الملف السياسي: ليست حرب الإبادة الجارية في فلسطين «شارونية» إلا بقدر أن رأس حربتها شارون نفسه. فهذه الحرب في تخطيطها، وفي أدوات ارتكابها، وفي وسائل دعمها، وفي طرق تضليل الناس عن رؤية حقيقتها، وفي حماية ظهرها من النقد والإدانة أمريكية إسرائيلية، بل إن إسرائيل ما كانت لتجرؤ على القيام بها وحدها، وما كان يمكن أن تباشرها دون أن تضع أهدافها في خدمة الأهداف الأوسع لحرب الهيمنة الأمريكية على العالم التي استعارت لها الولايات المتحدة اسم الحرب على «الإرهاب» لتقود بها المغفلين والمنافقين وترهب بها المتشككين والرافضين. لقد بدأت هذه الحرب في نفس اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي كلينتون مسئولية السلطة الفلسطينية في فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية. حينذاك، بدأت الحكومة الأمريكية يدعمها إعلام قادر أيديولوجيا ومتمكن تقانيا في حملة دعائية تجعل جوبلز يحمر خجلا من تواضع قدراته في الإفك والكذب على شهرتها. فقد صورت الإدارة الأمريكية أن عرضها على السلطة الفلسطينية لتكون جهازا أمنيا ملحقا بإسرائيل دولة فلسطينية، وأن ضم خمسين بالمائة من الضفة الغربية بأشكال شتى إلى إسرائيل سخاء إسرائيلي فوته الفلسطينيون كعادتهم في تفويت الفرص الجيدة. لغة القوة منذ تلك اللحظة بدأت إسرائيل بمعرفة كاملة من أمريكا تعد الخطط لفرض ما عرضته من حل بالقوة المسلحة بعد أن فشلت في تمريره بالإغراء. ولذلك بدأ التصعيد الإسرائيلي في مضايقة السلطة وفي امتهان كرامة المواطنين، وفي تعجيل إجراءات التغيير على الأرض. ولم تكن زيارة شارون للحرم القدسي عفوية بل جزء لا يتجزأ من السياسة الإسرائيلية الأمريكية الجديدة. وكان مجيء شارون إلى الحكم نتيجة للحملة الأمريكية الإسرائيلية التي ملأت الدنيا زعيقا أن الفلسطينيين لا يريدون السلام ، وأنهم كلما أعطوا شيئا طمعوا بالمزيد. فالرسالة التي تلقفها الشارع الإسرائيلي من هذه الحملة أن الفلسطينيين لا يفقهون إلا لغة القوة، وليس هناك أفضل من شارون ليبلغها لهم. وقد اكتمل منظور القوة لفرض الحل حينما تصادف وصول شارون إلى الحكم مع تسنم بوش لسدته. وقبل أحداث سبتمبر، لم يكن الرئيس الأمريكي الجديد في وضع يمكنه أن يباشر علنا مع شارون حملته. فشرعيته العرجاء لم تحتمل أخطاء جديدة. ولذلك انسحبت الحكومة الأمريكية ظاهرا من التدخل بذريعة أنها لا تريد أن تكرر أخطاء الحكومة السابقة، ولكن حقيقة لتمكين شارون من بناء وتنفيذ سياساته مع تحميله وزرها التي قبلها مسرورا. غير أن أحداث سبتمبر قادت إلى تغيير جذري في شرعية الرئيس الأمريكي بوش، ولم يعد يأبه بالأخطاء فقد امتطى ظهر الرعب الذي دب في مفاصل الشعب الأمريكي ليس بسبب الأحداث فقط، وإنما أيضا من جراء حملة الإرهاب الإعلامية الأمريكية لجعله أكثر قبولا لكل ما تفعله الحكومة الأمريكية. وبعد أن تضاءلت فعاليات الحرب في أفغانستان، بدأت أمريكا تعد لمرحلتها الثانية في العراق. لكن اكتشف الأمريكان على إثر زيارة تشيني أن المنطقة لا تتحمل مسرحين للحرب في آن. ومن هنا كان الاستعجال في بدء الحرب الفعلية تصورا أن المذابح ستؤدي إلى أن يخيم الصمت في المنطقة، وأن تستقيل الجماهير من معارضتها للحرب الأوسع. موت سريري وخلال هذه الفترة كان النظام العربي الرسمي يتأوه أن أمريكا تترك فراغا بعدم استئناف دور الوسيط النزيه، وأنها لا بد لها أن تمارس نفوذها في حل الأزمة المستعصية، وجعل شارون أكثر عقلانية وأقل عدوانية. وقد كان في هذا تبرئة لأمريكا مما يجري من أجل تبرئة النظام العربي وتبرير علاقاته الحميمة مع أمريكا. إذ لا يستقيم اتهام أمريكا بالتواطؤ وتواصل الود معها. وقد أصبحت هذه الدعوى، أي عدم تدخل أمريكا، مثارا للفكاهة في العالم. فكأن النظام العربي كان غافلا عن ان أمريكا غارقة حتى أذنيها في حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، بل الشعب العربي عموما. فالنظام العربي لا يجهل أن صواريخ وطائرات ودبابات إسرائيل كلها أمريكية تمويلا وتقانة وتجارة. وأن أمريكا الوحيدة التي تقف في مجلس الأمن ضد كل من تخول له نفسه أن يقترح إرسال مراقبين لمنع ارهاق الدم الفلسطيني. وأنها تعتبر كل فلسطيني يذبح على يد الأسرائيليين كائنا من كان إرهابيا، وأن كل قاتل إسرائيلي بطلا يدافع عن وطنه وأهله. ومع ذلك بقيت الالتماسات توجه إلى أمريكا للتدخل إمعانا في التضليل. فعجز النظام العربي الرسمي كان مثلا شائعا خلال السنوات الماضية، إلا أن الحرب «الشارونية» أظهرت أنه في حال موت سريري، ليس هناك من البلدان من يجرؤ على رفع الأجهزة عنه حتى يعلن موته. فإلى سنوات قليلة خلت، كانت البلدان العربية تأوي إلى كنف النظام العربي لتقوي نفسها به. فالبلدان التي كانت تتخذ مواقف قوية كانت تحتاج مظلته حتى لا تبدو وحدها في مواقفها، والبلدان الأخرى كانت تشتري صمت مواطنيها في المشاركة باتخاذ قرارات تعرف من التجربة أنها قادرة على التحلل منها. وقد قاد انتهاء الحرب الباردة إلى وضع جديد أصبح فيه معظم أعضاء النظام العربي يتسولون الدعم الاقتصادي أو السياسي أو كلاهما. ولم يعد من «بائع» لهذا الدعم في النظام الدولي الجديد إلا الولايات المتحدة. ولأنها محتكرة للسلعة الجديدة فقد أصبح ثمن ما تقدمه من دعم سياسي أو اقتصادي باهظا سياسيا وأمنيا واقتصاديا بل بدأ يصبح باهظا اجتماعيا وثقافيا. فأصبح البعض لا خيار لهم إلا الترويج لما تريده الولايات المتحدة. وتطور الأمر إلى أن أصبحت هناك منافسة تؤدي في بعض الأحيان إلى الاختلاف بين البلدان الرئيسية إن سبق أحدهما الآخرين في استرضاء الولايات المتحدة. ولأن الأمر أصبح سباقاً على الرضا، ففيه الخاسر وفيه الرابح، ولم يعد كما كان في السابق، عموما، التعاون المؤدي إلى توزيع المنافع، حتى وإن لم يكن متساويا، على الجميع. أي أصبحت طرائق العمل داخل النظام العربي تؤدي إلى محصلة تعادل الصفر، حيث ما يربحه البعض يخسره الآخرون. وقد وضح ذلك جليا خلال المأساة الحالية، فقد تداعى الجميع إلى مؤتمر قمة من أجل القضية الفلسطينية، لكن بالطريقة التي ترضي الولايات المتحدة. ومع أن البعض لم يكن مرتاحا لما جرى لكنه لم يملك إلا المسايرة في الأمر. وفشل الجميع في أن يتحوطوا للمذابح البادية آياتها عشية المؤتمر لأن في ذلك إفسادا للطبخة السياسية وإغضابا لأمريكا. وعلى سرعة تجاوب النظام العربي لما يرضي أمريكا، فشل في أن يلبي ما تنتظره جماهيره في حده الأدنى. ولعل المبكي في كل ذلك أن النظام العربي واصل مطالبته للبلدان الأخرى لأن تقوم بواجباتها تجاه ما يحصل في فلسطين، في الوقت الذي يعلن البعض فيه صراحة أنه لن يقوم بشيء متحللا من التزاماته. استراتيجية التنازلات وشجع فشل النظام العربي في النهوض بمسئولياته القومية إسرائيل والولايات المتحدة على الاستخفاف بما يصدر عنه، وعلى التمادي في شروطهما وطلباتهما. فلم تنحصر المسألة في رفض إسرائيل لمبادرة القمة ومباشرة مذابحها للشعب الفلسطيني، وإنما شرعت في تعيين من تريد التفاوض معه سواء من الدول أو الفئات داخل البلدان. فاقتراح شارون الذي حظي بالتأييد الأمريكي سمى البلدان التي يدعوها إلى مؤتمر لمفاوضات السلام وعين من لا يريده من الفلسطينيين مفاوضا. ثم عزز باول هذا الامتهان حينما طلب من البلدان العربية أن تعلن إدانتها الجماعية لأعمال المقاومة. فهم يقررون لأنفسهم أعمال الردع والدفاع عن النفس التي شهدنا أمثلتها في جنين ونابلس وبيت لحم والمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وثم يقررون للعرب طرق المقاومة التي عليهم أن يتبعوها، أي الصبر على القتل والاستباحة والتدمير. ونجم ذلك كله عن اختيار النظام العربي لاستراتيجية التنازلات التي أطلق عليها لفظا محسنا. والتنازلات وإن بدت لمن يقدمها تعبيرا عن رغبته في الوصول إلى حل، إلا أنها من وجهة نظر الطرف الآخر جب عميق لا يعرف قاعه إلا بالمزيد من الانحدار فيه. ولن يتعين قاعه إلا حينما يصطدم بأرضه الصلدة، لكن أمريكا وإسرائيل لا تجدان حتى هذه اللحظة إلا فوهات مفتوحة لا يبدو لها قرار. ولقد كان الدرس بليغا في هذه المحنة لبعض البلدان المعرضة للتهديدات الأمريكية، إذ أنها أصبحت على يقين أنها ستكون وحدها في المعركة إن شنتها أمريكا مباشرة أو بواسطة إسرائيل. وهي وإن كانت تبقي شعرة معاوية مع النظام العربي فذلك أملا بتحسن الأحوال أو طمعا في إبقاء النظام العربي على الحياد. وباتت تراهن على الجماهير العربية لأنها أدركت قوتها وتأثيرها على ما يجري. ولكن ذلك يحتاج إلى بناء. فقوة الجماهير وتأثير احتجاجها قد يتبدد إن كان عفويا، بل لا بد من تسهيل تدفقه في جداول تجري إلى مصب واحد. وهذا لا يتحقق بالأمر الحكومي، وإنما بمنظمات المجتمع الأهلي المستقلة عن القرار الحكومي. هذه هي «بوليصة» التأمين للبلدان التي تخشى على نفسها من العدوان أو التي تريد أن تتحرر من أغلال وقيود الإمبراطورية الأمريكية. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن