انهى وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مهمته في الشرق الأوسط من دون ان يتوصل إلى وقف لاطلاق النار، ومن دون انسحاب اسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة، من دون وعد باستئناف المفاوضات، ومن دون ضمان بعدم اشتعال الوضع من جديد. ويصل ولي العهد السعودي الأمير عبدالله إلى الولايات المتحدة وهو يحمل المشروع السعودي للسلام الذي بات معروفاً بالمبادرة العربية للسلام، إلى جانب مطالب الفلسطينيين بانسحاب الجيش الاسرائيلي وفك الحصار عن ياسر عرفات وإعادة إعمار البنى التحتية والمؤسسات المدمرة، بالاضافة إلى استياء القادة العرب، وغضب الجماهير، وقلق الأوروبيين وروسيا والصين. عقدة العقد ان واشنطن باتت تنظر إلى الشرق الأوسط من منظار اسرائيلي بحت، وان جورج بوش لا يملك سوى مشروع واحد لا يحيد عنه هو الحرب على »الارهاب»، وقد نجح ارييل شارون في تصوير الحرب التي يقودها ضد الفلسطينيين وكأنها امتداد للحرب التي يقودها جورج بوش ضد «الارهاب». لا يكفي جورج بوش ان يعلن بأن «القاتل ليس شهيداً» في اشارة إلى الذين قاموا بعملية 11 سبتمبر الماضي، فلا مفر من أن يقتنع بأن العمليات «الانتحارية » ضد الجيش الاسرائيلي المحتل في الضفة الغربية غير العمليات الانتحارية ضد نيويورك وواشنطن، وأخطر ما يحدث ان يؤدي الخلط بين الارهاب والمقاومة إلى تحول الحرب الأمريكية ضد الارهاب إلى حرب أمريكية ضد العرب. في المقابل لا ينفك العرب يدعون إلى التمييز بين الارهاب المدان والمقاومة المشروعة فالارهاب هو اعتداء على المدنيين في أرضهم، في حين ان المقاومة تكافح ضد المحتلين على أرضها، والخطأ الأمريكي الفادح انه يسقط واقع الاحتلال الاسرائيلي ولايتكلم عنه، فتصبح في نظره المقاومة ارهاباً. والحقيقة ان كل المشكلة تكمن في ان تعترف واشنطن بأن ثمة احتلالاً اسرائيلياً لابد وان ينتهي، وان الحل لا يمر عن طريق تصفية بعض التنظيمات الفلسطينية أو اللبنانية، بل عن طريق منح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وانسحاب اسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة إلى خط الرابع من يونيو 1967. لا أحد يصدق، بما فيهم اصدقاء الولايات المتحدة كمصر والأردن والسعودية، ان واشنطن عاجزة عن الضغط على اسرائيل، ولكن من السهل ان يتصور الجميع ان الادارة الأمريكية متواطئة مع الحكومة الاسرائيلية فحسب، بل بين العرب والولايات المتحدة أيضاً. والحقيقة المرة ان واشنطن لا تضغط، ولا تحاول ان تضغط على ارييل شارون «المستقوي»، بل هي تضغط وتصر على الضغط على ياسر عرفات «الأسير» ولا أدل من هذا الأمر إلا ما شهدناه في زيارة كولن باول التي لم يحمل خلالها خطة أمريكية، بل حمل إلى ياسر عرفات شروط ارييل شارون. فشل كولن باول من المنظار العربي يعد نجاحاً لارييل شارون من المنظار الاسرائيلي لمجرد انه تجنب أزمة مع واشنطن، واستوعب كل الاقتراحات الأمريكية من دون ان يقدم أي تراجع أو تنازل. في المقابل نجاح الأمير عبدالله هو نجاح العرب مقابل اسرائيل، وللسلام مقابل الحرب، ولتحسن العلاقات الأمريكية ـ العربية، بدءًا بالعلاقات بين الرياض وواشنطن، مقابل تدهور العلاقات وانقطاعها بين الشعوب العربية والولايات المتحدة الأمريكية. الوضع في الشرق الأوسط بعد مغادرة كولن باول يبدو مسدوداً ومقبلاً على احتمالات التصعيد، فهل يقدر ان يخترق الحائط المسدود ويشعل شمعة نور في الظلمة السميكة؟ قد تشكل زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن آخر خيط يربط الشرق الأوسط بالسلام، والولايات المتحدة بالعرب!