الملف السياسي: تواجه الساحة العربية، شعوبا وحكومات، منعطفا كبيرا لا يقل خطورة عن انتكاسات وهزائم أعوام 1948 و1967 إن لم يكن أخطرها لاختلاف المعطيات والظروف التي عاشتها قديما وتعيشها حاليا القضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه يعيش النظام العربي الرسمي هذه الأيام فترات عصيبة من فترات القهر والتسلط الصهيوني من ناحية والسكون والاستكانة من ناحية أخرى، فيما تتجلى صور التآمر الدولي ضد المصير المستقبلي للشعب والقضية الفلسطينية برمتها في محاولة لخلق واقع جديد يتطلب مواصفات جديدة في الشعب والقيادة داخل السلطة الفلسطينية. والأخطر من ذلك استمرار المواقف السلبية الرسمية العربية وغير العربية، مما سيترتب عليه فرض قرارات و«أوامر» عليا تحدد مصير ليس الشعب الفلسطيني فقط، بل العربي بأسره. فهناك الكثير من المتغيرات الداخلية والخارجية قد تبدلت بعد مجازر شارون ضد الشعب الفلسطيني. في هذه الأثناء يتزايد التوتر في منطقة الشرق الأوسط يوما بعد يوم في ظل الجرائم والمجازر البشعة التي ارتكبها ويرتكبها جيش رئيس الوزراء الصهيوني ارييل شارون في الأراضي الفلسطينية وخاصة في جنين ونابلس، بل تجاوز الارهابي شارون الى تهديد دول عربية أخرى. من هنا يثور التساؤل الذي يتردد في ذهن الكثير من المواطنين العرب في هذه الأيام فحواه، هل تريد الدول العربية في حقيقة الأمر المواجهة العسكرية المباشرة مع الكيان الاسرائيلي؟ وهل هم قادرون على ذلك؟ وما هو تأثير ما يحدث على الساحة الفلسطينية على الأوضاع الاقليمية في منطقة الشرق الأوسط؟.. التساؤلات كثيرة وعديدة تتمحور حول الانطباع السائد لدى العواصم العربية حول مستقبل المنطقة بعد هجمات شارون البشعة ووضوح رؤيته التوسعية في المنطقة بأكملها وكيف تقرأ هذه الأنظمة العربية توجهات الحكومتين الاسرائيلية والأمريكية في تعاطيهما مع الموقف العربي الرسمي تجاه الأزمة الحالية في الأراضي الفلسطينية؟ استنزاف شامل إن هذه المعطيات تشكل صورة من صور الاستنزاف الحقيقي للشعب العربي من المحيط الى الخليج وعلى كافة الاصعدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، خاصة بعد الأوضاع الجديدة للشعب الفلسطيني الضحية في كل تلك التداعيات الاقليمية والدولية، بل يمكن القول انه من السيناريوهات المحتملة للحملة الصهيونية الشرسة الحالية ضد مجمل النظام العربي ما يتمثل في اضعاف هيبته ومكانته السياسية والتفاوضية داخليا وخارجيا، والأهم من ذلك اسقاط هيبته أمام الشعوب التي خرجت وتخرج كل يوم بمطالب استراتيجية من بينها قطع العلاقات مع الكيان الاسرائيلي والولايات المتحدة، ويمكن القول في هذا المجال ان الغضب الجماهيري العربي له ما يبرره خاصة في المرحلة الصعبة التي تجاوزت فيها حكومة الارهابي شارون كافة المعايير الاخلاقية والسياسية والدبلوماسية، والخوف كل الخوف من استمرار هذه النقلة النوعية من السخط الجماهيري للشارع العربي بحيث يمكن ان يولد نتائج تبدو في ظاهرها عملاً قومياً يخدم قضية الصراع العربي الاسرائيلي، الا انه في حقيقة الامر سيفيد فقط الصهيونية واعوانها في كل مكان من العالم. ان استمرار الغضب الشعبي في الشارع العربي ضد الانظمة الرسمية يمكن ان يتحول الى ما يمكن ان تراه الشعوب العربية بـ «ثورة تصحيح داخلية» ومن ثم الانطلاق الى محاربة قوى الشر والطغيان في تل ابيب، والتاريخ قد يعيد نفسه قبل 54 عاماً بعد حرب 1948 وخاصة ان الظروف التي يعيشها المواطن العربي مؤهلة لمثل هذا التصور حيث الاوضاع الاقتصادية التي وصلت الى ارقام اسطورية من التدني وتزايدت معدلات الفقر في الكثير من الدول العربية كما ان المناخ السياسي العربي والدولي مناسب جداً لسياسة شارون الذي يدرك بل يعرف كيف يقرأ ابجديات المواقف العربية وفي الوقت نفسه يدرك توجهات الادارة الامريكية لذلك ينطلق الارهابي شارون في سياسته الحالية من ثوابت تاريخية وواقعية اهمها الاوضاع العربية الرسمية الحالية بما تملكه من قدرات فائقة على الصمت والاحتماء وراء عبارات الشجب والاستنكار التي تنطلق من اروقة القمم العربية المتعاقبة، والشاهد الحي على ذلك اجتياحه للأراضي الفلسطينية بعد انتهاء قمة بيروت التي تبنت مبادرة الامير عبدالله ولي العهد السعودي. مخاطر عدوى الصراع وعلى فرضية استمرار الصراع في الشرق الاوسط على حاله، فإن عدوى هذا الصراع ستعم كافة الارجاء وخاصة في ظل تصاعد غليان الشارع العربي اذا ما استمر على سخونته الحالية حيث من المتوقع أن تصاب الانظمة العربية الرسمية بنكسة قومية والأدهى من ذلك كله ان تلك الانظمة تدرك تماماً تواطؤ الولايات المتحدة بصورة بشعة مع الكيان الصهيوني وبصورة غير مسبوقة من خلال دعمها اللامحدود للكيان الصهيوني سياسياً واقتصادياً وامنياً ودبلوماسياً وهذا ما نلمسه من تصريحات ومواقف الرئيس بوش وادارته المنحازة بشكل لا يقبل الشك مثل هذا الانحياز الاعمى، بالرغم من الفشل المحدق بخطط شارون الحالية والمستقبلية وخاصة في ظل صمود الشعب الفلسطيني الاسطوري وعزمه على مواجهة هذا الاحتلال بكافة الوسائل وحتى آخر قطرة من الدماء. قدرات مقيدة وتشير الحقائق الدبلوماسية والسياسية والواقعية ايضا الى عدم قدرة النظام العربي على التصدي للحملات والجرائم الاسرائيلية انطلاقا من عدة اعتبارات تضعها في الاعتبار بل وتعتبرها من الاولويات الاستراتيجية النابعة من خيار السلام الذي اختاره العرب من طرف واحد لتسوية الصراع مع العدو الصهيوني. مصر مثلا وبالرغم من الانجازات التي حققتها بعد توقيعها اتفاقية «كامب ديفيد» مع الكيان الصهيوني مثل اعادة اراضيها الا انها لاتزال ايضا في موضع المتضرر من الاتفاقية بكافة المعايير والمقاييس وخاصة بعد خسارة الاقتصاد المصري زراعيا وتجاريا بفعل سياسات الكيان الصهيوني في هذا المجال حيث لا يمكن فصل علاقتهما الخاصة من ناحية بالعلاقة الاساسية مع الولايات المتحدة حيث يمكن القول انه بسببها لا يتوقع من مصر الحكومة القيام باي تصرف يسيء لاسرائيل بطريق مباشر او غير مباشر والاستغراب يزول اذا ما عرفنا ان الارتباطات المصرية مع امريكا في المجال التجاري تصل الى 11% من تجارة مصر الخارجية اضافة الى العلاقة التجارية المبرمة بين الطرفين علاوة على اعتمادها على شركات امريكية اسرائيلية وكذلك حصولها على معونات اقتصادية امريكية تبلغ 600 مليون دولار سنويا وحوالي 1.3 مليار دولار معدات عسكرية هذا الى جانب العوائد التي جنتها القاهرة من استضافة مؤتمر شرم الشيخ الذي بلغت 1.854 مليار دولار ونحو 959 مليون دولار تعهدت بها امريكا لمصر بعد احداث 11 سبتمبر 2001، ومن الدلائل القوية على عدم قدرة الدول العربية على اتخاذ موقف من شأنه التأثير على المصالح الامريكية والاسرائيلية، فهي ارتباط تلك الدول بعقود طويلة الامد مقابل النفط وثرواتها وربطت اسواقها وارصدتها المالية بأمريكا التي تثق تماما من ان العرب لن يستخدموا سلاح النفط وفي الوقت نفسه لن يرفضوا السلام الذي ستفرضه واشنطن كما هو، الحادث الآن بعد اتفاقات مدريد واوسلو وغيرها. تزايد الكوارث ان ما حدث ويحدث للشعب الفلسطيني من قتل وارهاب وتدمير وابادة حقيقية، لن تكون المرة الاخيرة في تاريخ الارهاب الصهيوني بل ستتواصل طالما ظلت الدول العربية تختبئ وراء مصالحها الكامنة في واشنطن ولندن، حيث ستستمر عمليات ابادة الشعب الفلسطيني، واغتصاب الاراضي، وستتفاقم مشكلة اللاجئين المصممين على عدم التوطين في الدول المتواجدين بها من أجل تحقيق حلم العودة الى الوطن بل على الدول العربية ان تعي الحقيقة الواضحة بأن وجود الدولة الصهيونية لم تقرر ولن تقرر الآن حيث ان هدف اسرائيل الكبرى لم يدفن في التراب انطلاقا من مفاهيم بروتوكولات حكماء صهيون بأن الصراع مع غير اليهود في فلسطين هو صراع على الوجود وليس على الحدود. وفي هذا المجال يقول الدكتور عزمي بشارة: يقف العالم العربي أمام جنرال اسرائيلي مخضرم وسياسي مخضرم يعتقد ان خطوط هدنة 1949 كانت غير عادلة ولكنها خرقت عربيا عام 67، وان حرب 67 توقفت قبل أوانها، وان حرب 73 توقفت قبل أوانها، وان حرب 82 كانت ستنجز أهدافها لو سنح له المجال اسرائيليا، وانه كان بالامكان القضاء على انتفاضة عام 87 بالقوة، كما يدعي انه نجح بقمع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في السبعينيات. ومن هنا يكمن المطلب الاساسي من النظام العربي لكي يضمن بقاءه واستمراره في تشجيع العمل الشعبي للتعبير عن التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية وعدم الوقوف في وجهه ودعم الانتفاضة ماليا وعسكريا، وتفعيل المقاطعة بأشكالها الحضارية الفاعلة والعملية دون تعريض الاقتصاد الوطني في كافة الانظمة العربية للخطر، ومن وقف التعامل مع المؤسسات الاسرائيلية في المطارات والموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية، وعندها ستكون النتائج قوية وفورية ومؤثرة في الاقتصاد الاسرائيلي بدرجات واضحة. كما يتوجب على الدول العربية الغاء الفكر الراسخ والسائد في القرار الامريكي ببقاء تلك الدول ممولا وشريكا في الاقتصاد رغم أنف المعارضين وفي الوقت نفسه ابقاء الكيان الصهيوني بعيدا عن أي انتكاسات قد تعكر صفو قيامها بدور المحامي لمصالح واشنطن في المنطقة وهذا لا يتأتى في ظل تواجد ما تسميه أمريكا بـ «الجماعات الارهابية الفلسطينية» وليس أمام العرب الآن إلا ان يعلنوا موقفا واضحا مما يجري يتحمل فيه الجميع المسئولية ويحاسبون على أفعالهم، ولتكن الرسالة حاسمة لأمريكا قبل اسرائيل، وللذين يدعمون ويساندون ويتساهلون قبل الذين يرتكبون المذابح ونعتقد بأنه يتوجب على الانظمة العربية التعاطي مع القضية السياسية الحالية وفق اعتبارات كثيرة أهمها، رفض محاولة واشنطن تسويق ما يسمى بالارهاب العربي أو الفلسطيني من خلال الاقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والحصول على حقوقه المعترف بها دوليا وقانونيا، ومشاركة أمريكا بثقل فاعل وحقيقي الى جانب الحقوق الشرعية الفلسطينية.