بيان الاربعاء: لايزال مفهوم «النظام العالمي الجديد» يخضع للنقاش والدراسة، فهذا النظام الذي ابتدعته العقلية الغربية كتمهيد للعولمة يجد الكثير من الانتقادات، ففي الوقت الذي يرى البعض ان الغرض منه هو هيمنة الدول الصناعية الكبرى على مقدرات الدول الصغيرة والنامية، ينظر اليه البعض الاخر كخطوة لابد منها كي تنتقل الانسانية برمتها الى واقع جديد يسوده الاستقرار الاقتصادي. الباحث السوري هاني شحادة الخوري قدم محاضرة بعنوان «النظام العالمي الجديد» سمات القوى الفاعلة، «الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وتداعيات 11 سبتمبر على العرب»، التقرير التالي يلقي الضوء على الافكار التي طرحها الباحث. اشار الباحث في بداية محاضرته الى ان ما اسماه جورج بورش بالنظام العالمي الجديد لم يكن سوى رغبة امريكية في السيطرة على العالم بعد زوال المنافس السوفييتي لكن المتحمسين للاتحاد الاوروبي يتوقعون بأن تعود اوروبا الى سابق عهدها لتسيطر على مفاصل العلاقات الدولية وتصبح بفضل اتحادها النقدي والاقتصادي ثم السياسي والامني القوة الاعظم في العالم وفي هذا الاتجاه يحسم لسترثرو الامر بالقول حرفيا بانه جل مؤرخي المستقبل في القرن الحادي والعشرين ينتمون الى البيت الاوروبي، في حين يعتبر هنري كيسنجر النظامين الدوليين الاكثر ثباتا واستقرارا كانا نظام مؤتمر فيينا 1815 والنظام ثنائي القطبية الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية حيث يقول في اطروحة الدكتوراه عام 1957 ان السلام الشرعي يتأسس على توازن القوى وهو ليس مرادفا للعدالة بالضرورة. وفي تحليل للامبراطوريات المتعاقبة عبر التاريخ يقول مستشار الامن القومي السابق زيجنييو برجنسكي ان نفوذ وما ارتكزت على تفوق تنظيمها العسكري واشعاعها الثقافي، في حين اعتمدت الصين على بيروقراطية فعالة لادارة امبراطورية مؤسسة على هوية اثنية مشتركة اعتقادا اعتقدا راسخا بتفوقها الثقافي اما سلطة الامبراطورية المغولية فجمعت ما بين التكتيكات العسكرية المبتكرة والنزعة الواضحة نحو استيعاب الاخرين وهضمهم. وفي خطابه امام الكونجرس عن حال الاتحاد في 4 فبراير 1999 وصف كلينتون بلده بـ «الامة الضرورية» وقد كان نيوت جنجريتش زعيم الجمهوريين في الكونجرس قد كتب في مقال له نشرته لوموند الفرنسية في عام 1995 ان امريكا وحدها قادرة على قيادة العالم فهي تبقى في الواقع الحضارة الوحيدة الكونية الدولية في تاريخ البشرية. وعن مقومات الزعامة الامريكية يشير الباحث شحادة الخوري الى ان انطوني ليك المستشار السابق لكلينتون لشئون الامن القومي قد ذهب في هذا الاتجاه مؤكدا ان امريكا تمتلك القدرة العسكرية الاعظم والاقتصاد الاكبر والمجتمع متعدد الاعراق الاكثر دينامية في العالم قائلا: زعامتنا تحترم ويبحث عنها في ارجاء العالم الاربعة، مصالحنا ومبادئنا لا تجبرنا فقط على الانخراط ولكن على القيادة، يجب علينا تشجيع الديمقراطية واقتصاد السوق في العالم لان ذلك يحمي مصالحنا وامننا وله انعكاس للقيم التي هي امريكية وكونية في الوقت نفسه. وبحسب الاتجاه الاول في تعريف القوى يرى ماكس فييري انها القدرة على التأثير في الاخرين او القدرة على جعل شخص يقوم بعمل لم يكن ليقوم به بغير ذلك، اما الاتجاه الثاني حسب مورجانثو فيعرف القوة بأنها قدرة الانسان على التحكم في تفكير وافعال الاخرين والمقدرة على التأثير في سلوك الدول الاخرى لخدمة اهداف الدول الممتلكة للقوة. وعن عصر القطب الواحد وبعد انهيار جدار برلين خمدت نار الحرب الباردة ومضى عصر القطبية الثنائية وبدأت دول المعسكر الشرقي «تهرول» نحو الليبرالية واقتصاد السوق ودون استعداد وتحضير وجدت الولايات المتحدة نفسها قوة عظمى وحيدة على رأس نظام دولي لا ملامح ولا ضوابط ومحددات له وفي غضون اسابيع معدودة تمكنت واشنطن من تكوين تحالف دولي للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية، في حين نجد ان بعض دول المعسكر الشرقي السابق تثير مسألة المخاوف من صحوة مفاجئة للمارد الروسي النووي وعودته الى المسرح الدولي ليلعب دور القوة العظمى وربما الاعظم عبر تحالفات يصوغها مع متضررين من النظام القائم. وحول المعرفة في القرن الحادي والعشرين يستشهد الباحث بما يؤكده الفن توفلر بان القوة في القرن الحادي والعشرين سوف تكمن ليس في المعايير الاقتصادية او العسكرية التقليدية ولكن في المعرفة بعد ان كانت مجرد اضافة الى سلطة المال والعضلات، حيث باتت القدرة العسكرية من اهم معايير القوة فصناعات الغد هي صناعات «المادة الرمادية» الميكرو الكتريك والبيوتكثولوجيات وبرامج الكمبيوتر والرقاقات المعلوماتية والروبوتات والاتصالات وغيرها من الصناعات التي تتميز بأنها لا تحتاج الى مكان جغرافي واحد تتمركز فيه وقد كان ونستون تشرشل قد توقع بأن امبراطوريات الغد هي امبراطوريات الفكر في الوقت الذي لا تنتج فيه هوليود اقلاما فحسب بل تولد قوة ونفوذا. من جهته يؤكد الباحث هاني شحادة الخوري ان الاعلام يصنع الرأي العام العالمي مثلما حدث ايام حرب الخليج الثانية حيث حول الاعلام العراق الى شيطان والى شر مطلق في الرأي العام العالمي واليوم يساهم في صياغة ادراك شعبي عام يساوي بين العرب والارهاب والخطف والجريمة والتخلف في الوقت الذي تساهم فيه هوليوود في فبركة ايديولوجية ليس للرأي العام الامريكي فحسب ولكن للرأي العام العالمي كله وقد باتت محطة C.C.N كما قالت عنها مادلين اولبرليت العضو السادس في مجلس الامن الدولي. صناعة التعليم الأمريكية يبلغ عدد الطلاب الاجانب الذين يتوجهون سنويا الى الولايات المتحدة حوالي خمسمئة الف طالب وهو عدد مهم لان افضل هؤلاء يعود ابدا الى بلاده حيث يلعب عامل التربية هنا دور المستقطب للولايات المتحدة التي ينضم اليها خيرة العقول في العالم، في الوقت الذي يبلغ عدد براءات الاختراع السنوية في الولايات المتحدة ثلاثون من اصل كل الف نسمة ولا يصل هذا العدد الى النصف في اوروبا. كما تعتبر المنظمات غير الحكومية من اهم سمات النظام العالمي الجديد وهي بتعريف المنظمة العالمية للشئون الاقتصادية والعالمية والاجتماعية اي منظمة دولية لاتؤسس لاتفاق بين الحكومات وتتمتع بموقف استشاري لدى هذه المنظمة العالمية، حيث العضوية يجب ان تشمل افرادا او جماعات من ثلاثة بلدان على الاقل. وعن فشل مبدأ الاقليمية يقول المؤمنون بنهاية الدولة ان اكتشاف الدور المتعاظم للعنصر الثقافي يبين حقيقة ان النظام العالمي لم يتصالح ابدا مع النظام الاقليمي، فمن المظاهر العديدة التي يشرحها محللو ازمة الدولة ان العلاقات الدولية تسير اليوم في مستويين فوق وطني وتحت وطني وهذا التمييز يعمل الان على المستوى الدولي وبذلك فان عدو السيادة هي الدولة التوتالتارية وليس الديمقراطيات والمجتمعات السياسية حيث اختلفت الاسس الاولى للتنظيم او الضبط الدولي. وقد تبين لفيليب سيفان رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق بان النظام العالمي الجديد الذي اعلنه البعض والقائم على القانون واقتصاد السوق ليس الا طوباوية لانه يتجاهل هذه الحقيقة الاولى في المنتظم الدولي والتي هي الامم، وهكذا تتضافر الدولة ـ السيدة والمساحات الاقتصادية الاقليمية والمساحة العالمية لرسم حدود جيو ـ ايكونومية يعتقد البعض انها تحل محل الجيوبولتيك التقليدي، ففكرة الجيو ـ ايكونومي ترتبط كثيرا بنهاية القرن العشرين بنمو المنظمات الاقتصادية الاقليمية «الاتحادات الجمركية ـ مناطق التبادل الحر» مثل الاتحاد الاوروبي ونافتا «كندا وامريكا والمكسيك» والمركوسور «البرازيل والارجنتين وباراجواي واورجواي». ورغم قيام الولايات المتحدة وبريطانيا بزيادة نشاطها في مركز التنصت على الاتصالات الهندية والباكستانية من قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهند منذ عام 1993 فقد توصلت اسلام اباد الى انتاج القنبلة النووية وقد توقع الملك الحسن الثاني الذي قال يوما، اذا ملكت ثلاثون دولة القنبلة النووية من بين دول الامم المتحدة فان الاخرين يمكن ان يناموا مطئنين. وعن الشركات متعددة القومية يرى الباحث هاني شحادة الخوري في محاضرته ان عدد هذه الشركات قدر في عام 1995 بنحو 45 الف شركة تسيطر على280 الف شركة تابعة للامم المتحدة والمنشأ الوطني لـ 37 الف شركة منها في 14 بلدا من بلدان منظمات التعاون والتنمية الاقتصادية التي تضم 29 بلدا و 90% من مقرات هذه الشركة هي في العالم المتقدم وفي عام 1991 بلغ الاستثمار الاجنبي المباشر 13.2 تريليون دولار وكانت لتلك الشركات سيطرة تناهز 7 مليارات دولار حيث تحقق هذه الشركات 80% من تجارة الولايات المتحدة الامريكية من خلال اكبر مئة شركة متعددة القوميات تسيطر على خمس مجموع الاصول الاجنبية كونيا وهي تستخدم 6 ملايين عامل و 60% من ارصدتها تتعلق بالصناعة التحويلية و 37% بالخدمات و 3% بالقطاع الاولى. وعن صفات النظام المالي العالمي يرى الباحث ان تدويل الاسهم والسندات المالية عبر انتشار الليبرالية المحلية لانتقال رأس المال وهبوط اهمية المصارف بالقياس لاهمية الاسواق كهيئات مالية وقيام الاسواق بتحديد اسعار الصرف، كذلك تقلب السوق بفعل نمو المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات وتنسيق السوق بين مؤسسات لها نفس التحليل والسلوك وانكشاف البلدان امام ضغوط معدل الصرف كل ذلك جعل هيكل النظام الاقتصادي الدولي الجديد يتسم بعدد من الخصائص والسمات المهمة وهي: 1 ـ انهيار نظام بريتون وودز «1971 ـ 1973» باعلان الولايات المتحدة عام 1971 وفق تحويل الدولار الى ذهب. 2 ـ عولمة النشاط الانتاجي. 3 ـ عولمة النشاط المالي واندماج اسواق المال. 4 ـ تغير مراكز القوى العالمية. 5 ـ تغير هيكل الاقتصاد العالمي وسياسات التنمية. وفي هذا يعدد الباحث في محاضرته تلك المؤسسات الداعمة للعولمة الاقتصادية ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة والمنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية كذلك منظمة المواصفات والمقاييس العالمية، مشيرا الى ان تأثيرات انهيار نظام بريتون وودز وازمتي نفط اوبك في العامين 1973 و 1979 اللتين رفعتا اسعار النفط بأسعار هائلة مما ادى الى توليد الاضطرابات والتقلبات السريعة في كل الاقتصاديات الكبرى على امتداد عقد السبعينيات كذلك جهود المؤسسات المالية والصناعيين خلال فترة الاضطرابات والضغوط التضخمية هذه للتعويض عن التردد المحلي من خلال السعي الى منافذ اوسع الى الاستثمارات والاسواق الاضافية. انهيار أمريكا واشار الباحث الى ان ثورة الانترنت فتحت حقبة جديدة من التفاوت في العالم وفي نيويورك تزيد فيها الخطوط الهاتفية على ما تملكه افريقيا السوداء بكاملها، فالعولمة هي تلك الظاهرة الحضارية غير المنضبطة التي تتأجج مظاهرها في كل انحاء العالم منذ انتهاء الحرب الباردة والدخول في عصر القطب الواحد، فليست الانترنت هي مظهرها الوحيد فكل قنوات الاعلام العالمية المقروءة والمسموعة والمرئية تزحف نحو العالمية لتثبت دورها في صياغة الرأي العام والانماط الثقافية في العالم اجمع. وعن احتمالات انحطاط امريكا او انهيارها كان كيندي يؤكد مواجهة هذه المعضلة وبالتالي فان انحطاطها قد بدأ والقرن الحادي والعشرون لن يشهد قوة عظمى امريكية، وهذا ما قاله باحث امريكي معروف معتبراً ان رفض الامريكيين لاي ضريبة اضافية يعبر عن ميكانيزم تراجع بلد يعجز عن الجمع بين المجهود العسكري والولاء للدولة والنتيجة ان قدرته على الاضطلاع بمهامه تضعف تدريجيا ويقع تحت عجز مفرط. ويشير الباحث في نهاية محاضرته الى تحديات المجتمع الامريكي والمتمثلة بالعنصرية والجريمة والعنف والايدز والصراعات الاثنية والعرقية وفقدان الامن، وكلها مشاكل، تعصف بالمجتمع الامريكي وتساعد على تأزيم ظاهرة تنامي استهلاك المخدرات. حيث تشير الاحصاءات الى ان الولايات المتحدة صارت المستهلك الاول للمخدرات في العالم وان بها 60% من المخدرات الممنوعة التي يعرضها السوق العالمي الامر الذي يكلف 110 الى 140 مليار دولار سنويا ويترجم الى تكاليف واعباء صحية تفوق مئتي مليار دولار سنويا.