الملف السياسي: اظهر التعاطي الرسمي العربي مع أزمة الاجتياح الإسرائيلي لأراضي السلطة الفلسطينية فشلا ذريعا حيث لم تستطع غالبية الأنظمة العربية اتخاذ المواقف التي تتناسب مع غضب وآمال الشارع العربي، وبحيث كان الصمت المطبق ، هو المخيم على دوائر صنع القرار العربي، هذا التعاطي الرسمي العربي أثار تساؤلات عديدة حول حجم الأوراق والخيارات العربية المتاح استخدامها في مثل هذه الأزمات ولماذا لم يتم استخدامها وحول تأثير هذه الحرب الشارونية على مستقبل النظام الإقليمي العربي، والإنحياز الأمريكي السافر لإسرائيل وضرورة أن يكون هناك تعامل عربي جديد مع الإدارة الأمريكية الحالية التي كشرت عن أنيابها للجانب العربي في حين كانت حملا وديعا للغاية ومساندا قويا لإسرائيل، وهل يمكن اعتبار ما يفعله شارون حاليا هو جزء من مخطط أمريكي كبير لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة .. (الملف) التقى د. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، والخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم للإجابة عن هذه التساؤلات. خيارات متاحة بداية يرى د. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن مشكلة النظام الإقليمي العربي الأساسية في الوقت الراهن هي أنه لم يلجأ لاستخدام الأوراق والخيارات المتاحة له في التعامل مع الاجتياح الإسرائيلي لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، بل أنه لم يحاول استخدامها بشكل مؤثر طوال مسيرة التفاوض السابقة، وهذه الأوراق كثيرة وأهمها الورقة الاقتصادية والتجارية، فكلنا نعلم حجم المصالح الأمريكية في منطقتنا العربية فنحن نستورد منها سنويا ما قيمته بالمليارات في حين أن صادراتنا اليها أقل بكثير، كما أننا نعتمد على الولايات المتحدة في صفقات استيراد السلاح وبالمليارات كذلك، أيضا هناك البترول العربي الذي يفي بنسبة كبيرة من احتياجات المستهلك الأمريكي، ولو استطاع الجانب العربي أن يوظف هذه الورقة الاقتصادية جيدا لأدركت الولايات المتحدة أن مصالحها في المنطقة في خطر، وحرصت على أن تكون سياساتها تجاه المنطقة أكثر توازنا وليس بهذه الفجاجة والتعنت تجاه الحقوق العربية. ويضيف د. جمال الدين مظلوم : ولكن ما يحزن أن الأزمة الحالية أظهرت ضعفا عربيا غير مسبوق على مستوى الأنظمة العربية فلم يكن غالبيتها على مستوى الحدث ولم تحاول التشاور فيما بينها من أجل ايجاد الصيغ المناسبة للتعامل معه، وركزت كل جهودها على مناشدة ومطالبة الولايات المتحدة التدخل من أجل وقف المجازر التي ترتكب بحق الفلسطينيين، والغريب أنه ورغم أن الطرف الأمريكي لم يستجب لهذه التوسلات والمناشدات العربية واستمر في دعمه اللامحدود لآلة الحرب الصهيونية لتحصد أرواح الفلسطينيين، فإن الطرف العربي على الجانب الآخر لم ييأس وظل مستمرا في مناشداته للولايات المتحدة التدخل لرفع الكرب وإزالة الغمة !! لقد أظهرت هذه المواقف من الأنظمة العربية أن الخوف كان مسيطرا على الجميع وكانت النظرة الى الداخل أكثر منها إلى الخارج، وكان هناك حرص من الجميع على أن يؤكدوا بمناسبة وغير مناسبة أن الخيار العسكري ليس واردا على الإطلاق وأنه لا طائل من ورائه، وأننا لسنا مستعدين له، وأن اسرائيل هي التي ستكسب الجولة ومن هنا فلا مجال للتحرك الا لمناشدة بوش التدخل وهو مالم يحدث حتى الآن لدرجة أن نزهة وزير خارجيته لم تسفر عن شيء لا المبالغة في تهديد الرئيس عرفات بأنه اذا لم يحارب الإرهاب الفلسطيني فسوف يعاقب عقابا شديدا وكأن الرجل يعيش في رغد العيش وليس محاصرا في غرفتين في مقره برام الله دون ماء أو كهرباء أو أدوية أو مواد غذائية . ويشير د. جمال الدين مظلوم الى أنه آن الأوان لإعادة النظر في العلاقات العربية الأمريكية، فلم يعد مقبولا أن العرب على الدوام يمدون أيديهم بالسلام ويحافظون على المصالح الأمريكية ويعملون على امتلاء البنوك الأمريكية بالأموال والأرصدة العربية، في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بتبني المواقف الصهيونية ودعم السفاح شارون لتنفيذ مخططاته الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني، بل وترسل له الدعم المالي للإنفاق على حملته العسكرية، كما أنها لم تستجب للمناشدات العربية بالضغط على شارون، ولذلك فالمطلوب الآن وقفة عربية تؤكد للأمريكان أننا لن نظل نعطي دون مقابل، وأن نتخذ بعض الإجراءات التي تشعرهم بالقلق، ومنها السحب التدريجي للأرصدة العربية التي يقوم عليها النظام المالي هناك وغيرها من الإجراءات التي لن تضرنا أكثر مما نحن فيه الآن . نظرة واقعية ومن جانبه يعتقد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن ما يقوم به شارون حاليا ليس مفاجأة للذين كانوا ينظرون للأمور بواقعية وأنه لا مجال لتعايش سلمي مع هؤلاء الصهاينة، أما الذين كانوا يعيشون على وهم السلام وأن الأمور صارت جيدة فهم الذين صدموا، ويبدو أن الغالبية منا كانت ضمن الذين كانوا يراهنون على السلام ولذلك لم يتم اعداد العدة لأزمة مثل تلك التي تواجهنا الآن، ومن هنا كان التخبط العربي في ادارة الأزمة، في حين كان الجانب الآخر يعي تماما ما يفعله وكان جاهزا له . وفيما يتعلق بعدم قدرة آليات العمل العربي على التعامل مع الأزمة يقول اللواء طلعت مسلم : لابد في البداية أن نقرر أن هذه الآليات كانت شبه متوقفة حتى قمة 96 ثم حدثت بعض الديناميكية عقب اقرار دورية انعقاد القمة، ولكن الذي حدث في أعقاب اجتياح شارون للأراضي الفلسطينية أننا وجدنا أن هذه الآليات لم تستطع أن تكون على مستوى حدث كهذا، وظهرنا في موقف سيئ وهو ما جعل الشعوب العربية من الخليج الى المحيط تطالب بضرورة فعل شيء للدفاع عن أنفسنا وعن الفلسطينيين، ولذلك لابد أن تستجيب الحكومات لهذه المطالب الشعبية ونقوي أنفسنا وبالشكل الذي يجعل عدونا يشعر بالخطر والخوف، وهذا يتطلب في البداية احياء معاهدة الدفاع العربي المشترك، لأن هذه الآلية الهامة أسقطت من حساباتنا منذ وقت طويل، وآن الأوان لتفعيلها والدفع بها، وخاصة أن الدول العربية صارت تمتلك الآن ترسانة عسكرية لا بأس بها تنفق عليها سنويا المليارات من الدولارات ولابد من توظيف وترتيب هذه الإمكانات العسكرية ولا نقف هكذا عاجزين كل ما نرجوه هو أن تتكرم الولايات المتحدة علينا وتتدخل لايقاف المجزرة التي تحدث في الضفة الغربية كما يجب أن تقدم الدول العربية مساعدات عسكرية ومالية لدول الطوق حتى تقوي من نفسها في مواجهة العدو الصهيوني. مصالح اقتصادية وحول الأوراق والخيارات المتاحة في يد الجانب العربي في الوقت الراهن للتعامل مع هذه الأزمة يرى اللواء طلعت مسلم أن الورقة الاقتصادية هامة للغاية فهناك علاقات تجارية قوية لنا مع الولايات المتحدة وأوروبا ولابد أن تشعر هذه الدول أن مصالحها الاقتصادية معنا سوف تتأثر اذا هي لم تتخذ من المواقف والإجراءات ما يدعم الحق العربي أو على الأقل لا يكون ضده، وتفعيل الورقة الاقتصادية لن يتم الا من خلال المقاطعة لكل ما هو اسرائيلي وأمريكي بل وللدول الأخرى التي تساند اسرائيل، المقاطعة من ناحية وتفعيل التعاون الاقتصادي فيما بيننا كعرب من ناحية أخرى حتى نقوى اقتصاديا ولا يظل اعتمادنا هكذا على الطرف الخارجي، لابد من التساؤل أين وصلنا فيما يتعلق بمنطقة التجارة الحرة العربية؟ ولماذا ذهب الحديث عن السوق العربية المشتركة ادراج الرياح؟ هذه التساؤلات لابد أن تثار وأن يكون هناك حوار ومناقشات حولها، يجب أن نستفيد من المأزق الحالي في البحث عن البدائل العربية وهي كثيرة، لماذا أيضا لا يتم سحب ولو جزء من الأرصدة العربية الموجودة بكثرة في البنوك الأمريكية والغربية وتوجيه هذه الأموال للتنمية في المنطقة العربية، وخاصة بعد هذه المواقف المزرية من جانب الولايات المتحدة وغالبية الدول الغربية التي تنتعش اقتصادياتها من خلال الأموال العربية، هذه الإجراءات هامة ومطلوبة وأفضل من أن نتخذ اجراءات مباشرة ضد الولايات المتحدة مثل التخفيض للبعثات الدبلوماسية العربية لديها لأن هذا ليس مجاله الآن وفي ظل هذه الهجمة الأمريكية على العالم بحجة محاربة ومكافحة الإرهاب. وفي هذا الإطار لا يستبعد اللواء طلعت مسلم أن ما يتم الآن في الأراضي العربية المحتلة في الضفة العربية ما هو الا جزء من سيناريو ومخطط أمريكي مدروس بعناية لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، وبما يضمن الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية عليها، وفي سبيل ذلك سوف يجد الأمريكان الكثير من المبررات وخاصة تلك المتعلقة بمكافحة الإرهاب من أجل تنفيذ هذا المخطط ومن هنا كان ادراج كل منظمات المقاومة الفلسطينية على قائمة المنظمات الإرهابية وكان اطلاق يد شارون ليفعل ما يشاء، ومن هنا أيضا كانت التهديدات الأمريكية لكل الدول العربية بأنها اذا لم تحارب الإرهاب فسوف يتم معاقبتها.