الملف السياسي: إذا كانت الحملة العدوانية الشرسة التي يقودها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في أراضي الحكم الذاتي قد حركت الضمير الإنساني في مختلف أصقاع العالم، فإن الأنظمة السياسية العربية لم تتمكن في أحسن الأحوال من بلورة مواقف رسمية واضحة تندد بالإبادة الصهيونية المبرمجة للشعب الفلسطيني بحكم انتماء هذا الشعب عرقيا وحضاريا وتاريخيا إلى أمة تدعي هذه الأنظمة أنها تمثلها وتدافع عن قيمها ومصالحها. ويمكن إرجاع هذا السلوك الرسمي العربي إلى احتمال سوء إدراك النخب السياسية العربية لطبيعة وخطورة الإجراءات الإرهابية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وانعكاساتها المختلفة على النظام الإقليمي العربي. يعود ذلك إلى شكل الإرادة السياسية القطرية والجماعية التي تملكها الأنظمة السياسية العربية في ظل ما تركته لها التحولات الإقليمية والدولية من حرية تصرف ومناورة. وأخيرا فإن الموقف الرسمي العربي ممّا يحدث للشعب الفلسطيني على يد السفاح شارون يعود بالدرجة الأولى إلى محاولة هذه الأنظمة التعامل بطريقة عقلانية وحذرة مع الظروف الدولية والإقليمية التي أفقدت جل النخب السياسية العربية مصداقيتها وقيدت سيادتها واستقلاليتها في مختلف المجالات ممّا يجعلها تحسب ألف حساب لاحتمال تعرضها لإجراءات عقابية من طرف التحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي. إن السلوك الإرهابي الصهيوني الموجه نحو إبادة وتحجيم مختلف أشكال المقاومة التي أفرزتها القاعدة الشعبية الفلسطينية لم يكن وليد الصدفة، بل يدخل في إطار تنفيذ إحدى حلقات الاستراتيجية الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط. وتكاد تجمع كل القوى السياسية الإسرائيلية حول الأهداف الأساسية لهذه الاستراتيجية، رغم بعض التنوع والتباين في إجراءات ووسائل تنفيذها في إطار الصراع العربي ـ الصهيوني. وتقوم هذه الاستراتيجية على الهيمنة والتوسع وتوفير القدرات والشروط التي تسمح لإسرائيل بضمان تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على الدول العربية مجتمعة. لذلك فعندما دخلت إسرائيل في سلسلة من مسارات السلام مع بعض الدول العربية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جذري في طبيعتها العسكرية والعدوانية بل يدخل في إطار تنويع تكتيكي في التعامل مع مستجدّات البيئة الدولية والإقليمية. فالسلام في المنظور الإسرائيلي لا يحيد عن دائرة الأهداف العامة الموجهة لاستراتيجيتها الشاملة في المنطقة. فهو سلام يفرضه القوي على الضعيف ويضمن الهيمنة الصهيونية على المنطقة عن طريق ما يسمى بروابط الاعتماد المتبادل في إطار ترتيبات إقليمية جديدة. فإسرائيل تريد قيام سوق شرق أوسطية من أجل الاستحواذ على ثروات وأسواق المنطقة ومن تم اختراق والقضاء على ما تبقى من النظام الإقليمي العربي وعلى أشكال وأطر التنسيق والتعاون العربي. ومع ذلك فإن الكثير من الدول العربية أخطأت الحسابات في إدراك إقدام إسرائيل على إبرام مجموعة من اتفاقيات ما يسمى بـ «السلام» معتقدة بأن تحولا هاما قد طرأ على سياسة واستراتيجية الكيان الصهيوني، وبالتالي توهمت هذه الأنظمة أن التقارب العربي ـ الإسرائيلي أصبح ممكنا ممّا دفع بالبعض من النخب السياسية العربية إلى التعجيل بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. فإذا كانت هذه هي منطلقات فهم وإدراك الأنظمة السياسية العربية لعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، فإن تقييمها للحرب الشارونية وما سوف يترتب عنها من انعكاسات سلبية على النظام الإقليمي العربي سوف يكون بالضرورة غير موضوعي وغير عقلاني ممّا يفرز مثل هذه المواقف السلبية من النخب السياسية العربية. أمّا المصدر الثاني للمواقف السلبية للأنظمة العربية تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية فيكمن في طبيعة ومحتوى الإرادة السياسية التي تمتلكها هذه الأنظمة. فهذا المأزق والمعضلة التي تعاني منها مختلف الأنظمة العربية يحوّل العلاقة بين المواقف الشعبية والمواقف الرسمية في الوطن إلى علاقة تنافر وعدم تجانس بحكم أن الأولى تفرزها محدّدات طبيعية وموضوعية أمّا الثانية فتخضع إلى الحسابات الناتجة عن روابط تبعية النخب السياسية العربية للأطراف المحلية والدولية. وهذه الحقيقة هي التي ساهمت منذ أكثر من عقدين من الزمن في اتساع الهوة التي تفصل بين الإرادتين الرسمية والشعبية في الوطن العربي. بتفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء نظام الثنائية القطبية في العلاقات الدولية ومن ثم هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي، فقدت بعض الأنظمة العربية حرية اتخاذ القرار الذي كانت تتمتع به في ظل الصراع الإيديولوجي الثنائي. إذ أصبحت المتغيّرات التي فرضتها تحولات ما بعد الحرب الباردة كالعولمة، اقتصاد السوق والتحولات الديمقراطية أكثر تأثيرا وتوجيها للسياسة الداخلية للدول العربية. فلم تعد هذه السياسات تستجيب لمقتضيات وظروف البيئة الداخلية بقدر ما هي استجابة للضغوط المفروضة على هذه الأنظمة من البيئة الخارجية. وفي خضم هذه المعطيات والحقائق لا يمكن الكلام عن إرادة سياسية مستقلة تعبر عن آمال وأهداف الجماهير العربية. الإطار الثالث الذي يمكن اللجوء إليه لتفسير المواقف السياسية للأنظمة السياسية العربية تجاه التصعيد الإرهابي الصهيوني ضد الشعب والقيادة الفلسطينية يتمثل في إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على التخلص من كل الأنظمة التي يمكن أن تعيق أو تعارض الاستراتيجية الكونية الأمريكية. لذلك يبدو أن الأنظمة استوعبت بدقّة ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق، يوغسلافيا، ونظام طالبان في أفغانستان. وبحكم عدم وجود معارضة دولية قوية وفعّالة لمثل هذه السلوكات الأمريكية، فإن سلبية النظام الرسمي العربي دفعته حتما إلى كسب ود الدولة المكلفة بفرض العقاب والجزاء الدولي، أو على الأقل عدم القيام بالتصرفات التي تثير رد فعل عنيف من طرف شرطي العالم. وبما أن الدول العربية تنتمي إلى منطقة جغرافية ذات أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذا يجعلها عرضة لإجراءات الردع الأمريكية. وعلى هذا الأساس فإن الصمت الرسمي العربي حيال ما يحدث على أراضي الحكم الذاتي الفلسطينية يندرج في سياق تخوف من الإجراءات العقابية التي يمكن أن تلجأ إليها أمريكا، خاصة وأن كل المؤشرات تؤكد على احتمال كون العدوان الإسرائيلي يدخل في إطار مؤامرة أمريكية ـ إسرائيلية تهدف إلى إحكام قيود تبعية منطقة الشرق الأوسط للتحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي. انطلاقا من هذه المعطيات والحيثيات يبدو أن الحرب الشارونية على الشعب الفلسطيني أوقعت الدول العربية في مأزق. فإذا كانت البيئة الداخلية تدفع في اتجاه اتخاذ مواقف وإجراءات المساندة والدعم للقضية الفلسطينية، فإن النخب السياسية العربية منشغلة باعتبارات أخرى تتحكم فيها البيئة النفسية لصانع القرار العربي المرتبطة أكثر بإفرازات ما بعد الحرب الباردة. ولذلك فالمهمة سوف تزداد اتساعا بين المواقف الرسمية والشعبية العربية بحكم أن الأولى مرتبطة بالمصلحة والعقلانية، في حين أن الثانية تقرها مشاعر التضامن والعاطفة والانتماء. وانطلاقا من هذه الحقيقة المؤكدة فإن التحول في معطيات وطبيعة النزاع العربي ـ الصهيوني سوف يرتبط أكثر بما يجري خارج إطار بيئة صناعة القرار في الوطن العربي. ففي ظل معطيات البيئة الإقليمية والدولية يمكن القول أن فعّالية ومصداقية الفعل العربي الرسمي تبقى مكبّلة بمجموعة من القيود الحقيقية والوهمية وهو ما يضعف إمكانية الاعتماد على الدوائر الرسمية العربية لإحداث نقلة نوعية في الصراع العربي ـ الصهيوني. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الجزائر