يبدو أن قدر الادارة العربية سواء كانت ادارة سياسية أو ادارة انتاجية أن تعمل في ظل الخطر. صحيح أن كل الأنظمة تنشد الاستقرار، وصحيح ان التنمية - ومن ثم الاستثمار - يحتاجان الى مناخ تبتعد فيه الاخطار وتزيد فيه عوامل الأمان.. ولكن، ماذا نفعل والمنطقة العربية في مهب حروب لم تنقطع طوال خمسين عاما مضت؟.. ماذا نفعل والتوتر لا يفارق عالمنا، في مشرقه حيث الخليج، أو في الجوار مع اسرائيل.. وحتى الشمال الافريقي والجنوب السوداني والصومالي؟ الحياة لا تتوقف، وفن الحياة هو فن التعامل مع الوضع القائم.. ففي الحروب أيضا ينمو العمل السياسي وينمو الاقتصاد كذلك. السؤال، وعلى جبهة الاقتصاد: كيف يتم ذلك هناك مقولة شائعة وهو أن «رأس المال جبان»، كما ان هناك حقيقة واقعة وهي ان الدول العربية كانت الأقل جذبا للاستثمار الأجنبي طوال السنوات الماضية. أثير السؤال في المؤتمر السنوي لكلية التجارة جامعة المنصورة، وأثير الحديث عن مناخ الاستثمار في الدول العربية ودور التكامل في تحسين هذا المناخ، بل وفي دفع مانتحدث عنه من اخطار.. وكانت الاجابة واضحة: التكامل الاقتصادي عنصر فعال في درء الاخطار وبناء الاقتصاد في ظل الخطر. تذكرت حينذاك تجربة الكويت اثناء الغزو العراقي حين هبط سعر الدينار الى مايقرب من الصفر وقلت «لو أن هناك وحدة نقدية خليجية تستند الى قاعدة انتاجية كبيرة هي النفط، لما اهتز الدينار الكويتي على هذا النحو ولشهد قدرا أكبر من الاستقرار. والأمثلة بعد ذلك كثيرة حول اقتصادات تهتز أو اقتصادات تتحمل الصدمات عند الأزمة. وقلت: إن مغريات ومبررات التكتل الاقتصادي العربي واضحة فإذا كانت السوق هي القاطرة التي تجذب أجهزة الانتاج فإن سوق الثلاثمئة مليون مستهلك غير سوق النصف مليون وهو عدد سكان بعض البلاد العربية. كذلك فإن بعض الصناعات - مثل صناعة السلاح أو السيارات - تزدهر وتقوى وتنافس في ظل الانتاج الكبير.. واذا كان العالم كله يتجه للتكتل، واذا كانت المؤسسات الضخمة العالمية تتجه للاندماج بحثا عن الرشاوى والقدرة على المنافسة فإن مؤسساتنا ذات الحجم الصغير بلا مستقبل حقيقي، وسوف تظل بلادنا تنتج الخامات وتستورد كل ماعدا ذلك في معادلة غير منطقية وغير مضمونة لأن للنفط عمرا زمنيا سوف ينفد بعده ونقول: ثم ماذا؟ و.. عدت لأرقام نهاية التسعينيات التي تقول ان تسعين بالمئة من تجارتنا الخارجية تتم مع العالم الخارجي لأن أجهزة الانتاج العربية غير قادرة على ان تفرز مانحتاج.. فالفجوة الغذائية في الحبوب 43 بالمئة.. وفي السكر 67 بالمائة وفي اللحوم 16 بالمئة.. أي أن الغذاء ايضا، وليست السلع الصناعية وحدها ننتج منه أقل كثيرا ممانحتاج. أيضا، وفي أرقام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ان حجم الاستثمارات العربية عام 1999 قد بلغ 130 مليار دولار وهو مايعادل 22 بالمئة من الناتج المحلي، بينما المطلوب لنتغلب على مشكلة البطالة أن نرتفع بهذا المعدل الى 30 بالمئة من الناتج. الكعكة لابد أن تتسع، ولكن في أي اتجاه..؟ في اتجاه قطري صغير حيث تعاني المشروعات ضيق السوق؟ أم في اتجاه عربي واسع ويتسع معه حجم السوق؟ الاجابة واضحة خاصة في عالم تسقط فيه الحدود تحت اسم العولمة، وتزول الحواجز تحت اسم حرية التجارة، وتقوم فيه المشروعات العملاقة تحت دعوى الكفاءة. الاجابة واضحة وتدفع بنا للتكتل والتكامل.. والسؤال: لماذا لا يتم ذلك؟.. وكيف يتم؟ أظن ان هناك حاجزين لابد من عبورهما: حاجز السياسة، وحاجز التاريخ.. والحاجز - أو الحائط الأول - مبعثه تمسك البعض بالقطرة وضعف ايمان البعض بجدوى العمل الجماعي.. انها مشكلة الثقة في النفس، الثقة في الطريق تعززها تجربة طويلة تجعلنا نقول ان هناك ايضا حاجز - أو حائط - التاريخ. بدأنا تجربة الوحدة الاقتصادية في الخمسينيات ومن عشرين أو «21» دولة انضم لاتفاقية الوحدة «14» دولة منها فلما تقررت السوق العربية المشتركة في 1964 لم ينضم لها سوى سبع دول.. فلما كانت النتائج محدودة عدنا في السنوات الأخيرة لنتحدث عن مرحلة أدنى من الوحدة والسوق المشتركة وهي مرحلة منطقة التجارة العربية الحرة والتي انضم لها الجميع، وبما يجعلنا نقول: انه كلما سرنا خطوات أبعد في الاندماج كلما قل عدد الدول الراغبة في ذلك، وكلما خفت درجة الاندماج «كما هو الحال في منطقة التجارة الحرة» زاد عدد الراغبين في الانضمام.. وأظن ان النتيجة على هذا النحو - ورغم الخبرة التاريخية - نتيجة خاطئة فأحدى مشاكل السوق العربية المشتركة وعندما بدأ تطبيقها انه عندما تم رفع الحواجز الجمركية والادارية لم يحدث انسياب كبير للسلع لأن الأجهزة الانتاجية لم تكن جاهزة لتفرز ماتحتاجه الأسواق. فتحنا الأسواق ولم نجد مانتبادله.. وهو درس يجعلنا نقول ان المدخل التجاري للتكامل العربي لا يكفي وان المدخل الانتاجي واندماج المؤسسات وتكاملها بدلا من تنافسها الضار.. كل ذلك لابد أن يسير في خطوط متوازية. الوحدة هي الأمل، وهي وحدها القادرة - سياسيا واقتصاديا - على اجتياز الاخطار.. والوحدة - في ظل التنوع والحفاظ على الكيانات السياسية - هي السبيل لبناء مؤسسات قوية سواء كانت عامة أو خاصة، ولكن مع وجود حاضنة سياسية تؤمن بالوحدة العربية فإنه لابد من إذكاء عنصر المصلحة والتفاعل مع آليات العصر من اقامة كيانات كبيرة وبورصات تساعد على التداول وربما دعوة الشركاء الأجانب لينقلوا لنا خبرتهم وفنون انتاجهم والأهم أن تستثمر اللحظة فقد كانت تداعيات 11 سبتمبر مناسبة مواتية لنقول لرأس المال المهاجر: «أهلا بك في وطنك». القفز على حائط السياسة وحائط التاريخ والعمل في أحضان الأمة.. معا، وبلا فراق هو السبيل للتقدم الاقتصادي العربي.. وهو السبيل لصد الاخطار ورياح الشر العاتية انه العمل في ظل الخطر، وهو فن لابد أن نجيده.