.. الدكتور عزمي بشارة النائب العربي في الكنيست الاسرائيلي يجمع بين صفة المثقف البارز .. والباحث الأكاديمي .. والممارس السياسي الذي يشغل مقعداً داخل الكنيست ويقود حزباً سياسياً عربياً هو التجمع الوطني الديمقراطي .. وبين هذه الصفات ايضا رجل له مشروعه الفكري والسياسي ورؤاه الواضحة فيما يتعلق بحركة التحرير الفلسطينية ومستقبلها و.. الداخل العربي في «إسرائيل». ولديه اشتباكاته السياسية ونقاشاته وحواراته النقدية مع كافة التيارات بمختلف توجهاتها على الساحة الفلسطينية عموماً بهدف الوصول الى مشروع فكري وسياسي للمراجعة والتطوير في ضوء المستجدات وتراكم الخبرات والاستفادة منها في الوقت ذاته.. الدكتور بشارة تحول الى مرادف للمشاغبة والارباك داخل النخبة السياسية في اسرائيل بسبب آرائه ومواقفه من الاشادة بالمقاومة اللبنانية في عنفوان اشتباكها مع الاحتلال، أو من خلال طرح ترشيحه كفلسطيني عربي لمنصب رئيس وزراء اسرائيل في انتخابات 1999 بغض النظر عما رافق ذلك من تطورات. ولذلك كان طبيعياً الا تصمت عليه «اسرائيل» كثيراً فقررت احالته للمحاكمة في واقعة لم يسبق لها مثيل في الديمقراطية الاسرائيلية المزعومة بتهمة «التحريض ضد اسرائيل والادلاء بتصريحات مؤيدة لحزب الله وتنظيم رحلات غير قانونية لعرب 48 الى سوريا، وذلك بعد نزع حصانته البرلمانية. ومع ذلك لا يتراجع عزمي بشارة عن مواقفه وأفكاره وآرائه في المقاومة والرهان عليها ضمن رؤية بدأ د. بشارة في مناقشتها بصوت عالٍ خلال زيارته للامارات في الأسبوع الماضي. طرح بشارة اسئلة مصيرية ملحة للبحث فيها ومحاولة الاجابة عنها من الجميع دون استثناء سواء من بأيديهم زحام المسئولية أو من يقاومون على الأرض لتوحيد الصف في مواجهة الحالي والقادم استناداً الى استراتيجية واضحة وهدف محدد. مساء الثلاثاء الماضي وعلى هامش زيارته لدبي حرص الدكتور عزمي بشارة على زيارة «البيان» وهو أحد أشهر كتابها، والالتقاء بأسرة تحريرها في لقاء ودي وأسري. وكانت فرصة أخرى ـ لم تضيعها أسرة «البيان» لطرح أسئلة كثيرة معظمها حائرة لم تجد حتى الآن الاجابة الشافية. في اللقاء الذي أداره الأستاذ خالد محمد أحمد المدير العام رئيس التحرير التنفيذي واستمر لقرابة الساعتين .. أجاب د. بشارة من خلال تجربته السياسية وخبرته الأكاديمية بصراحة .. وأعاد طرح اسئلته وتساؤلاته الخاصة بالواقع والمستقبل الفلسطيني والعربي. أوضح بشارة ان المخطط الشاروني الحالي يقوم على منهج وتكتيك يهدف لترويض العرب وتعويدهم تدريجياً حتى صار حصار رئيس عربي أمراً مقبولاً! فماذا لو تم الحصار على رئيس عربي آخر! ولا يخفي تخوفه من رغبة اسرائيل من التخلص من عرفات وفي الوقت ذاته يؤكد ان صمود الشعب الفلسطيني هو «الكنز الاستراتيجي» للمستقبل للحفاظ على الثوابت الوطنية. ويؤكد: ان عرفات يؤدي الآن دورا تاريخيا مهما في حين الأمة العربية ولن يستطيع أحد اجباره على التنازلات. وان العرب فقدوا مصداقيتهم دولياً وهناك ارتباك عربي واضح في التحرك السياسي وانهم لم يصبحوا حتى «ظاهرة صوتية»! ان الجماهير العربية اثبتت وعيا عالياً لدعم النضال الفلسطيني. ان النظام السياسي العربي لم يعلن حتى الآن عن خطه الأحمر فيما يحدث من عدوان حتى يعرفه العالم واسرائيل. ويقول ان الانتفاضة كان لها تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الاسرائيلي لكن الأمر يحتاج الى اعادة ترتيب الأولويات ضمن استراتيجية مقاومة جديدة. ويؤكد ايضا ان المجتمع الاسرائيلي سيواجه قريباً صراعاً داخلياً بين مفهوم الدين والدولة. والى تفاصيل اللقاء: الوضع الحالي ـ خالد محمد أحمد: هناك اسئلة كثيرة عن الصورة الحالية للواقع والوضع القادم والحصار المفروض على الرئيس عرفات والحديث عن القيادة البديلة، ثم ماذا يريد شارون بالضبط؟ ـ بشارة: شارون منذ تسلمه السلطة يعمل وفق منهج وتكتيك تدريجي لخطة بدأت منذ باراك لاجتياح الضفة وغزة، وبدأ تنفيذ ذلك بالتدرج حتى يتعود ويعتاد العالم والعرب تحديداً على درجة العنف والعدوان والتصعيد فيه، وبهذا المعنى استطيع أن أفهم موضوع الحصار على عرفات، وتضييق الحصار عليه ثم الابقاء على الوضع لفترة ثم اقتحام المقر بعد ان نكون قد اعتدنا على مشاهدة وقراءة ذلك في وسائل الاعلام واستوعبناه وجدانياً وعقلياً. شارون بدأ في تنفيذ مخططه بعد ان ضمن وقوف حزب العمل معه وانحياز الولايات المتحدة الأمريكية الكامل، بل تحولها الى طرف في الصراع .. فكيف نتصور مثلاً قيام شارون بفرض الحصار على مقر عرفات دون رد فعل عربي قوي؟ ولماذا تجرأ شارون على ذلك؟ ثم .. ماذا لو كان الحصار يتم لرئيس عربي آخر؟ في جميع الأحوال نحن نشعر بالاهانة كعرب من الوضع الحالي لان الموضوع يعد اعتداء على الكرامة العربية.أ تصور ان هناك رغبة شارونية للتخلص من القيادة الفلسطينية، لكن بالامكان منع حدوث ذلك. فبالنسبة للقيادة البديلة اسرائيل لا تستطيع اسباغ أية مشروعية على أية قيادة فلسطينية بديلة لأن ذلك يتطلب ارتباط تلك القيادة بأطراف داخلية وخارجية والا سوف تحكم بالحديد والنار لذلك سوف تفشل اسرائيل في فرض قيادة ليس لها شرعية وطنية مثل ما حدث مع مفهوم «روابط القرى». فإذا كان هذا ممكناً في الماضي فهو أكثر ضرورة حالياً فالحق الاسرائيلي ضد الفلسطيني هذه المرة غير مسبوق. وأؤكد اننا نراقب ما يحدث، لكن شارون رغم ادراك العرب بأنه يرتكب حماقة كبيرة الا ان رد الفعل غير موجود بما يعني ان الوصول الى مرحلة الخطر بالتخلص من عرفات سيتم القبول بها وفق منهجية شارون. لأن العرب لم يعلنوا للعالم واسرائيل أين هو خطهم الأحمر ازاء ما يحدث ولم يسمعه أحد عن هذا «الخط الأحمر العربي». مع ذلك .. الشعب الفلسطيني بصموده سيفشل المخطط حيث لم يخرج صوت فلسطيني واحد يطالب بالتنازل في مثل هذه الظروف ولن يطالب أحد من عرفات بالتنازلات «حقناً للدماء». وفي اعتقادي ان هذا الصمود هو «الكنز الاستراتيجي» للمستقبل للحفاظ على الثوابت الوطنية .. ونستطيع هنا القول ان هناك خطاً أحمر فلسطينياً كتب بالدم بعدم التنازل ولن يأتي أحد يمكنه التنازل عن أشياء لم يتنازل عنها أبو عمار. وهذا يدفعنا الى القول بأن أبو عمار يلعب حالياً دوراً كفرد في التاريخ، والأمة تتطلع اليه، فما زال ثابتاً وصامداً، ويثبت المعنويات العالية في شعبه، ولا يعني ذلك ان هناك من يطرح نفسه بديلاً وندرك ذلك ونتصدى له. الصمت العربي ـ خالد محمد أحمد: ما نريد أن نسأل عنه الصمت العربي ازاء المجازر والعدوان الاسرائيلي، ما تفسيرك لهذا الصمت؟ ـ د. بشارة: أنا أرى أن هناك عدم مصداقية للعرب دولياً خصوصاً فيما يتعلق بسجل الأنظمة في حقوق الانسان، وهناك حالة ارتباك عربي رسمي عموماً، هذا الارتباك ناتج عن عدم وجود تحرك عربي مشترك ومحدد على الساحة الدولية، ولا يوجد حتى أي صوت عربي عال ضد ما يحدث حتى اننا فقدنا لقب اننا كعرب «ظاهرة صوتية». في الوقت الذي نلمح ونلاحظ فيه تحركا أمريكيا اسرائيليا لتشكيل محاور عربية مختلفة، فاجتماع بيروت ثم وزراء الخارجية العرب، لم يحدث شيء ولم يتمخض اجتماع الوزراء سوى عن قرار بضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن 4021، وذلك ثم سحب القرار لعدم الاحراج من استخدام الفيتو الأمريكي، وهذا هو القرار العربي الوحيد منذ 29 مارس الماضي وبداية الاجتياح للضفة وفي رأيي ان الوضع العربي الرسمي ناتج عن عدم ثقة عربية متبادلة في التحرك المشترك دولياً والذي يحتاج الى حد أدنى من التفاهم والتحاور مع الولايات المتحدة الأمريكية. انا هنا لا أتحدث عن وطنية وقومية زعيم أو حاكم عربي يتحرك بشكل فردي انما أهدف الى التحرك العربي الجماعي والشامل وللأسف أعلن النظام العربي الرسمي عجزه وكأنه يحتفل به علناً وعلى الملأ، وهذا العامل الخطير لم يسقطه شارون من حساباته، وأتخيل اذا كان هناك حوار يدور حول الموقف العربي بين شارون وبوش، أتخيل شارون يقول لبوش أني أعرف العرب ورد فعلهم أفضل منكم. ومع ذلك الوضع في الشارع العربي جاء قوياً وأعطى معنويات هائلة للمناضل الفلسطيني وأناشد بألا يستخف أحد بهذه الظاهرة النبيلة رغم عفويتها.. وهذا المشهد في الشارع العربي يعطي دافعاً معنوياً قوياً للغاية للمناضلين والفلسطينيين عموماً بأنهم ليسوا وحدهم وان هناك أملاً.. وأتصور ان على الجماهير العربية أن تطلب من حكامها الممكن في التعامل مع الولايات المتحدة كحد أدنى للمطالب الشعبية. ـ علي عبيد: السؤال في ظل هذه الأوضاع هو عن مستقبل الانتفاضة والعمليات الاستشهادية؟ ـ د. بشارة: أؤكد اننا نحتاج الى استراتيجية موحدة للمقاومة محددة الأهداف، وهذا يحتاج الى مناقشة، فالعمليات الاستشهادية مطلوبة بشرط أن تكون ضمن رؤية وهدف. فهل هي استراتيجية أم لا؟ هل تحقق الهدف أم لا؟ الأمر في حاجة لنقاش وحوار، أنا في اعتقادي ان استرجاع بناء المقومات والقوى الفلسطينية والقدرة على استمرار النضال بعد العدوان الحالي سوف يعني فشل شارون سياسياً.. بالتالي يدفع ذلك المجتمع الاسرائيلي الى طرح السؤال من جديد عما تحقق من عملية السور الواقي. إذن فالتحدي هو استمرار النضال في اطار استراتيجية واضحة واعادة بناء القوة الفلسطينية والتضامن والدعم العربي. وفي اعتقادي ان حجر الأساس في هذه الاستراتيجية هو تفادي أنشطة تدفع لتوحد المجتمع الاسرائيلي بدل شقه. الداخل الاسرائيلي ـ عمر العمر: أنت الأقرب الى واقع الخارطة السياسية في اسرائيل فنريد أن نعرف شكل هذه الخارطة الآن ومدى التأثير فيها؟ ـ د. بشارة: هناك حكومة وحدة وطنية حالياً.. وهذا يعني حدوث شلل في الخارطة السياسية الاسرائيلية، بالتالي يصبح الرهان على ديناميكية هذه الخارطة في الوقت الحالي، فهذا أصعب وقت للمراهنة على أية تأثيرات، فالكل حالياً محتشد خلف الحكومة ويؤيد سياستها، وعندما قال بوش ان «شارون رجل سلام».. قضى بذلك على معسكر السلام الاسرائيلي، فماذا بقي لها بعد ذلك؟! فأمريكا أصبحت طرفاً في الصراع وليس الحليف الاستراتيجي لاسرائيل فقط، فنحن في اسرائيل ازاء حكومة قاعدتها البرلمانية واسعة وحزب العمل همّش نفسه وفشلت نظريته السياسية في كامب ديفيد، ثم تبعيته لليكود أفقدته خطابه السياسي والايديولوجي، ولذلك أتوقع أن يخسر أي انتخابات قادمة لأنه في أزمة عميقة الآن. وأضاع حزب العمل فرصة ذهبية بعد اعلان مبادرة السلام العربية في بيروت ولم يعلن قبوله بها وتعامل معها بشكل غير جدي، وأصبح الحزب هو الذي ينقد سياسة شارون الخارجية (شيمون بيريز) وعسكرياً، (فؤاد بن اليعازر) وأصبح هذا الحزب موظفاً عند شارون. وهناك نقطة أخرى وهي دخول حزب المفدال الى الحكومة وهو مؤشر على ان شارون لن يسير الى حل وسط وانه لا تنازل عن قضايا القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود ولا سبيل لمناقشتها مع أحد ولن يتنازلوا عنها للعرب. ولكن ذلك لا يجعلنا ننكر تأثيرات الانتفاضة على المجتمع الاسرائيلي، خاصة الاقتصاد الذي يعاني التراجع في النمو وتدفق الاستثمارات، وحدوث أزمة حقيقية في صناعة التكنولوجيا، وتراجع معدلات النمو الى 0.1% والدعوة الى تقليص في الموازنة العامة بنحو 13 مليار شيكل العام الجاري، وهذا يعني وجود البطالة التي من المفترض في أوقات عادية أن تؤدي الى مظاهرات كبيرة، لكن في ظل الحكومة الوطنية وحالة الحرب وحشد المجتمع متوقفة أو الكل يتحمل من أجل «الحرب»، فللأسف هناك وحدة وطنية اسرائيلية في الوقت الذي لا يتمكن فيه الفلسطينيون من بلورة وحدة وطنية وقيادة موحدة للمقاومة. لكن هناك صراعات عديدة داخل المجتمع الاسرائيلي، لكنها مؤجلة بسبب الحالة القائمة، فهناك صراع على طبيعة الدولة هل هي دينية أم علمانية. أما الضغط الداخلي في الوقت الحالي فلا يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية.. فخروج حزب العمل من الحكومة مثلاً ـ بطلب أمريكي ـ قد يؤدي الى شرخ في الداخل. أو ـ وهو الأهم ـ تغيير في استراتيجيات المقاومة الفلسطينية تجاه المؤسسة العسكرية والمستوطنين لأن ذلك سيخلق حالة احباط، والتساؤل داخل المجتمع الاسرائيلي من جدوى الاحتلال للأراضي الفلسطينية ووجود المستوطنات. ـ خالد محمد أحمد: هل شارون يتمتع بنفوذ قوي في الداخل كما تقول؟ ـ د. بشارة: هناك التفاف حول شارون أكبر من السابق بعد العمليات الحالية، لكن الاسرائيليين انتخبوا شارون لأنه رجل حرب فقط ولا أستبعد أن يتم التعامل معه كأداة فقط لضرب الفلسطينيين ومن ثم اذا فشل مشروعه فسوف يسقط أمام نتانياهو في انتخابات الليكود. واستطلاعات الرأي الحالية تظهر تفوق شارون لكن في عملية الانتخابات المسألة مختلفة. هناك نقطة مهمة أحب التركيز عليها وهي مصادر معلوماتنا كعرب عن الداخل الاسرائيلي والصورة المزعومة عن الديمقراطية، فكل مصادر هذه المعلومات سواء في التلفزيون الاسرائيلي أو وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة والالكترونية يقف وراءها جهاز الموساد. فليس هناك ديمقراطية داخل اسرائيل، اللعبة كلها يتحكم فيها جهاز المخابرات. ـ خالد أبو كريم: ماذا عن عرب 48 والموقف منهم داخل الخارطة السياسية الاسرائيلية، وهل هم جزء من استراتيجية المقاومة التي تنادي بها؟ ـ د. بشارة: منذ وقت طويل واسرائيل تفكر في هذا الموضوع، وهناك مراكز أبحاث اسرائيلية تحلل وترصد بدقة التطورات على الجبهة العربية في اسرائيل لأن العرب سيخلقون مشكلة ديموجرافية خلال العقدين المقبلين، بالتالي خلق مشكلة داخل البرلمان، بالتالي اسرائيل تسعى الى تقسيمهم الى طوائف وقوميات، وهو ما نعمل كتيار قومي على التصدي له.. كما تقوم بتعديل قوانين الانتخابات لمنعنا من دخولها، كما ان هناك محاولات للاستيعاب داخل المنظومة القائمة.. وهناك سيناريو الترانسفير، وهذا سيؤدي الى كارثة لأن العرب مصممون على البقاء ولن يسمحوا بتكرار ما حدث في 1948، ولنا استراتيجية منفصلة عن عرب الضفة وغزة، رغم وجود التفاعل بيننا. أما فيما يخص الاستراتيجيات فلعرب الداخل استراتيجية خصوصية ومنفصلة عن استراتيجية الشعب الفلسطيني في مناطق 67 لكن مع عدم اغفال وجود قواسم مشتركة. مروان البرغوثي ـ خالد محمد أحمد: نود أن نسألك عن مروان البرغوثي، وما يحدث معه الآن وحقيقة شائعات القيادة البديلة؟ ـ د. بشارة: مروان شخص وطني ويمثل تيار الوعي داخل الشارع الفلسطيني وهو الجيل الذي نشأ في الانتفاضة الأولى مع قيادات حركة الشبيبة التي تحاول اسرائيل ضبطه وتركيعه لأن هذا الجيل الذي يمثله مروان يحظى بشرعية وطنية. هذا الجيل يتمتع بمرونة كبيرة في اجراء الحوارات مع الاسرائيليين وقبول التسويات، لكن انقلب ضد اسرائيل، وهذا مكمن الخطورة ضد اسرائيل.. مروان شخص له سيرته النضالية المعروفة بعيداً عن مناضلي وسائل الاعلام المعروفين أيضاً.. وسوف نبدأ حملة عالمية لاطلاق سراحه وعمل موقف شعبي للتضامن معه. أما عن القيادة البديلة وما تردد عن مروان البرغوثي فكلها شائعات نهواها دائماً كعرب رغم وسائل الاعلام الحديثة والصحافة الاسرائيلية أيضاً تلعب دوراً في ذلك. فهناك مؤسسات في حالة غياب عرفات وتدرج في القيادة، رغم ان تلك المؤسسات أضعفت وانهكت.. ومع ذلك لابد من وجود مؤسسات لأية حركة تحرر مثلما حدث في جنوب أفريقيا، فقد قضى مانديلا معظم نضاله داخل السجن واستمرت الحركة. ـ محمد الخولي: الحديث حول المقاطعة العربية للمنتجات الاسرائيلية والامريكية، ما أهمية ذلك فيما يحدث حالياً؟ ـ د. بشارة: هناك ضرر كبير كما قلت للانتفاضة على الاقتصاد الاسرائيلي.. لكن أعتقد ان اسرائيل استفادت من المقاطعة العربية رغم خسائرها، فقد اضطرت لتوجيه بعض الاستثمارات نحو صناعات قوية وبديلة لم تكن تهتم بها قبلاً. ولكن قبل التفكير في المقاطعة علينا أن ندرس تجربة المقاطعة العربية الرسمية أولاً. وأعتقد ان انتشار مزاج المقاطعة في الشارع العربي شيء ايجابي للغاية، سواء كرسالة سياسية أو الحد من انتشار النمط الاستهلاكي الغربي والأمريكي تحديداً الذي هيمن بهذه السلع بكافة أشكالها. أما التقييم الاقتصادي للمقاطعة فهو متواضع، إذ يكفي سحب جزء بسيط من الأرصدة العربية في البنوك الأمريكية، أما البعد السياسي للمقاطعة فهو الأهم والذي يشكل رسالة لواشنطن مفادها ان المزاج الذي يسود الشارع العربي مضاد للسياسات الأمريكية في المنطقة. وأعود لاؤكد هنا على الصلابة الكبيرة التي يبديها مروان البرغوثي خلال فترة اعتقاله الحالية. كما انه بات يشكل تساؤلاً داخل الأوساط الاسرائيلية حول مسئولية السياسات العدوانية عن دفعه الى التمسك بخيار المقاومة علماً انه كان من محاوري الجانب الاسرائيلي في الولايات المتحدة وحتى انه حاور بعض مسئولي الليكود في كريت العام 1997. إذن مروان وأبناء جيله الذي تربى نضالياً في حقبة السبعينيات يتمتعون بفهم عميق للاسرائيليين وهو بالأخص قادر على الصمود تماماً أمام الهجمة الحالية.