الملف السياسي: بدت الدول العربية منذ قمة بيروت وحتى الآن بشكل خاص في حالة توافق على أمور عدة أبرزها: سقوط خيارات التسوية، وجود سيناريو اسرائيلي «ممنهج» لتوسيع ضرب فلسطين ليصبح عربياً، تغيير النظام الاقليمي، اعادة رسم خريطة المنطقة في بعض الدول العربية (خاصة العراق) استمرار العجز العربي عن المواجهة المتكاملة والفاعلة. بروز صمت مطبق من قبل بعض العرب رغم هول ما جرى ويجري في فلسطين وفداحته، غياب أي خيار عربي عملي ليس بالنصر المبين المرجو، بل حتى «بحفظ ماء الوجه» والحاضر الأكبر الناتج عن الدعم او التغاضي لاسرائيل أو عنها. والخطر الافظع ان كل ذلك يتم، وما زال، ليس بالانحياز الامريكي لاسرائيل فحسب، بل ببروز خطة مشتركة اسرائيلية ـ أمريكية قائمة على التوجهات والآليات والاستهدافات تلك نفسها. من هنا يبدو التوافق العربي ـ العربي على ما هو أبعد من ذلك ، ومفاده ان رحيل أو سقوط رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون لن يغير شيئاً في النهج والخطة والمؤامرة التي ستستمر به أو بسواه. ضمن هذه القناعة تلخص أربع شخصيات فلسطينية ما حصل، وما يمكن حصوله، وما المطلوب في الحالتين فلسطينياً وعربياً، وهي: الأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة، ممثل حركة «حماس» في لبنان اسامة حمدان، ممثل «الجهاد الاسلامي» في لبنان أبو عماد الرفاعي، والباحث والكاتب الفلسطيني ماهر الشريف. وقد تمحور مختصرهم المفيد حول ثلاث نقاط هي: 1ـ سقوط خيارات التسوية وانعكاساتها اقليمياً. 2ـ الموقف العربي الباهت، والمطلوب منه. 3ـ الخلل الدولي والانحياز الامريكي. ثلاث أساسيات تصب كلياً في التأكيد على خطورة التحديات وان كانت تقليدية منذ 1948 حتى الآن، وعلى استمرارها وهذا الأهم بشارون أو سواه. المشروع الاسرائيلي المتواصل ـ هل سقطت نهائيا خيارات التسوية؟ أية تأثيرات وانعكاسات متوقعة على مستوى النظام الاقليمي؟ ما السيناريو الاسرائيلي لضرب العرب؟ ـ حواتمة: حكومة شارون والطاقم الأمني الدموي المحيط بها تريد تحقيق مسألتين: أولهما: غرض بعيد يتمثل بفرض حل القوة مع الفلسطينيين من خلال اضعاف قدراتهم ووضعهم تحت حالة يضطرون من خلالها لتقديم تنازلات استراتيجية، والقبول بحل انتقالي طويل الامد، والمسألة الثانية تتمثل بشطب الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، مادياً على الأرض، وانهاء تفاعلاتها الشعبية العربية الايجابية وحتى الرسمية، كذلك التفاعلات الدولية المماثلة، خاصة من أوروبا ومجلس الأمن الدولي. ويندرج في اطار المسألتين الدفع إلى القبول بتعديلات شارون على «وثيقة تينيت» خصوصاً حق اسرائيل بالمطاردة الساخنة «لقادة وكوادر العنف»، أي المقاومة، إذا عجزت السلطة الفلسطينية عن ذلك. وعودة الطرف الفلسطيني إلى المفاوضات من دون ان يكون مسلحاً أو مالكاً لأي عنصر قوة. وعلى المدى الابعد، وفي اطار النظام الاقليمي فإن اسرائيل وواشنطن معاً تريدان تحقيق ضربات اضافية استراتيجية ضد العراق لاحداث المزيد من الاضعاف له، ولجميع العرب، لذلك سرعت واشنطن محاولة الانتهاء من ملف ما يدور في الأراضي الفلسطينية، ووقف الانتفاضة والمقاومة بشكل نهائي والاستدارة نحو العراق. طبعاً لا يمكن التكهن بكل شيء، لكن الأمور تشير إلى الآتي: فواشنطن معنية بفرض حلول تديم الاحتلال الاسرائيلي، وتعطي الفلسطينيين حقوقاً مقزّمة على دولة مقطعة الأوصال، كما هي معنية بتفكيك العراق وخارطته السياسية والجغرافية، وهذا أمر ما زال متعذراً عليها، لأن اجماع دول المنطقة يصب في اتجاه آخر، يهدف إلى المحافظة على وحدة العراق. ـ حمدان: ان عملية التسوية لم تجد شيئاً حتى الآن، فهي ضيعت الكثير من الحقوق مقابل بعض الشكليات التي ربما اعتبرها البعض انجازات واقعية وتبين من خلال الحصار انها وهمية. اننا لا نتوقع من العدو الاسرائيلي إلا الاستمرار في تنفيذ برنامجه وخططه الدموية والتوسعية تجاه شعبنا وامتنا، نحن نتمنى بالطبع ألا يحصل هذا العدوان والأذى، ونعتبر ان لصمود الاخوان في سوريا الاثر الكبير لدعم المقاومة في لبنان وفلسطين، واننا نحذر الاسرائيليين من ان أي اعتداء ستتعرض له سوريا والعراق، سيرد عليه الشعب الفلسطيني بشكل عنيف. ـ الى متى استمرار العجز السياسي العربي، وسياسة الصمت وتغييب المؤسسات والحريات الديمقراطية، والبقاء خارج دائرة القرار المطلوب بالتصدي لاسرائيل وداعميها بمختلف الوسائل والأسلحة المتوافرة؟ ـ حواتمة: ان نتائج ما بعد الاجتياح الاسرائيلي ما زالت في بدايات تبلورها الأمر الذي يستدعي من جميع الفلسطينيين الحذر والانتباه ومواصلة الانتفاضة والمقاومة على الأرض ضد قوات الاحتلال والمستوطنين وافشال كل النتائج التي توخاها شارون من حربه الدموية الأخيرة والمستمرة. وبالنسبة لمعسكر السلام في اسرائيل فإنه مازال متواضع الحضور لأسباب شتى في مقدمتها سياسة أهل أوسلو وأداؤهم، من جهة والموقف العربي المتآكل المتهاون والمتردد من جهة أخرى، وهو الذي يفتح شهية اليمين وشارون لمواصلة حروبهم العدوانية، وتحقيق شعارات ما يسمى بـ «الاجماع الوطني القومي اليهودي الصهيوني التوسعي». واذا أردنا لمعسكر السلام الاسرائيلي أن ينمو، علينا ان نبادر كعرب الى سياسات متناسبة، بحيث انها لا تعطي اليمين في اسرائيل المجال الواسع للعربدة السياسية والعدوانية التي تتخذ أشكالا متنوعة، ومنها الاجتياح الراهن للمناطق «أ» التي بلا حصانة، فاتفاقات أوسلو تنص على حق المطاردة الساخنة لناشطي الانتفاضة والمقاومة تحت شعار «وقف العنف والارهاب». إذا لم تقم سلطة أوسلو الفلسطينية بذلك وهذا ايضا في الرسائل المتبادلة بين عرفات واسحاق رابين (في التاسع من سبتمبر عام 1993). ـ هل يعني هذا ان شارون «على سكة» السقوط، أو اسقاطه من قبل المتلاعبين بمصير المنطقة، خاصة الذين يحركون الامور الاقليمية من داخل الادارة الامريكية والبيت الابيض مثلا؟ ـ حواتمة: هنا يدخل حسن استخدام العرب للأسلحة التي يملكونها، وهي عديدة ومتنوعة، ولا يقصد بها فقط السلاح الذي يطلق النار، أليس الشارع العربي سلاحا مهما كونه وسيلة ضغط ضد شارون وحكومته وسياسته؟ فمن المآثر الخالدة والنتائج المهمة التي أعطتها الانتفاضة الفلسطينية تمثلت، ولا تزال، بتفعيل الشارع العربي، وعودة الناس الى السياسة بعد عزوف طويل سببته سياسات الانظمة التي همشت الشارع، والقوى والاحزاب، كذلك مؤسسات المجتمع المدني عامة. فأعادت الانتفاضة الحياة والحيوية الى هذا الشارع بعد سبات عميق طال طويلا. إلا ان حركة الشارع العربي لا يمكن ان تعطي ثمارها البعيدة بدون تحويل هذه الحركة الى قوة مادية ملموسة بحاملات تنقلها من الشارع الى مستوى القرار السياسي. وهذه القضية هي الاساس في المرحلة الراهنة على الصعيد العربي لدعم الانتفاضة واسنادها. فعلى السلطة الفلسطينية ان تكمل ما حققته الانتفاضة على مستوى الشارع الجماهيري والسياسي والعالم العربي. ـ حمدان: تطالب السلطة بقراءة تجربة السنوات العشر الماضية بعين واعية وعقل منفتح، وبمصارحة الشعب الفلسطيني بأنها اتخذت خيار المقاومة. هذا الوضوح المطلوب في موقف السلطة سيؤدي الى تحريك الموقف العربي، لان الضبابية لا تزال تلف موقف السلطة، وانهاؤها سيؤدي الى مزيد من تماسك الوضع العربي ومواجهة الضغوط الامريكية. فالمقاومة برأينا، ليست افعالا عسكرية فحسب، بل هي منظومة متكاملة من الفعل السياسي والعسكري والاعلامي والامني والاجتماعي. فالمقاومة سلاح عربي يجب استخدامه، لكنها لا تصبح سلاحا إلا عندما تصبح مشروعا متكاملا، وليس مجرد عملية عسكرية هنا أو هناك. فالاحتلال انسحب من لبنان عندما اكتملت كل حلقات المقاومة فيه ضده. ـ الشريف: يمكن القول باختصار انه الى ان تجبر الادارة الامريكية على تغيير موقفها القائم على تقديم مقترحات، أو املاءات، هدفها خفض مستوى العنف كي لا يخرج عن نطرق السيطرة وامتصاص النقمة المتزايدة على سياساتها المنحازة لاسرائيل، وتتوصل غالبية من الاسرائيليين الى الاقتناع بأن الامن لا يتفق مع الاحتلال، وان خيار «الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل» الذي عرضته الدول العربية بصورة جماعية في قمة بيروت الاخيرة، هو الخيار الافضل لاسرائيل على المدى البعيد... أقول انه الى ان يتحقق ذلك، يبدو انه لن يكون امام الشعب الفلسطيني سوى الاستمرار في النضال وتحمل المعاناة، ولن يكون امام اشقائه العرب واصدقائه في العالم، سوى مواصلة حملات الضغط لصالحه، والتضامن معه، وتصعيدها بمختلف الاشكال والاسلحة السياسية والعسكرية والاقتصادية (مثل النفط والمقاطعة). بانتظار انهاء الانحياز والخلل ـ متى وكيف يمكن وضع حد للخلل الدولي القائم حيال الموقف من القضية الفلسطينية عامة، والعدوان الاسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بالركيزة الاساسية لهذا الخلل وهي الانحياز الامريكي لاسرائيل؟ ـ حمدان: لا شك في ان الادارات الامريكية المتعاقبة كرست علاقة استراتيجية مع اسرائيل، وبنت نموذجا لرعاية مصالحها في المنطقة قائما على ضمان تفوق وامن اسرائيل، لكن الادارة الامريكية لم تدرك حتى هذه اللحظة بعد ان جملة المصالح الامريكية لا يمكن لاسرائيل حمايتها في المنطقة، لا بل ان استمرار الادارة الامريكية في هذا التعاون مع اسرائيل يستنفر دولا في المنطقة كانت صديقة للولايات المتحدة. والمشكلة ان الادارة الامريكية تقرأ المنطقة بالعيون الاسرائيلية، وهذا ما وضح مجددا من خلال ردات الفعل الامريكية على مبادرة السلام العربية الاخيرة (مبادرة الامير عبدالله). لعل السلاح العربي الابرز في مواجهة ذلك هو ان يحظى خطاب المقاومة بغطاء سياسي عربي، وفي الوقت نفسه اعتماد منهجية الصمود في وجه الضغوط الامريكية، وتركيز المقاومة على مواجهة الاحتلال، وبالتالي عدم الخوض في أي معارك جانبية، مع التأكيد على ان هدفها هو انهاء هذا الاحتلال. ان الشعب الفلسطيني متماسك الان في مواجهة هذا الهجوم والعدوان من قبل اسرائيل، فقد جمعته وحدته الوطنية في حالة مميزة قائمة على أساس انه اذا ظن شارون انه يستطيع ان يغير او يختار قيادة فلسطينية يأتينا بها على ظهر دبابة اسرائيلية فهو واهم، أي شخص يأتي من خلال هذه الدبابة، فإن الشعب الفلسطيني بكل فصائله المختلفة سيتعامل معه تماما كما تعامل لبنان مع العملاء في جنوبه. ـ الرفاعي: اسرائيل حاجة أمريكية وليس العكس، وأحد أهم مصالح الولايات المتحدة، وبقاء اسرائيل في المنطقة، وهكذا نشاهد الموقف الامريكي المنحاز بشكل واضح الى الكيان الصهيوني، برغم كل الانتهاكات التي تقوم بها اسرائيل ضد القوانين والمواثيق والاعراف الدولية. فواشنطن كانت وستبقى، في ظل استمرار نهجها وسياستها، ترى في اسرائيل ثكنتها العسكرية المتقدمة، والتي لا غنى لها عنها، برأيها، في مواجهة العالم العربي والاسلامي. ـ الشريف: الواقع ان الانحياز الى الاسرائيل والموقف الذي تبنته الادارات الامريكية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي، منذ انعقاد مؤتمر مدريد في خريف العام 1991، والذي قام على قاعدة «ادارة الازمة» بدلا من البحث عن حل جذري لها، مثل عاملا رئيسيا من العوامل التي ساعدت على تنامي هذا التوجه اليميني المتطرف والمناهض للسلام داخل اسرائيل. وبوصول جورج بوش الابن الى البيت الابيض، اتخذ الانحياز الامريكي لاسرائيل، أو بالاحرى لحكومة غلاة المتطرفين الاسرائيليين بزعامة شارون، ابعادا جديدة لا سيما بعد ان استغلت الحكومة هذه احداث 11 سبتمبر الماضي، ونجحت في مماهاة النضال الفلسطيني، بـ «الارهاب» والواقع انه نادرا ما كان رئيس أمريكي خاضعا بهذا الشكل لتأثير طاقم من المساعدين، وبخاصة في مجلس الامن القومي، وفي البنتاجون، مؤيداً لاسرائيل بهذا الشكل، الى درجة ان بعض هؤلاء المساعدين، مثل فولفويتز، معاون وزير الدفاع، أو ريتشارد بيرل مستشار الوزير، لا يخفى تماهيه الكامل مع مواقع تجمع «الليكود»، وعدم الاقتناع بعملية اوسلو.