فى أعقاب الإجتياح الإسرائيلى الغاشم لمدن الضفة الغربية وفشل الولايات المتحدة فى حمل إسرائيل على الإنسحاب، بل وتبنيها لما أحدثه الإجتياح من مآس ومجازر، وبعد اختباء كثير من الأنظمة العربية ، تحت السرير حتى لا تشهد ما يحدث، فان القضية الفلسطينية تصل الى مرحلة جديدة تختلف عمّا قبلها من مراحل المفاوضات التى وصلت الآن الى طريق مسدود. لقد أرادت اسرائيل أن تكون السلطة الفلسطينية أداة قمع للمقاومة لذلك اهتمت بتكوين أجهزتها الأمنية، وزيادة عددها من أربعة ألآف حسب الاتفاقية الى أربعين ألفا، وتدريب عناصرها وانشاء علاقات مع قياداتها. وكان التعاون الأمنى دائما على قمة ما يناقش من أجندة بين الطرفين منفردين كانا أم بحضور آخرين من «الأشقاء والأصدقاء». لذلك كان غضب اسرائيل البالغ أثناء الاجتياح منصبا على تلك الأجهزة التى رفضت أو فشلت فى تحقيق ما تريده اسرائيل. وقد قبلت القيادة الفلسطينية بذلك الوضع غير المنطقى بالنسبة لحركة تحريرية ـ تحت ضغط الأشقاء والأصدقاء ـ لعلها تستطيع أن تستخلص بعض حقوق الشعب الفلسطينى الذى عاش مشردا ولاجئا حتى فى البلاد العربية، ولعلها تستطيع تحقيق أحلامه فى دولة مستقلة ولو كانت منقوصة السيادة. لكن اليمين الاسرائيلى مسنودا بالدولة العظمى ومجترئا بضعف الأنظمة العربية لم يقبل بالحد الأدنى من التنازل عن الأرض مقابل الأمن والسلام لدولته. ليس هناك من خيار الآن أمام القيادة الفلسطينية الا أن تواجه قدرها وحدها دون اتكال على شقيقة كبرى أو صغرى، اللهم الا دعاء الملايين من المسلمين وتعاطفهم المعنوى مع اخوانهم فى فلسطين. ماذا يعنى الوضع الجديد؟ أولا: أن تقبل القيادة الفلسطينية بالأمر الواقع الذى أوجده الإجتياح الاسرائيلى وهو تفكيك أجهزة السلطة الفلسطينية، فليس من مصلحة الشعب الفلسطينى أن تصبح سلطته الوطنية شرطيا يحمى الاحتلال، أو أن تكون كبش فداء يوجه له اللوم فى حال حدوث انتفاضة أو مقاومة للإستيطان، أو أن تكون هدفا يضرب لمشاركتها فى الانتفاضة أو المقاومة. وأن تقوم القيادة الفلسطينية بحل كل أجهزة السلطة وتتولى هى القيام بمهمة واحدة هى التفاوض مع العدو والأطراف الخارجية لانهاء الاحتلال، وأن تترك كل مهام السلطة الأخرى للجان شعبية منتخبة فى الأحياء والمدن والقرى وأن تتاح الفرصة لكل أطياف اللون السياسى المشاركة فى انتخابات تلك اللجان. وحبذا لو ابتعد الرئيس أبو عمار من كل التنظيمات السياسية ليصبح رمزا قوميا لكل أبناء الشعب الفلسطينى. وهذا لا ينفى التعاون والتشاور بين القيادة الفلسطينية وبين اللجان الشعبية بل لابد من تكثيف ذلك حتى تكون القيادة على صلة دائمة مع نبض الجماهير وتضمن مساندتها فى مسار المفاوضات الصعبة. ثانيا أن تصبح أجندة المفاوضات قضية واحدة هى كيفية انهاء الاحتلال وما يتعلق بذلك من اتفاقيات مختلفة. وان أرادت اسرائيل ضمان أمنها أثناء مسار المفاوضات فعليها القبول بوجود قوة دولية متعددة الجنسيات تفصل بين الطرفين كما اقترح بذلك الأمين العام للأمم المتحدة. وفى هذا الاطار يصبح الحديث عن تفاهمات تينيت وتقرير ميتشل لا محل له من الإعراب. ثالثا برهنت الأحداث بما لا يدع مجالا للشك أن الولايات المتحدة ليست وسيطا عادلا ولا قادرا على تحقيق سلام عادل فى المنطقة. لقد شهد العالم كيف يقف وزير خارجية أمريكا أمام شارون كما يقف التلميذ الخائب المذنب أمام أستاذه العنيف. فالولايات المتحدة دولة عظمى أمام كل العالم وخاصة العالم العربى الا أمام اسرائيل! ينبغى أن يتم الاصرار فلسطينيا وعربيا على أن تكون رعاية السلام فى الشرق الأوسط لكل الدول الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن وأن تكون رئاستها بالتداول بين الدول الخمس. فى تلك الحالة لا بأس من عقد اجتماع اقليمى يلتزم بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ويأخذ فى الاعتبار كل ما تم التوصل اليه من قبل. رابعا ينبغى الثبات على مشروعية المقاومة بكافة الأشكال ضد الاحتلال. لعل أضعف حلقة فى اتفاقيات أوسلو أنها فرضت على الفلسطينيين تسليم البضاعة (أمن اسرائيل) دون أن يقبضوا الثمن وهو انهاء الاحتلال. فوجدت السلطة الفلسطينية نفسها فى موقف بالغ الحرج لأنها تواجه مقاومة شعبية باسلة من أجل عدو باطش مراوغ، يريد أن يحصل على حقه فى الأمن كاملا ولكنه يساوم فى كل حق فلسطينى وكأنما يتنازل عن أرض يملكها. صحيح أن المقاومة تجر مزيدا من التضحيات على الشعب الفلسطينى الأعزل ولكن هذا قدره، فالمفاوضات المتطاولة وصلت الى طريق مسدود، والأنظمة العربية وقفت عاجزة عن أدنى قدر من الفعل، والولايات المتحدة برهنت على أنها أسوأ شريك فى صناعة السلام. ومن المهم أن تبرهن المقاومة على فشل شارون فى تحقيق الأمن عن طريق القوة والبطش لأن نجاحه يعنى نهاية القضية الفلسطينية، وليكن شعار المقاومة قول الحق عزّ وجل: «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لايرجون».