مع صدور هذا العدد، يصل الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس الوزراء في المملكة العربية السعودية الى تكساس للاجتماع مع الرئيس بوش في مزرعته، في هذه الولاية الحارة البعيدة، عن المناخ السياسي المعروف عن واشنطن، وهي العاصمة، ولكنها مدينة الاشاعات والمبالغات، والاخبار غير الدقيقة، وقصص الخيال، فهي العاصمة، فيها البيت الابيض، المقر الرسمي للقرار العالمي، وفيها الكونجرس، وفيها البنتاجون، وفيها الخارجية، وفيها كل ماله علاقة مباشرة بالشأن العالمي مثل صندق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومن يذهب الى واشنطن من السياسيين البارزين، يمر على الكثير من هذه الهيئات، ويتعامل مع بعضها، ويواجه الصحافة العالمية في لقاءات متعددة.. ولذلك فإن الرئيس الامريكي ارتأى ان يبقى الأمير عبدالله بعيدا عن أعين المطاردين والفضوليين، وخارج مطابخ الاشاعات، من اجل توفير الجو الذي لا يتعرض الى تسريبات او تعليقات قد لا تكون ملائمة لظروف الزيارة. كما ان الرئيس الامريكي حريص على ان يوفر لضيفه الكبير مناخا مريحا بعيدا عن أعين المتربصين، وعن قيود البروتوكول، وعن المراسم الثقيلة التي تمتص جهدا وتولد الحرص على الالتزام بمظاهر الجدية، بينما مناخ تكساس، وفي مزرعة الرئيس، سيجد الضيف كل شيء طبيعي وغير مقيد باثقال البرنامج الذي يعده عادة البيت الابيض لضيوفه. ولاشك بأن الرئيس الامريكي يريد لضيفه الكبير ان يتحدث في بيئة مريحة تمنحه كامل الحرية، وتعطيه الوقت الذي يريده ليعالج ما يحمله من هموم كثيرة سيطرحها مع الرئيس الامريكي. وبالطبع فإن العالم، وخاصة منطقة الشرق الاوسط، تراقب الزيارة وسترصد التحركات، وستحلل التصريحات، وتأمل كثيرا منها، لاسيما الشعب الفلسطيني الذي عاش نصف قرن من العذاب، توجها السفاح شارون بإجراءات التعذيب والمهانة والاهانة التي نرى قليلا منها على شاشة الفضائيات. ما الذي سيقوله الامير عبدالله..؟ من يعرف الامير عبدالله، يقدر على رسم التوقعات، ومن تعامل معه فهو قادر ايضا على التكهن بما يدور في ذهن الامير الذاهب الى تكساس في مهمة تاريخية، واود ان اسجل بعض الملاحظات على هذه الزيارة. اولا: ليس كل زائر رسمي الى واشنطن في حجم الامير عبدالله، وليس كل من توجه الى تكساس في مستوى الأمير عبدالله، الذي رسمت له احداث الماضي صورة رجل الدولة الذي اذا نطق أوفى، واذا وعد نفذ، واذا اقترح تفوق، واذا تكلم اصاب، رأيناه في قمة القاهرة يقدم مداخلة رجل الدولة، يستنهض الهمة وينهض بتبعاتها، لم يرض بالبيانات الفاضية، وانما استبدلها، بثقة القادر، بصندوق للشعب الفلسطيني تصل مبالغه الى مليار دولار. وتعرف الولايات المتحدة صفات الأمير عبدالله الشخصية، لذلك قامت بإعداد ترتيبات غير مسبوقة، لكي تسمع منه، ويسمع منها بأسلوب مستنير ومتحضر. ثانيا: يحمل الأمير عبدالله مأمورية تاريخية دقيقة، وتفويضا عربيا ملتزما، ويحمل معه مشاعره المتدفقة والمعروفة للشعب الفلسطيني، وحقوقه المشروعة في السيادة والحرية، وتتصاعد معاني المهمة السياسية والانسانية للأمير عبدالله للمسببات التي نعرفها جميعا، ولذلك فإن ذهابه مقرونا بمباركة عالمية، تجسدت في الادانة الشاملة التي خرجت من العواصم تستنكر افعال شارون. ثالثا: يذهب الأمير عبدالله وفي ملفاته «مبادرة الأمير عبدالله» التي اصبحت مبادرة عربية خرجت من احشاء قمة بيروت، باركها الجميع، والتزم بها الجميع، وهي مبادرة اشادت بها الامم المتحدة، وتسللت الى مجلس الامن كوثيقة في القرارات لاسيما في 1402 و 1397 وكلها قرارات تنص على قيام الدولة الفلسطينية على ارض فلسطينية تتويجا لكفاح شعب فلسطين المظلوم. وقد رحب الرئيس بوش بالمبادرة لانها تحول تاريخي نحو ما يردده الاجماع العالمي، وليس بينها خروج عن قرارات الشرعية وانما هي مستخلصة من جوهر هذه القرارات. رابعا: يذهب الأمير عبدالله الى تكساس على اثر الفشل الذي رافق رحلة الوزير كولن باول، ومن المناسب ان تتم الزيارة الى تكساس في اعقاب عودة الوزير كولن باول خالي الوفاض، حتى لا يستمر الفراغ السياسي الذي قد يستغله شارون لإكمال مناورته، وحتى لا يخمد الزخم الدبلوماسي الذي افرزته الاحداث الجسام في رام الله وجنين. وليس هناك اي شك بأن الوزير الامريكي بذل اقصى ما يستطيع لتأمين انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي المحتلة، وسعى، بأمانة للتوصل الى اتفاق، لكن المسرح لم يكن مهيئا للوصول الى حل مرض للطرفين. نعرف سياسة شارون في القضاء على المقومات السياسية للشعب الفلسطيني، ولتحقيق ذلك وضع اطارا زمنيا، لا يتلاءم مع توسلات باول بالانسحاب، كما ان مظهر الرئيس عرفات بعد لقائه مع باول، لا يوحي بالتفاؤل، وانما الذي رأيناه هي حالة احباط مملوءة بالقهر. خامسا: نشطت الدبلوماسية السعودية لتأمين توافق عالمي على تحرك الأمير عبدالله، ابرز خطواتها الرحلة الناجحة التي قام بها الأمير سعود الفيصل الى موسكو والتي دعا فيها الى البناء على البيان الرباعي الذي اصدرته في مدريد امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، مركزا في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد اجتماعه مع الرئيس بوتين الذي استمر اكثر من ساعتين على: ـ انسحاب فوري من كل المدن والمناطق التي احتلتها القوات الاسرائيلية مؤخرا. ـ رفع الحصار عن ياسر عرفات باعتباره الرئيس الشرعي المنتخب للشعب الفلسطيني والمفوض الوحيد للتحدث والتفاوض باسمه. ـ العمل على تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني، وفق توصيات السكرتير العام للأمم المتحدة. ـ اعادة تأهيل السلطة الفلسطينية كي تتمكن من القيام بدورها السياسي والأمني. ـ التوجه نحو استكمال ما تبقى من خطة تينت، وتطبيق توصيات ميتشل، خصوصا وقف بناء المستوطنات وازالة الموجود منها. ـ تستند المفاوضات المقبلة على مرجعية عملية السلام على القرارين 242، 338 ومبدأ الارض مقابل السلام، كما اكدتها 1402 و 1403. وابرز ما جاء في ذلك المؤتمر الصحافي فضلا عن نقاط المباحثات حول الوضع الفلسطيني، ما ذكره الامير سعود عندما سئل عن النفط كسلاح سياسي، فكان الرد بأن روسيا والمملكة متفقتان على ان النفط مادة للاستثمار مع تأكيد الاستمرار في انتاجه باسعار معقولة، والاستفادة من ذلك لدعم الانتفاضة الفلسطينية. وعندما سئل الأمير عن التباين في وجهات النظر بين واشنطن والرياض، كان رده بأن التخاطب امر واجب لمعالجة الاختلاف. خامسا: نلاحظ بأن الدبلوماسية السعودية هيأت العناصر المؤثرة والايجابية لانجاح زيارة الأمير عبدالله، في رفض الدعوات للعبث بالنفط، وفي الحصول على التوافق الروسي ـ الاوروبي ـ العربي، على تحديد آلية تحقيق الأمن والاستقرار الى حين اتمام المفاوضات، كما ان الدبلوماسية السعودية لم تشارك في مهرجان البكاء والعويل ولا في كرنفالات الشتائم والسباب الذي امطر الولايات المتحدة بكل اللعنات المتوفرة، وانما كان حوار الأمير سعود هادئا وبناء حيث جاء رده على سؤال عن اخفاق الوزير باول، قائلا بأن باول رجل نزيه ومن الشرفاء، واذا كان الرئيس بوش قد امتدح عمله فإنه يستحق المدح، لكن اذا لم يستطع تحقيق ما أعلنه الرئيس بوش نفسه من انهاء التوغل الاسرائيلي فورا فلن يكون هذا تقصيرا من جانب باول، وانما يكون تعنتا واستخفافا من جانب شارون لسياسة الرئيس بوش وبالموقف الامريكي. سادسا: تزداد اهمية رحلة الأمير عبدالله باعتبارها المناسبة ربما الأخيرة من الجانب العربي لممارسة الاقناع الدبلوماسي والسياسي والتأثير على الولايات المتحدة لتفعيل دور اكبر من اجل تحاشي الانفجار الذي يولده اليأس ومشاعر الاذلال، ويذهب الأمير عبدالله يحمل معه تراث المملكة في معالجة القضايا الساخنة، ويضع امام الرئيس بوش المكانة التاريخية التي تحتلها المملكة في هذه الظروف لانها حضن الاعتدال، وموقع التعقل، والمكانة المؤثرة اقتصاديا ومعنويا على الساحة العالمية. ومن المنطق ان يدفع الأمير عبدالله المواقف الامريكية نحو التصويب والعقلنة، ويساعدها في الخروج من الوحل السياسي الذي ورطها فيه الجنرال شارون، والبديل عن الاستماع الى الأمير عبدالله، المزيد من الوحل والانكسار. سابعا: يذهب الأمير عبدالله، بعد ان اصدرت الاسرة الدولية، احكاما واضحة بسحب ثقتها من شارون الذي وجدت فيه رئيسا غير مؤهل لتحمل مأمورية السلام، لا يتمتع بالأهلية الفكرية، والقيادي، التي تجعله مفاوضا يعتمد عليه، ونرى ذلك في بيانات اوروبا، ومن البيان الرباعي، وفي قرارات مجلس الامن اخرها القرار الذي حدد فيه المجلس آلية تقصي الحقائق لمعرفة حجم المذبحة في جنين واكتشاف ما حدث هناك. وتعاني القيادة الاسرائيلية، رغم تصريحات المسئولين فيها، ورغم الغلاف الاعلامي، من فقدان المصداقية في علاقاتها مع اعضاء الأسرة العالمية. ففي حديث للتلفزيون المصري، اعلن مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة لشئون الشرق الاوسط، وليام بيرنز، بأن هناك احباطا في واشنطن لفشل مهمة الوزير باول، لكن باول خرج بانطباع ومعرفة ميدانية عن مدى المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية، وفي غزة، وبصفة خاصة خلال الاسابيع الماضية، ليطلع الرئيس بوش على مدى عزمه على الخطوة التي يجب فعلها في اضواء المواقف في المنطقة. واضح بأن واشنطن على اطلاع على ما يمكن ان تكون عليه الاوضاع لو، لا سمح الله، لم تنجح زيارة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، فالبديل عن النجاح امر معروف، ولذلك فقد اعلنت واشنطن بأنها ستبعث تينت ثم يتبعه الوزير باول مرة اخرى. ورغم المذابح التي تحملها الشعب الفلسطيني، فأعتقد اننا رأينا الأسوأ، وان الايام المقبلة ستكون أفضل من الماضي، وسيكون للأمير عبدالله دور هام في ذلك الانفراج.