي لتلك المؤسسات، أو عنف الضغوط الأمريكية عليها، وكل ذلك وارد وصحيح، ولكنه غير كاف للتفسير لأنه حتى لو غابت كل تلك العوامل لاستمرت المؤسسات السياسية العربية في حالة الذبول والضعضعة وعدم التأثير، إن العمل السياسي ليس عملاً يسيراً كالعمل الإعلامي والإغاثي مثلاً، إنما هو عمل معقد يتطلب دراسات علمية عليا مكثفة حول تفاصيله، والعوامل الكثيرة التي تؤثر فيه، وذلك هو ما أدركه الإسرائيليون وبرعوا فيه، ولا غرو فإن أكثر من نصف علماء السياسة في العالم كله هم من اليهود، إن العمل السياسي المؤسسي لا سيما إن كان موجهاً لخدمة أهداف بعيدة المدى، لا يمكن أن يتم بالصورة الاعتباطية التي يجري بها في عالمنا العربي، وهذا أمر يؤكد حتمية الاهتمام بالعلوم السياسية ودراستها بعمق وجدية، وتأسيس مراكز بحوث استراتيجية وسياسية كثيرة، لا بهدف الزينة والمباهاة الصورية كما هو حادث في بعض الحالات في عالمنا العربي، وإنما بهدف التخطيط الجدي لتصميم وإقامة مؤسسات سياسية عربية قومية وقطرية رصينة يمكن أن تحشد الجهود ـ علمياً وعملياً ـ لمواجهة الخطر الصهيوني فقد كفانا نصف قرن من الصراخ واستهلاك العاطفة. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة