بيان الاربعاء:انتهى الفعل العربي منذ اليوم التالي لخروج العرب المسلمين من الاندلس إلى اتخاذ شكل اقرب إلى ردات الفعل منه إلى الفعل ذاته، اللهم الا في محطات معينة، ويبدو أن هذه الامة العظيمة حتى في مآسيها قد بدأت بالاستيقاظ مجددا من ركام الذل والهوان يحملها على ذلك طول الضعف وازدياد الهوان وعنف الضربات على رأسها خصوصا في الفترة الأخيرة. نقول ذلك وفي خاطرنا أن الامة التي حملت رسالتي الإسلام في الجزيرة العربية والمسيحية في بلاد الشام إلى العالمية باسرها لن تكون في يوم مهيأة لديمومة الضعف كما هي بعض الامم الاخرى.. فببساطة لسنا هنودا حمر، وان ما يحملنا ولا نحمله من مرتكزات عقدية دينية وفكرية وثقافية يحمينا ولا نحميه. عرب مسلمون ومسيحيون سمر وسود وبيض وشقر ساميون وحاميون.. كل ذلك في سلة شعورية واحدة حملت للعالم باسره مفهوم «العالمية» كما لم تحمله أي حضارة اخرى، دلالة على التماذج والتثاقف واحيانا التدافع. واذا كانت الحضارة اليونانية قد وجدت نفسها في الفلسفة والاساطير والنحت والموسيقى والمسرح، ثم انهضمت في اشكال اخرى وتماهت في كائنات اخرى مغايرة حتى وصلت إلى الرأسمالية بعد اهتزاز الثقة بالعلم القديم «القرون الوسطى» حيث راجت المناهج «المنهج الرياضي والمنهج التجريبي»، وما تلاها من مشروع «الحداثة» الذي مر بمرحلتين: الحداثة، ثم المرحلة، ما بعد الحداثة، وانتهت - حتى الان على الاقل - بالعولمة بمفهومها الامريكي. عبرت الحضارة الاسلامية عن نفسها اولا في العقيدة الإسلامية المبنية على كلمة التوحيد، فالتشريع الاسلامي ومفرزاتها المادية من عمارة إسلامية وفلسفة وغيرها من المعارف والعلوم، وهي ما زالت باقية حتى الان وإن سكنت ساعة، واذا كانت عقيدتنا الاسلامية قد هبطت من السماء فان حضارتنا - الاسلامية ايضا - نحن من شكلها بأيدينا بعد مقدمات طويلة وتراكمات اطول. نسأل وامام طاولتنا اوراق تحمل اسئلة حول مفهوم العلاقة بيننا وبين الاخر الذي هو دائما على ما يبدو الغربي: هل نحن بصدد مناقشة العلاقة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي ام نحن بصدد مناقشة مشروع العلاقة بين مسلمي القرن الواحد والعشرين كما يريده «انبياء» العصر، من جهة وتلاميذ دين العولمة القادم من البلاد الجديدة من جهة اخرى؟ حاولنا في هذه الندوة استجلاء طبيعة الظروف الكامنة حول الحوار والحوار ذاته وحاولنا الوقوف على كل تلك الاسئلة علنا نفتح طريقا امام حياة افضل لنا .. لنا جميعا.. وفي هذه الندوة حرصنا الالتقاء بعدد من ممثلي التيارات الحاضرة على الساحة سواء الاسلامية منها بكافة اطيافها أو المسيحية هم ابراهيم ناجي مفكر مسيحي وعلي حتر قومي مسيحي ومأمون التميمي الذي يعد في الساحة الأردنية الفلسطينية من الاسلاميين المعتدلين علما بأننا حاولنا اشراك بعض من الاسلاميين ممن يوصفون في العادة بالمتشددين من السلفيين فرفضوا جميعا تحت وطأة اعتقادهم بان الدعوة إلى فرز العلاقة بين الشرق والغرب بمسمى صراع أو حوار الحضارات يدخل في اطار مشبوه يوصل في النهاية إلى الدعوة إلى وحدة الاديان. عموما كان سؤالنا الاول للاستاذ ابراهيم ناجي حول: ـ هل الحديث عن العلاقة ما بين الشرق والغرب فيما ما بات يعرف بحوار أو صراع الحضارات مفهوم غربي ام اسلامي؟ ـ ناجي: في البداية اريد ان اسأل: ما الذي فجر الصراع اساسا بيننا وبين الغرب؟.. وهل نشأ هذا الصراع بدافع ديني ام اقتصادي؟. ان القوى التي بدأت في الغرب بالتعامل منذ القديم مع الوطن العربي منعته بكافة السبل من ان يتقدم لتشكيل أي كيان سياسي موحد بينه، تدفعها الى ذلك اهداف كثيرة ومتقاطعة منها ان منطقة الوطن العربي اذا ما قدر لها ان تتوحد فانها ستعمل بالتأكيد على السيطرة على الطريق إلى الهند وفيما بعد على قناة السويس والمناطق المجاورة لها أو المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية ضخمة، وما يعنيه كل ذلك من تهديد للمصالح الاستراتيجية سواء السياسية منها او الاقتصادية لهذه القوى. ومن هنا بدأت بالتفكير منذ القرن التاسع عشر بضرورة عمل شيء لمنع تلك الوحدة مهما كلف الامر، واود الاشارة في هذا الصدد الى ما قاله نابليون من انه لا بد من ايجاد جسم غريب يجاور مصر لمنعها من التحرك الى بلاد الشام. اما المنطلق الاقتصادي فكان يتعامل مع الوطن العربي باعتباره سلة اهم ثروات العالم، وانه لا بد للغربي استغلالها، بالنمط الذي تستغل فيه الدول المستعمرة وشبه المستعمرة في باقي انحاء العالم الثالث. اما الجانب السياسي فيتعلق بالموقع الجيوسياسي للوطن العربي الذي يقع على مفترق القارات الثلاث من جهة ويتعلق من جهة اخرى بالرغبة في منع نشوء قوة عربية يمكن لها ولو في المستقبل البعيد أن تنافس القوى المهيمنة في الغرب. والمقصود من هذا القول أن مرجعية القوى المهيمنة التي بدأت منذ قرنين بالتعامل مع الوطن العربي كمنطقة مستعمرة أو شبه مستعمرة كانت اساسا ذات دوافع اقتصادية وسياسية، باعتبار هذه القوى تمثل الشرائح الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت عن الثورة الصناعية والتي تفكر اساسا من منطلقات مصلحية دنيوية ولكنها ابدا لا تتورع من اجل تحقيقها عند استخدام الاديان جميعها سواء كانت المسيحية او الاسلام او اليهودية او حتى البوذية، كما حدث على سبيل المثال عندما استخدمت حكومة الولايات المتحدة الإسلام زورا لتحقيق مصالحها في البلقان من اجل تحطيم الدولة اليوغسلافية، وقبل ذلك كما حدث من استخدام للاسلام من اجل استنزاف الاتحاد السوفييتي في افغانستان، وهي تستخدم اليهودية في فلسطين، ومن هنا فانا اعتقد أن البعد الاقتصادي والسياسي هما البعدان الاساسيان المتحكمان في العلاقة بيننا وبين الغرب. الا ان ذلك لا يعني عدم وجود جوانب حضارية متناقضة وجوانب ثقافية مختلفة، ولكنها لا تمثل الجوانب الاساسية بالنسبة للقوى المهيمنة في الدول الغربية، المستعدة للتلاعب بها. على اني في مقابل كل ذلك اشدد على أن طبيعة مصالح الغرب الاقتصادية والسياسية في بلادنا في الوطن العربي فرضت علينا تناقضا تناحريا مع هذه المصالح. ولهذا انا اؤمن ان علاقتنا مع ممثلي المصالح الغربية في منطقتنا العربية تفرض عليها نمط الصراع بكافة اشكاله، فالعربي لا يستطيع التحرر اقتصاديا أو سياسيا إلا بخوض صراع تناحري، لطرده وليس اقناعه على الخروج من منطقتنا. لهذا فان الحل بشكل سلمي مع هذا الغرب الذي يسعى لابقائنا في ظله مسحوقين امر في غاية السذاجة وغير قابل للتطبيق وهذا ما تؤكده تجاربنا عبر عقود طويلة معه تمتد منذ محاولة نابليون الاولى. صراع أم حوار ـ التميمي: صراع أو حوار الحضارات هي كلمات رديفة تستخدم احيانا لقلب ما يجري من احداث فحينما يكون هناك معطيات وبوادر لصراع حضاري بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، تندفع جهات رسمية وعقلاء القوم من الطرفين إلى قلب ذلك المفهوم ليطرح بدلا منه مفهوم حوار الحضارات. وعندما تكون هناك ازمة سياسية كبيرة كما حدث في حرب الخليج الاولى أو كما يحدث الان يندفع هؤلاء العقلاء احيانا إلى التنظير في قضية حوار الحضارات فتبرز الندوات والمؤتمرات والبرامج الاعلامية والمقالات الصحفية التي تتحدث عن هذا الموضوع ومن الامور اللافتة للانتباه انه حينما يكون هناك حساسية بين الغرب والشرق المسلم بشكل خاص وكما قلنا أن هذه الحساسية هي التي تدفع هؤلاء إلى طرح قضايا حوار الحضارات بدلا عن صراع الحضارات من اللافت للانتباه أن القواسم المشتركة التي تطرح في ذلك الحوار تؤخذ من مرجعية الدينين الاسلامي والمسيحي، وكعلامات بارزة لتدعيم الحوار غالبا ما تعقد الندوات والمؤتمرات من قبل رجال الدين الاسلامي والمسيحي حتى يترسخ في الاذهان اننا اصبحنا نعيش في مجتمع متقدم ومتطور يحتاج بعضه إلى بعض ويتعاون بعضه مع بعض وانه لا مجال هناك لصراع الحضارات بل أن هناك كل المجال لحوار الحضارات. اما اذا اردنا أن نشخص حقيقة مفهوم حوار أو صراع الحضارات هل هو اسلامي ام مسيحي فاننا نجد ما يلي: أن هذا المفهوم هو عبارة عن مفهوم اسلامي ومسيحي معا وانه لم يأت من فراغ وذلك لان الحضارة الاسلامية اصطدمت بالحضارة الغربية المسيحية تاريخيا ولمئات السنين وتمثل الاصطدام الصارخ في التاريخ فيما عرف بالحروب الصليبية التي استمرت مئتي عام. وذلك نهاية الالفية الاولى إلى ما بعد مئتي سنة من ذلك التاريخ. وهذا الصراع ترك آثاره الاجتماعية والسياسية والعقدية في العلاقة ما بين الحضارتين الاسلامية والغربية فاصبحت الحضارتان تعانيان من اثار تلك الحروب حتى وقتنا الحاضر.ولذلك فان مفكري العالم الاسلامي اذا ما عانى المسلمون من اشكالية سياسية مع العالم الغربي المسيحي فانهم فورا يتذكرون الحروب الصليبية ويعودون بمفاهيمهم إلى قضية الصراع الحضاري بين المسلمين والمسيحيين والتي اصبحت لاحقا مصطلحا يجمد في الادراج في وقت الرخاء السياسي ويتم تفعيله في وقت الازمات. وهذا الامر ينطبق على العالم الغربي حيث أن مفكريه يجمدون هذا المفهوم في وقت الرخاء ويفعلونه في وقت الحساسية السياسية مع العالم الاسلامي كما حدث مؤخرا حينما سقط سهوا بلسان الرئيس الأمريكي بوش الابن عندما قال إن هذه هي حرب صليبية، مما دفع بعقلاء القوم حوله من الساسة لتنبيهه أن هذا المفهوم له حساسية في العالم الاسلامي وقد تولد للعالم الغربي المشاكل وتحرض الشعوب الاسلامية على الغرب. وكان أن ورد على لسان رئيس الوزراء الايطالي برنولسكي تصريح اثار جميع العرب بقوله ان الحضارة الغربية متفوقة على الحضارة الاسلامية وان الحضارة الاسلامية حضارة مظلمة، فقام العالم الاسلامي بساسته ومفكريه مطالبين اياه بالاعتذار العلني وأمام ضغط الوضع السياسي وتداعيات المرحلة اضطر للاعتذار. ومن هذا يتضح أن مفهوم صراع وحوار الحضارات هو مفهوم اسلامي مسيحي معا. ـ استاذ علي حتر كمسيحي هل تعتقد ان جذر ومنطلق هذا الموضوع كان غربيا ام عربيا اسلاميا. ـ حتر: ان طرح العلاقة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي او هكذا يراد له ان يكون له وخصوصا في الابعاد التي يراد الحديث عنها لمن فتح باب النقاش على الموضوع لا يمكن ان يكون في جذوره اسلاميا او حتى عربيا. لان العرب والمسلمون ببساطة لم يكونوا منذ ان اخرجوا من الاندلس الا متلقين لافعال الاخرين ومدافعين والتاريخ يثبت ذلك. ومن المعلوم ان الذي يتحرك هو الذي يفتح ابواب النقاش على مواضيعه الخاصة بمعنى ان العرب قديما لم يفتحوا باب النقاش في ذات الموضوع، بل ان نقاشاتهم ذهبت الى نقطة اخرى بعيدة وهي علاقة الاسلام ذاته بالانسانية جميعا وليس بقوم دون قوم. بل انني اذهب الى ابعد من ذلك عندما اقول ان الصراع قديما والذي فتحه العرب المسلمون ايام الدولة الاسلامية كان صراعا فكريا، وليس كما هو مطروح الان وهذا ما تثبته الفتوحات الاسلامية خارج الجزيرة العربية. وتأسيسا على هذا المعنى اقول بكل طمأنينة ان مفهوم الصراع بين الشرق المسلم والغرب صراع جذره غربي ومنطلقه غربي بل انني اذهب الى القول انه ليس غربيا بالمطلق بل انه امريكي بصورة خاصة، هذا اذا اردت الحديث عن الصراع من حيث كونه معاصرا، اما اذا اردت تناول هذا الصراع منذ غابر الزمان، فانك ستجد بما لا يدع مجالا للشك بانه جاء من الشمال لدول الجنوب أي من روما والكيانات السياسية القديمة التي لم تكن ترى في الشرق سواء كان القريب أو البعيد الا تلك الفريسة التي يجب اقتناصها وهذه الصورة تكررت عندما جاءت الحروب الصليبية بعدوانيتها ثم جاءت الحروب العالمية الاولى والثانية، واقتسام خيرات الشرق بين الغربيين، واحتلال فلسطين .. إن علاقة الغربي بالشرق في معظم الاحيان كانت علاقة تناحرية يفرضها الغربي على الشرقي فرضا لتحصيل مكاسب مختلفة. فلم يذهب الفرس ولا العرب إلى الغرب قبل تشكل الدولة العربية في الجزيرة، وحتى الغزوات اللاحقة من الشرق باتجاه الغرب كانت ضمن اطار نشر الفكر الديني ولم تكن هجمة امبريالية. أي أن العرب حين انطلقوا الى الغرب فاتحين لم يكن بنيتهم أي هدف اقتصادي، سواء طريق الحرير والابهارات لهم او غيره. واذا ما تعمقنا اكثر في التاريخ رأينا ان المسيح «عليه السلام» قال لتلاميذه الشرقيين انتشروا في الارض ضمن هدف ديني، وهذا ما يدل على ان نظرة الشرقيين الى الغربيين لم تكن في أي من مفاصل التاريخ بروح عدوانية شبيه كتلك التي حملها الغرب وما زال يحملها. والغرب لم يفعل ذلك لان الامر يتعلق بالاسلام او الشرقيين انظر ماذا فعلت فلول البريطانيين في امريكا عندما ابادوا الهنود الحمر بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا. صراع حضاري أم ديني؟ ـ كيف تفهم هذا المفهوم وما هو المقصود منه؟ ـ ناجي: اذا كنت تقصد ما طرح عن صراع الحضارات وما شابه فكان واضحا انه لا يتعلق ببعد ديني بل المقصود منه أن المطلوب فرض نمط أو منظومة القيم والمفاهيم الرأسمالية السائدة في أمريكيا الشمالية واوروبا الغربية على المناطق والدول التي ما زالت تشكل حواجز ثقافية في وجه فرض هذه المفاهيم، سواء كانت في الصين أو في المنطقة الاسلامية أو غيرها. فالمطلوب هنا من قبل الغرب عندما يتحدث عن صراع الحضارات ليس أن يؤمن كل العالم بالكنيسة البروتستانتية السائدة في الدول الانجلوسكسونية مثل بريطانيا أو أمريكيا ليس بهذا المعنى يتم طرح الموضوع بل طرح على خلفية أن هناك مجموعة من المفاهيم والقيم والانماط الاقتصادية والسياسية التي نشأت نتيجة سيطرة شرائح على المجتمعات الغربية على سبيل المثال النهج الذي يفرضه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مجال الاقتصاد والنهج الذي تحاول أن تفرضه المؤسسات الدولية في مجال السياسة وبعض مفاهيم حقوق الانسان والحريات الشخصية في مجال الثقافة. فالمطروح هنا فكر ونمط قيمي ومفاهيم المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في مواجهة الحواجز التي تعترض نشر هذه القيم والمفاهيم. وليس الامر متعلق بالمسيحية والاسلام. والهدف هنا هو توسيع هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي السائد في الغرب على باقي انحاء المعمورة وليس المطروح حملة صليبية بالمعنى الذي نفهمه نحن، بل انني اؤمن ان طرح الامر بصورة انه صراع بين الشرق المسلم والغرب المسيحي طرح يتم فيه تسطيح وتبسيط للامور، وان كانت القوى السائدة صاحبة المصالح لا تتورع عند الحاجة لاستخدام الدين ومنها التعبئة المسيحية من اجل تحقيق هذا الهدف السياسي أو ذلك. أي الخلاصة ان الصراع الحضاري مطروح عندما نتحدث عن نمط فكري ونظام مفاهيمي يمثل القوى المهيمنة في مجتمعات الرأسمالية المتقدمة في مواجهة الحواجز التي تعترض الهيمنة وليس بالمعنى الديني. على انني احب ان اذكر دوما أنني لا اقول أن الصراع بيننا وبين الغرب غير تناحري وعدواني بل انه عدواني وتناحري ولا يمكن أن يحل إلا بالعدوان والتناحر، فمخططات المصالح في بلادنا فرضت علينا أن يكون الصراع عدوانيا وتناحريا ولا يحل إلا بالعنف ولا سبيل للتحرر العربي بدون خوض هذا الصراع حتى نهايته. اما قولي انه غير ديني فلا يعني انه هناك امكانية للحل بشكل سلمي، فانا ارى أن طبيعة مصالح الغرب والنظرة التي ترسخت في الذهنية الغربية للشرق المسلم لا يمكن دفعها عنا وقصد السلامة منها من خلال التعامل السلمي معها فالتحرر يقتضي مواجهة المخططات بكل الوسائل المتاحة خصوصا وأن الغرب لا يتورع ابدا عن استخدام الدين لتحقيق هذه المصالح عند الضرورة، وبهذا الفهم يمكن فهم ان الغرب يريد ان يصوغ للمسلمين اسلاما لا يتعارض مع مصالحه، وهذه هي المشكلة الحقيقية بين الاسلاميين والغرب، من وجهة نظر غربية. ـ تريد القول ان طبيعة الدين الاسلامي من حيث كونه يرفض ان يكون تابعا بل متبوعا افرزت هذه المشكلة مع الغربيين بينما نرى ان عددا من الثقافات الاخرى غير الاسلامية استطاع الغرب بسهولة صهرها في بوتقته؟ ـ ناجي: ما من شك أن الحضارات العريقة سواء الصين أو العالم الاسلامي لا يمكن للحضارة الاستهلاكية الغربية أن تخترقها بذات السهولة التي تخترق فيها العقل الجمعي للشعوب التي لا تتمتع بمثل هذه التقاليد الحضارية العريقة. بل انني اذهب الى ابعد من ذلك بالقول ان هذه الثقافة الرأسمالية الاستهلاكية استطاعت صهر الغرب المسيحي في بوتقتها ومن هنا نرى ان الاوروبيين اقل انصهارا مع هذه الثقافة من الامريكيين في الولايات المتحدة حيث انه من الواضح أن المجتمع الامريكي كون ثقافة استهلاكية اقوى واشد بأسا من تلك الموجودة في اوروبا. ـ ارجو فقط توضيح معنى الثقافة الاستهلاكية التي تعنيها ؟ ـ ناجي: هي التي تنظر الى تعريف معنى الوجود ومعنى السعادة الانسانية باطار يشدد على اهمية المنتجات الاستهلاكية وقدرة الانسان على تملكها والتفاخر بها. ومن هنا اقول ان الغرب على استعداد للتعايش مع دين هو عبارة عن عبادات وطقوس لا تعيق عمليات الاستعمار وحركة رؤوس الاموال أي العولمة. وكلمة الامبريالية التي يسوقها في العادة اليساريون وما تحوي من معان ثقافية واقتصادية يلخص ما اتحدث عنه. ـ اذن انت ترى أن اشكالية العلاقة بين الشرق والغرب اشكالية حضارية بمفهومها العولمي ان جاز لي التعبير؟ ـ ناجي: هي سياسية واقتصادية للفئة الحاكمة المسيطرة في الغرب لانها هي التي تقرر الحروب، ومن المعلوم ان في الغرب نظام يحكم وليس اشخاص فالنظام السائد في المجتمعات الغربية وما يسمى بدول الشمال - لادخال اليابان - تفرض عليها التوسع لفرض هيمنتها على دول الجنوب ومنها نحن وليس لوحدنا وهذه هي النقطة المهمة في هذا الصراع ليس صراع العرب والمسلمين ضد الاستعمار الجديد فشعوب افريقيا والشعوب الاسيوية وشعوب امريكا اللاتينية تواجه هذه التمدد الاستعماري ولكن نحن لنا خصوصية بحكم الموقع الجغرافي تجعل الصراع اشد وضوحا من أي منطقة اخرى. ومن هذه الخصوصيات أن الحركة الصهيونية في أحد ابعادها الاساسية تحمل فعلا مشروعا حضاريا دينيا، والقوى الاقتصادية والسياسية الغربية متحالفة مع الحركة الصهيونية، في مقابل ان الحركة الصهيونية في الاصل فكرة قامت على مقولة أرض الميعاد والافكار المستقاة من التوراة، وبالتالي في هذا الجانب من صراعنا مع الغرب نعم يبرز البعد الديني بتبني الغرب للحركة الصهيونية كمشروع ايديولوجي وليس كقاعدة للاستعمار في بلادنا. هذا ما طرحه رئيس وزراء بريطانيا الفايكنت بارملستون في السابق عندما فكر بتأسيس دولة اسرائيل، بعد ان رأى محاولات تمدد محمد علي باشا في مصر باتجاه بلاد الشام والجزيرة العربية وقال في رسالة منشورة لسفيره في اسطنبول ما يلي: ان عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين يشكل سدا منيعا في وجه اية مخططات شريرة يعدها محمد علي باشا أو أي من يخلفه «وهذه الرسالة مؤرخة في عام 1840» حيث بدأ التفكير البريطاني بانشاء حاجز بشري غريب لمنع وحدة عربية. والهدف من هذا المنع هو منع قيام كتلة عربية منافسة تسيطر على طرق المواصلات البرية والبحرية التي تمر عبر الوطن العربي. يجب أن نرى نقطة التماس بين المصالح الاقتصادية والسياسية الغربية وهي مادية بطبيعتها وليست دينية وبين المشروع الصهيوني في انشاء دولة لليهود في فلسطين الذي يحمل بالضرورة بعدا دينيا حضاريا وان كان يقوم على الارهاب. ـ هل بهذا المعنى تفهم العلاقة بين الغربي والشرقي، وما يحتويه من مفهوم « صراع الحضارات»؟ ـ التميمي: صراع الحضارات هو في الاساس صراع بين الدولة الاسلامية في التاريخ وبين الدول الغربية، نشأ حينما توجهت الفتوحات الاسلامية لتنهي نفوذ الامبراطوريات الغربي من الشرق ولتخرج الامبراطورية الرومانية من بلاد العرب والمسلمين هذه الامبراطورية التي كانت تتحكم قبل مجيء الدولة الاسلامية بنصف الكرة الارضية ولكنها مع مجيء الإسلام انحصرت حتى تقوقعت في ارضها الحقيقية. وهذا الامر ولد حقداً كبيراً من الدول الغربية للاسلام والمسلمين وولد فيما بعد صراعاً غالبا ما يكون عسكريا، وبالرغم من ذلك فان التقاء الحضارات عبر التاريخ واعني الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الغربية المسيحية، كان يبرز من خلال التبادل العلمي والثقافي، فالحضارة العربية الاسلامية رفدت الحضارة الغربية بشتى انواع العلوم من طب وفلك ورياضيات وجبر، واحياء، حيث كانت هذه العلوم تدرس في معاهد الغرب بل اكثر من ذلك، أن الطلبة الغربيين كانوا يرحلون للدراسة في المدارس الاسلامية خصوصا في بغداد والاندلس بغض النظر عن الصراع العسكري. وقد انقلبت الاية في عصرنا الحاضر فاصبحت كل المجتمعات الاسلامية والعربية تنهل من العلوم والثقافات الغربية سواء من خلال الجامعات أو الكتب أو التكنولوجيا الجاهزة. وهنا ما يؤكد أن الحضارات لا تستغني عن بعضها البعض مهما كان الصراع قائما حيث أن هناك خطاً انسانياً يوصل تلك الحضارات بعضها ببعض، ونحن هنا نتكلم بالمجمل ولكنا اذا اردنا أن نشخص بالمجهر، فلن نجد في الغرب حضارة واحدة عبر التاريخ ولكن هناك تحالفات غربية كانت حينما تنطلق تبحث عن نقطة الالتقاء المشتركة ما بين الدول الغربية ومن الطبيعي انه لا يوجد نقطة التقاء مشتركة بين الدول الغربية سوى الدين المسيحي ولهذا كان يحول ذلك الحلف السياسي إلى مسمى الالتقاء المشترك بين مجموعة الدول الغربية، وهو الدين المسيحي ومن هنا اخذت الحروب الصليبية شعار الصليب، وكلنا ايضا عندما نتمعن في ذلك المجهر نجد أن الصراعات بين الدول الغربية لم تتوقف ولم تنقطع عبر التاريخ فكل دول اوروبا الغربية والشرقية تصارعت مع بعضها البعض حتى في الوقت الذي كانت تتحد فيه ضد المسلمين كانت تتصارع مع بعضها البعض وتخوض الحروب ضد بعضها لان مصالحها مختلفة ومتناقضة وكانت حتى مذاهبها الدينية المسيحية ومازالت مختلفة ومتصارعة، فالبروتستانت يكفرون الكاثوليك والكاثوليك يكفرون الارثوذكس والارثوذكس يعتبرون الكاثوليك وثنيين أو ماردينيين. بل أن الحملات الصليبية حينما انطلقت كانت موجهة بالاساس ضد الكنيسة الشرقية في اليونان وفي القسطنطينية أو ما يعرف اليوم باسطنبول، ونحن في الوقت ذاته لا ننأى بالحضارة الاسلامية عن الصراع المذهبي، إلا أن المسلمين كانوا اقل حدة بكثير في صراعهم مع بعضهم البعض. وذلك أن الدولة الاسلامية كانت عبر التاريخ هي دولة سنية، مع كل متغيراتها السياسية أو عائلاتها الحاكمة. الشرق والغرب ـ اذا انت ترى أن اشكالية العلاقة بين الشرق والغرب اشكالية حضارية وليست سياسية؟ ـ التميمي: قلت لك أن الاساس صراع سياسي وصراع نفوذ واختلاف مصالح، ولكن الصراع السياسي يحتاج إلى روافع فالدولة عندما تخوض أي حرب تعلم أن البعد الديني هو الذي يثير الجماهير ويدفعهم للذود والتضحية ومن هنا تبدأ عمليات التحريض الديني ضد الكفار. إلا أن الغرب اليوم لا يوجد لديه محرك ديني حقيقي ليدفع المقاتل أو الانسان للتضحية ليموت بدفع من مشاعره الدينية فالغربي قام واعتمد على تطوره العلمي الذي احرز له تطورا تكنولوجيا أي أن الغرب يعتمد أساسا على السلاح التكنولوجي وهذا ما اثبته عندما خاض معاركه من خلال الطائرات والصواريخ اما التعبئة العقدية فقد استعيض عنها بالتعبئة الاعلامية التي تدعو إلى محاربة الجهل والارهاب والتخلف والهمجية، كما يتم تصوير ذلك. وهذا ما لمحناه في الاعلام الغربي وفي تصريحات الرئيس الامريكي عندما قال للشعب الامريكي انه سيخوض حربه على الذين لا يعطون المرأة حقها. ومن هنا بدأت المؤسسات الاعلامية الغربية في الحديث عن ان الاسلام لا يساوي بين المرأة والرجل في حق الارث، وأن المرأة عموما في نظرهم ليست مساوية للرجل، وهي نصف الرجل في مسائل الشهادة وغيرها وأنه لا يحق لها ان تنهي العلاقة الزوجية التي تتطور لغير مصلحتها او ضد ارادتها. وان الاسلام يضع قيدا على حق تغيير المرء لدينه الاسلامي ويصمه بالارتداد، كما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم، بينما يجيز زواج المسلم من الكتابية في الوقت الذي يحظر زواج الرجل المسلم ممن تعتنق معتقدات ارضية غير سماوية، وهذا في نظر الغرب قيد خطير على حرية الزواج والعلاقات الانسانية. واسهبت تلك المؤسسات الاعلامية في الحديث عن اهمية هذه الاختلافات بين الاسلام والغرب في مجال حقوق الانسان ووثائقه الدولية، وتحفظ الدول الاسلامية عادة على النصوص والاحكام المتعارضة مع الشريعة الاسلامية. وهذا الاستهداف ما هو الا نوع من انواع الصراع الحضاري وان بشكل آخر غير الذي كان يقدم للغربي في العصور الوسطى على سبيل المثال فلكل مقاله. نابليون نفسه ادرك الحاجة الاستراتيجية لايجاد كتلة غريبة في فلسطين، ورأى ان محاصرة مصر تقتضي ايجاد قاعدة غربية في فلسطين فاصدر بيانا دعا فيه الشعب اليهودي إلى ملاقاته في فلسطين ومرة اخرى يتضح هنا التماس بين المشروع الغربي المادي الاستعماري اساسا والمشروع الصهيوني ذي البعد الديني. ـ استاذ حتر ما هو المقصود برأيك من تناول هذا المفهوم؟ ـ حتر: انا حقيقة يجب قبل الحديث عن مفهوم صراع وحوار الحضارات وربما في المقابل يدخل بصورة ما موضوع الاديان وما يفهمه البعض وخصوصا الاسلاميين السلفيين من ان حوار الاديان وبالتالي الحضارات يعني وحدة الاديان. قبل كل ذلك يجب الانعطاف الى تحديد أي الحضارات نقصد من نعني بالغرب والغربي وما هو الشرق ومن هو الشرقي؟ ـ هذا موضوع شائك ولكن من المؤكد ان كل الحوارات الجارية في العالم تتجه بمفهومها الان نحو الشرق المسلم والغرب المسيحي، او هكذا يراد له ان يفهم على الاقل. ـ حتر: هذا ما اردت قوله فالشرقي هو العربي وهو المسلم أيضا، ولكن يجب الانتباه هنا ان الغرب ليس واحدا فهناك غرب أمريكي وهناك غرب اوروبي. وحضارة اوروبا تختلف عن مفرزات الحياة الامريكية غير الحضارية او تلك الحضارة المرتكزة بالاساس على مفهوم الاستهلاك والاستهلاك وحده. لا يمكن الحديث عن امريكا كما يتم الحديث عن اوروبا في هذا المجال حتى انك تلاحظ ان استعمار هذا واستعمار ذاك يختلف فالاستعمار الفرنسي سابقا على سبيل المثال يختلف بصورة كبيرة عن الاستعمار وشبه الاستعمار الأمريكي الحالي فامريكا مفرغة من الحضارة او لنقل لم يكن لديها حضارة اصلا، وهي إن أردت مجموعة من التناقضات الفكرية والاجتماعية التي تصل في النهاية الى غاية الاستهلاك. فكر مبني على الحاجة المباشرة للمادة وتملكها.. اريدك ان تحاول مقارنة «الحضارة الامريكية» المرتكزة على زعيق مايكل جاكسون ورغيف الهمبورغر، في مقابل الموسيقى الكلاسيكية الاوروبية والفكر الاوروبي الفلسفي. وفي الحق انا في الاغلب لا يكون في ذهني عندما اتحدث عن اوروبا بريطانيا وهذا يجب ان اعترف به. هذا هو الفكر الأمريكي اذا غزانا لالغاء حضارتنا وليس لتقديم حضارة مختلفة. واذا كانت اوروبا في القديم خرجت بمفهوم «انا افكر انا موجود» فامريكا خرجت بمفهوم مغاير تماما وهو «انا استهلك انا موجود» ولماذا اذهب بعيدا فالرئيس الامريكي جورج بوش الابن لم يجد شيئا ليقوله بعد الضربات وعندما لاحظ تضعضع المجتمع الا دعوة هذا المواطن الى الذهاب الى الاسواق وركوب الطائرات قال لهم بالحرف الواحد.. اشتروا عودوا الى نمط حياتكم السابق. وهذا الامر مفهوم.. فاكثر مايخشى عليه صانع القرار السياسي في امريكا وهو من اقطاب الاقتصاد ان يحجم المواطن عن الشراء. ومجددا هذا هو الصراع الذي نحن بصدده الان، أما الاوروبيون لديهم حضارة يقدمونها، النمساويون، والالمان، والفرنسيون في كافة المجالات والمستويات سواء في الثورة الفرنسية وما قدمت أو الكتابة والموسيقى وغيرها والعلاقات الاجتماعية، وفي مقابل رامبو الامريكي هذا السفاح القاتل غير الحقيقي لدينا روبن هود الاوروبي الصعلوك الذي كان يسرق من الاغنياء ليعطي الفقراء.. انظر الفرق. بل انك تجد ان مفهوم حقوق الانسان الامريكي يختلف جذريا عنه في اوروبا التي بنيت قوانينها على مصلحة المجتمع وليس الفرد كما هي امريكا. فنمط القوانين الأمريكية مبنية على حق الفرد فاللص والقاتل والمجرم في حماية القانون نفسه ولاتستطيع أن تسجن احداً الا ان تقيم عليه كاميرا الفيديو إن جاز التعبير. حتى البينة القانونية الاوروبية تختلف اختلافا جذريا عنها في امريكا لهذا ترى كثرة اللصوص والقتلة في امريكا ولا تجدها في أي دولة اخرى ورغم كل ذلك يريدون ان يسوقوا لنا نمطهم وتحت قوة طائراتهم، وربما طائراتهم فقط. مستعمرون وليسوا ملائكة ـ في حديثك الكثير من الكلام المقنع ولكن الا ترى معي مثلا ان بريطانيا الاوروبية قدمت ارضنا للصهيونية على طبق من ذهب؟ ـ حتر: تذكر ما قلته لك في بداية كلامي نحن لا نتكلم عن اوروبي ملاك ففي النهاية نحن نتذكره كمستعمر في بلادنا، ولكن هذا لا ينفي كونه حضاريا ويمتلك حضارة. وفي مقابل ان بريطانيا قدمت ارضنا للصهيونية لمصلحتها هي تناضل ـ امريكاـ حتى اخر امريكي لديها لبقاء الدولة الصهيونية قوية في بلادنا على اساس ديني بمعنى ان اوروبا كانت لديها اسبابها الذاتية حين ابعدت اليهود عن اراضيها وحين وضعت جسما غريبا في قلب الوطن العربي اما امريكا فالذي تقوم به مختلف تماما، انها تقوم بما تقوم به ايمانا منها كليا بذلك. وعموما البريطانيون ليسوا على وفاق تام مع الاوروبيين والتاريخ يدل على ذلك. ـ هذا من حيث تناول الغرب لمفهوم صراع أو حوار الحضارات، فكيف تعامل العربي المسلم عندما سمع هذا المفهوم في الوقت الحاضر؟ ـ ناجي: للأسف لا يوجد لدينا نظرة موحدة للموضوع في المراحل الاولى كانت الحركة التي تواجه الغرب في بلادنا تنطلق من منطلقات وطنية أو قومية أو يسارية، فالمشروع الناصري على سبيل المثال مشروع وحدوي ومشروع الثورة الفلسطينية مشروع حركة تحرر، وفيما بعد ونتيجة عوامل عدة تبدلت وجهة النظر عند قطاعات واسعة وليس الجميع عندما اصبحت للحركة الاسلامية شأن عظيم في الوطن العربي، ولا شك أن قطاعات واسعة من هذا الشارع صارت تنظر لصراعنا مع الاستعمار الغربي وحليفه الصهيوني من منظور ديني. والذي حصل على ما اظن أن العرب انطلقوا بحركات تنويرية حتى من داخل التيارات الاسلامية، أو حركات وطنية ثم يسارية، وعندما انتكست جميعها دفع الاحباط الناس إلى ايجاد تفسيرات غير سياسية وغير اقتصادية للصراع مع الغرب بفعل الهزيمة والانتكاس، والان وجهة نظري الخاصة أن كل من يقاتل الهيمنة الاستعمارية الغربية أو الاحتلال الصهيوني سواء من دوافع دينية أو من فهم سياسي واقتصادي واستراتيجي للصراع لا بد انه يعتبر جنديا في معركة الامة العربية ضد اعدائها. ولكنني اعتقد ايضا أن فهم الصراع بشكل صحيح وبابعاده الاقتصادية والسياسة يمثل ضرورة تاريخية من اجل وضع برنامج مواجه دقيق في هذه المعركة. ـ الاستاذ ابراهيم ناجي يرى ان العلاقة الغربية العربية من حيث المنظور العربي لم تتبلور تصوراتها الدقيقة بعد .. استاذ تميمي كيف تنظر الى الطريقة التي تناول فيها العرب هذه العلاقة؟ ـ تميمي: هناك عدة مستويات لا بد من اخذها بعين الاعتبار خلال حديثنا عن العلاقة بين المسلمين والغرب المستوى الاول ويتعلق بتقسيم العالم الاسلامي الى رسميين وغير رسميين، حيث يفضي هذا التقسيم الى ان في العالم العربي والاسلامي فئتين من المسلمين والعرب لهما نظرتان متناقضتان واحيانا متصارعتان في شرحهما لهذا الموضوع الاولى متمثلة بالفئة الحاكمة وامتداداتها الفكرية، اما الفئة الاخرى فهي الفئة التي تمثلها النسبة العظمى من الرأي العام العربي او المسلم او مايطلق عليه مصطلح «العامة». فالفئة الحاكمة والتي مصالحها مرتبطة مع الدول الغربية وامريكا بصورة خاصة فانها لا تستطيع إلا أن توجه وسائلها الاعلامية ومفكريها لتنفيذ أي واقع فيه مسمى لصراع الحضارات لان هذا المفهوم ان هو تعمق فسيكون له ترسبات وانعكاسات مضرة لتلك الفئة. واما الفئة الثانية فانها تنظر إلى مفهوم صراع الحضارات منطلقة من نقطة واحدة واساسية وهي قضية فلسطين القضية الاولى والمركزية عند العالم الاسلامي والعربي لتسأل السؤال الكبير: ما الذي يدفع دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتشابك مصالحها مباشرة مع العالم الاسلامي علما بأنها تحتاج هذا العالم احتياجا مصلحيا اساسيا وبدرجة قصوى وهذا الاحتياج نابع من النفط الذي اصبح جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في الحياة البشرية فلا توجد حياة اصلا بدون بترول. وتتعجب العامة جدا حينما ترى الاستهتار الكامل من قبل أمريكيا لمشاعر العالم الاسلامي الذي يقترب الان إلى المليار والنصف بينما اسرائيل التي ينحاز لها الغرب هي عبء سياسي واقتصادي وامني وعسكري على الغرب وامريكا وهي دولة مصنوعة لم يكن لها تاريخ في المنطقة زرعت بدلا عن الشعب الفلسطيني شذاذ الافاق من اليهود الغاصبين الذين لايرعون إلا ولا ذمة في الشعب الفلسطيني ويتعجب المسلمون اكثر حينما لا يجدون أي مصلحة اقتصادية أو سياسية يستفيد منها الغرب وامريكا من دولة اسرائيل ولهذا ترى العرب جميعهم من خلال قراءة هذا الموقف السافر يفسرون الموضوع على اساس انه صراع بين الإسلام والمسيحية ومن هنا تبرز قضية الصراع الحضاري بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي. في حين فان هناك مستوى آخر لدى العرب متعلق بموضوع العلاقة بين الاسلام والمسيحية او ما يصفه العلمانيون بالعلاقة بين الشمال والجنوب متجنبين التخصيص بالصفة الدينية وهذا المستوى هم قادة الرأي ومفكرو الامة العربية والاسلامية ويحمل في طياته ثلاثة مواقف الموقف الاول هو الموقف المعتدل سواء كان حامله من الاسلاميين او من القوميين او حتى اليساريين، والذي يرى ان العلاقة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي ليست علاقة يحددها التصادم الحتمي وإن كان هؤلاء يرون ان مجريات الامور التي يقودها الغرب الان ستدفع لامحالة الى التصادم ما لم يغير الغرب موقفه من العرب والمسلمين وقضاياهم، مشيرين الى انه طالما بقي الغرب في غيه سيستمر في ظلمه للشرق المسلم مدعوما بقوته العسكرية التي يتبجح بها ويستند اليها في اتخاذه لمواقفه. اما الموقف الثاني وهو ايضا يضم تيارا من الاسلاميين وبعض القوميين واليساريين، وهو يؤكد على حتمية التصادم بين الاسلام والغرب، منطلقا في ذلك من اسس مرجعية كل طرف ومنطلقاته، وهذا الموقف يؤمن بان الغرب شر كله، فيرفض تأسيسا على ذلك التعاون او حتى الحوار معه. ذلك ان الخير والشر لا يلتقيان. مستندين في ذلك الى التجربة التاريخية التي يقولون انها لم تقدم بارقة امل في ان الغرب تغير او انه قابل للتغير. وفي الوقت الذي يقدم حاملو هذا الموقف من الاسلاميين ادلتهم بالاستناد الى ادلة شرعية ويرتكز خطاب كل من حامل هذا الموقف من القوميين او اليساريين الى منطقات تتحدث عن ان هذا الغرب ما زال يمعن في شره كلما امعن في ماديته واغفاله للجوانب الانسانية، وايغاله في الانتهازية السياسية، وتجاهله الكامل لكل قيمة اخلاقية. ويؤكد هذا التيار ان العلاقة بين الاسلام والغرب لم تتغير منذ ظهور الاسلام، وان الغرب فشل في وأد الاسلام في داره ومحاصرته في حظيرته لقرون عدة، ثم لم يلبث ان انقض على ثغور المسلمين في الاندلس فأزاحهم وأعادهم الى الشاطيء الاسلامي، وتابع منذئذ حركة الاستعمار والكشوف الجغرافية في اطار حركة الاسترداد الصلبي. واود هنا ان اشير الى ما ذهب اليه العلامة الاسلامي السلفي الشعبي عندما وصف ما يعمل عليه البعض من محاولات التقريب بين الاسلام والغرب بأنها شعارات منحرفة ومصطلحات غريبة مبطنة بباطن الكفر والردة وملفوفة بشعارات ماكرة باسم مؤتمرات و ملتقيات حوار الأديان ، وباسم تقارب الأديان أو العالمية ، وتصريحات سياسية باسم احترام الأديان كما يزعمون. اما الموقف الثالث التقريبي الداعي الى محاولة عقد مصالحة بين الاسلام والغرب تقوم على اساس ان العداء بينهما مصطنع لا حقيقة له، وان الاطماع السياسية شوهت تاريخ العلاقة بين الشعوب الاسلامية والغربية، مستشهدين في ذلك الى ان الحروب الصليبية هي ذاتها حروبا كانت تستند الى الاطماع الاقتصادية والسياسية وانها ارتكزت على الدين في محاولة من قبل قادة الغرب انذاك الى تجميع اكبر عدد ممكن لهم من الجنود والمؤيدين. ويغلب على هؤلاء وخصوصا من الاسلاميين تواجدهم في بلاد الغرب، وهم الذين ما زالوا يحاولون التقريب بين الحضارتين، ويجهدون كذلك في طمأنة الغرب بان الاسلام والمسلمين لا يمكن ان يكون مصدر خطر لهم الا في حال استمرار استهدافه من قبل الغرب ذاته، وهؤلاء للمفارقة هم المرشحون في كل ازمة - كما حصل بعيد احداث 11 سبتمبر ايلول الماضي الى الاستهداف والى انكسار خطابهم تحت عصي «صراع الحضارات». الأندلس أضعفتنا ـ حتر: العرب بعد الاندلس صاروا في موقع الضعيف ومن الاندلس حتى الان لم يخرجوا من مناطقهم إلى أي جهة كانت، وتحولوا الى متلقين لافعال الآخرين، وبهذه الصورة كان اصطدامهم بالغربي اثناء الاستعمار الاوروبي لبلادنا سواء في الجزائر ممثلا بالاستعمار الفرنسي او في ليبيا ممثلا بالاستعمار الايطالي او في بلاد الشام والنيل عدما جاء الانجليز الى مناطقنا. فنحن لم نذهب الى بريطانيا لنقاتل اللندنيين ولا الى فرنسا لنقاتل الباريسيين ولا الى ايطاليا لنقاتل الرومانيين. ولم نكن منذ ان خرجنا من الاندلس في موقع السؤال: ماذا نفعل بالغرب الا ونحن في دفاع عن انفسنا حتى ان هذا الدفاع لم يكن يوما في الارض البريطانية او الارض الفرنسية او الارض الايطالية بل كان في ارضنا وحين قررت جيوش الاستعمار مغادرة ارضنا لم نلاحقهم بل كانت لاحقا علاقتنا طيبة معهم. وبقي الامر على هذه الصورة حتى يوم 11 سبتمبر عندما فكر العربي بضرورة نقل الصراع ومقاتلة العدو داخل وكره. ولهذا اؤكد ان الضربات المتلاحقة التي كالتها امريكا على رؤوس الشعوب العربية دفعتها الى اتخاذ موقف العداء الشخصي بما يشبه الثأر معها، واذا كان المثقفون العرب والمسلمون يقفون من العلاقة مع الغرب مواقف متباينة فان الشعوب العربية تقف في صف واحد ضد امريكا. بل انني كمسيحي اشعر ان العرب المسلمين باتوا يشعرون بان دينهم في خطر من قبل الغرب وان الغرب لم يعد يهدد اقتصاد البلاد والعباد فقط بل اصبح يهدد دين العباد ومن هنا تصبح المصالح الامريكية مهددة في مناطقنا كما لم تكن مهددة من قبل فالمواطن العادي لا يتعب نفسه بالتحليل.. ببساطة انه يشعر ان دينه مهدد من قبل امريكا.. حتى بات يسأل بفقدان صبر: ماذا يريد هذا الغربي منا؟ الى ان توصل هذا المواطن الى ان العلاقة مع امريكا باتت تتحول الى شيء اقرب الى العلاقة الوجودية أي اما انا او امريكا. ـ ألهذه الدرجة؟ ـ حتر: ليسنا نحن الذين نطرح هذه الاشكالية بهذه الصورة بل انها امريكا نفسها هي التي لا تريد لنا الاستقرار في ارضنا وهي التي تحتك بنا وهي التي تسعى لان ينهار اقتصادنا ولايستتب امننا.. وفي المقابل نحن الذين منذ منتصف القرن الماضي نحاول اقناعها بأننا هنا واننا بشر واننا نريد العيش دون ان نخاف على اولادنا من بعدنا. ولكن الواضح في هذا الموضوع - في علاقة العربي بامريكا - أن هناك اكثر من عربي أي انواع متعددة من العرب وترجع هذه التقسيمات الى طبيعة تلون علاقة امريكا مع الدول العربية او المناطق العربية. ويمكن في هذا الصدد ان اقسم العلاقة الى علاقتين رأسية وافقية اما الرأسية فالعلاقة بين الامريكان ومعظم الرسميين العرب وهي على الاغلب علاقات تنسيقية تحالفية بغض النظر عما تريده او تشعر به الشعوب وبالذات في القضية المركزي الاولى القضية الفلسطينية. وخصوصا في هذه الايام. اما العلاقة الافقية فهي تعتمد على تقسيمات المناطق العربية والاجابة الامريكية على ماذا تريد أمريكا من هذه المنطقة أو تلك، فدول المواجهة لاسرائيل تختلف عن العراق والعراق يختلف عن الجزيرة العربية والجزيرة تختلف عن مصر ثم ان هناك السودان الذي يختلف عن دول افريقيا، وهكذا .. وحتى دول المواجهة على سبيل المثال سوريا تختلف عن الاردن والاردن يختلف عن لبنان. حتى انه في بعض الدول العربية تجد المواقف مختلفة والعلاقات متناقضة مع امريكا. انظر إلى شمال افريقيا مثلا، لا يمكن ان نقول ان الجميع يمتازون بصفة واحدة سوى الدين الاسلامي الذي يجمعهم. والاسلام هو الموحد الاساسي لكل هذه المتفرقات ولهذا فان الغرب يريد أن يضرب الإسلام او على الاقل بعض جوانبه المقاومة او التي تدعو الى المقاومة. فالإسلام فيه فكر مقاوم يرعب الظالم ويشجع على المقاومة ولهذا نحن نقول ان هناك محاولات لاختراق الاسلام من حيث كونه مقاوما وليس من حيث شموليته وكليته، هم لا يريدون من المسلم ان يفقد تشريعات الصلاة ولكن يريدون ان يشطبوا تشريعات الجهاد على سبيل المثال. ولاجل هذه الغاية سعى الامريكيين في اتجاهين الاول يقضي بملء جمجمة الشباب العربي بالزعيق الذي يسمى موسيقى غربية او امريكية والرقصات التي تخرج علينا من بعض الفضائيات العربية خصوصا تلك التي تخرج من بعض محطات في بلاد الشام دون ذكر اسماء، والجبهة الثانية تحييد النصوص الاسلامية المقاومة والتي لا يمكن تأويلها او تفسيرها بطرق مريحة لهم. ـ ولكن هناك من يريد اقامة حوارات موسعة بين الغربي والشرقي لبناء جسور ثقة بين الطرفين؟ ـ حتر: هذه هي المشكلة بحد ذاتها فالمستور قد فضح والمتصدون لما يسمى بحوار الحضارات من العرب اشخاص غير موثوق فيهم ابدا هم يحاولون اقامة الحوار، نعم وهذا صحيح ولكن المستهدف من هذا الحوار أي الشعوب مغيبة بصورة كاملة، وهذه هي المفارقة فمن يريد أن يقيم الحوار مع امريكا شخص له ارصدة كبيرة في البنوك الأمريكية ويريد المحافظة عليها ولهذا اقول ان مثل هذه الدعوات مشكوك فيها. ـ: اعذرني استاذ حتر، ولكن لابد من طرح هذا السؤال.. كمسيحي مرة اخرى.. كيف تنظر الى الغرب المسيحي؟ ـ حتر: لماذا تعتذر .. نحن نصرخ كل يوم اننا من هنا من الارض الاسلامية هذه ارضنا، والمسلمون شعبنا وكل كلام لا يأخذ هذا المنحى كلام فارغ .. انا اشعر بعداء تجاه امريكا واذا اراد بوش أن يسألني لماذا فسأجيبه انظر ماذا فعلت الطائرات الأمريكية بأبناء ديني المسيحيين في بيت جالا وفي بيت لحم وانظر ماذا فعلت الطائرات ذاتها بابناء قوميتي العربية وبجاري المسلم؟ هي هناك من يعتقد ان الرصاصة المصنعة في امريكا مكتوب عليها احذري المسيحيين.. ان قتلهم لنا لا يفرق بيننا بل انهم من جهلهم لايعرفون ان من قتل في امريكا بعد ضربات 11 سبتمبر مواطن عربي قبطي أي مسيحي. هذا اذا اعتبرنا انهم مسيحيون وانا لا ارى ذلك هم لا تربطهم بالديانات أي رابطة، هم مربوطون بمصالحهم انظر ماذا يدور في ايرلندا وفي جنوب أمريكا وفي كولومبيا وفي تشيلي وفي مناطق لا توجد فيها دماء اسلامية وانما مصالحهم. ـ إلى أي حد اثرت ضربات 11 سبتمبر في ابراز هذا المفهوم في الساحتين العربية الاسلامية من جهة والغربية من جهة اخرى؟ ـ ناجي: الغرب استخدم ضربات 11 سبتمبر من اجل تكثيف الهجمة على العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها ومن ابرز الامثلة على ذلك قوانين مكافحة الارهاب التي تمثل حسب رأي بعض الخبراء القانونيين الامريكيين انتهاكا للدستور الأمريكي نفسه. وكذلك الامر بالنسبة لاستغلال الفرصة - أي الهجمات على المدن الامريكية - لوضع اسم حماس والجهاد وحزب الله والجبهة الشعبية وغيرها من الاطراف التي لا تتهمها الإدارة الأمريكية نفسها باي ضلوع بهجمات 11 سبتمبر وضعت جميعها على لائحة الارهاب، وكذلك الامر بالنسبة لمحاولة استغلال الظروف لتهيئة العالم لهجوم جديد على العراق ولتدخلات عسكرية مستقبلية في دول عربية اخرى كما جاء في الاعلام الأمريكي مثل اليمن والصومال ولبيبا وسوريا ولبنان وغيرها. اما في داخل الغرب نفسه فقد استغلت القوى صانعة القرار السياسي الغربي هذه الهجمات من اجل تكثيف حملته ضد العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة من خلال اعتقال الالف من العرب والمسلمين بصورة تنتهك الحقوق التي يكفلها لهم الدستور الأمريكي نفسه. نظرية المؤامرة ـ أي انك تؤمن بنظرية المؤامرة؟ ـ ناجي: لست من انصار نظريات التآمر انا قلت أن ما يفعله الغرب أي القوى المسيطرة فيه على الاقتصاد والسياسة والاعلام ناتج عن مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية في الوطن العربي والعالم الاسلامي هذه المصالح تعني انه يرى في الوطن العربي فريسة ويرى في الوطن العربي مزرعة وباختصار منطقة نفوذ امريكي وكل ما حدث أن هذا الغرب كثف مؤخرا جهوده لفرض هيمنته على الوطن العربي والعالم الاسلامي امتداد طبيعي لما سبق. على سبيل المثال فان الساحة الأمريكية شهدت مؤخرا اغلاق وتجميد اموال ومصادرة امو