أعرف البرغوثي منذ إبعاده عن فلسطين إثر الانتفاضة الأولى التي إندلعت في ديسمبر 1987م. كنت قد أجريت حوارات مطّولة مع شخصيات الجيل الجديد، في الأراضي الفلسطينية، وأشار عليّ الشهيد أبو جهاد وكان مسئولاً عن الوضع داخل فلسطين أن يكون مروان البرغوثي أحد هذه الشخصيات، وذلك ما كان. ثم أصدرت تلك الحوارات في كتاب تحت عنوان «شخصيات الجيل الجديد في الارض المحتلة يتحدثون». عرفت البرغوثي طوال الوقت يقف في صف «المعتدلين» الفلسطينيين الذين يدافعون عن السلام ويتحدثون عن الأهمية القصوى لمعسكر السلام في إسرائيل. كان رجل حوار طوال الوقت وقال لي إنه في فترة إعتقاله لمدة ست سنوات، قبل الإنتفاضة، كان بن أليعازر وزير الدفاع الحالي منسقاً لشؤون المناطق وكان يجري حوارات ذات طابع سياسي صرف مع البرغوثي ورفاقه في المعتقل. كان أشد المتحمسين لإتفاق أوسلو والتقيته في تونس بعد أوسلو، يرافقه اليساريون الإسرائيليون القادمون لمقابلة ياسر عرفات. في فندق «المشتل» في العاصمة التونسية، تعرفت من خلال الصديق مروان، على عدد من كبار الصحفيين الإسرائيليين، المعتدلين والليبراليين، وذلك للمرة الأولى. وحين عادت الكوكبة الأولى من المبعدين إلى «الوطن» ترأس مروان وفدهم الذي زار المرحوم الملك الحسين بن طلال وألقى كلمة في رحابه شكر الأردن على الاستضافة الكريمة. وفي عهد «السلطة الوطنية» صعد البرغوثي نجماً شاباً وسط كهول مرهقين قادمين من تونس والعواصم القريبة والبعيدة. إنه ابن البلد رغم إبعاده لأكثر من سبع سنوات كان خلالها وثيق الصلة بالناس داخل رام الله ونابلس وجنين فهو أحد الذين كانوا قادة «الانتفاضة» من خلال لجنتها القيادية في العاصمة الأردنية تنسق مع «القيادات الميدانية» التي طاردها الإحتلال قيادة بعد قيادة. أصبح أمين سّر حركة فتح في الضفة الغربية ودخل في صراعات لا مجال للحديث فيها الآن مع قوى عديدة، أمنية وغير أمنية، وقبل إنطلاق الانتفاضة كان قد تّم إختيار حسين الشيخ أميناً للسر لكن الرئيس عرفات لم يوقع ذلك الإختيار. مشوار البرغوثي مع الانتفاضة، مشابه لمشوار الكثيرين الذين إضطروا لمسايرة الشارع ودفعوا ثمناً باهظاً. كان البرغوثي من أشّد أنصار الانتفاضة السلمية، لكنه في الوقت نفسه أراد الانتفاضة مصفاة الفساد الذي يعشش في أكثر مكان من مؤسسات السلطة وأراد الإنتفاضة وسيلة لكنس العديد من الوجوه الكالحة والفاسدة التي يعرفها الناس جميعاً وأشاروا إليها بالبنان عشرات المرات. ولكنه في الوقت نفسه، وتلك هي المشكلة الكبرى، خشي على شعبية فتح من التراجع أمام حماس والجهاد الذين اكتسحوا الشارع بعملياتهم العسكرية. حين صعد شارون للسلطة، كتب البرغوثي في صحيفة «الحياة الجديدة» التي تصدر في رام الله أن رئيس الوزراء الجديد يريد إستخدام قوة عسكرية مفرطة ضد الإنتفاضة، ولهذا من المهم جداً أن تعود الإنتفاضة كما كانت : إنتفاضة شعبية سلمية إحتجاجية وقد كتبت في حينها تحية كبرى لهذا الموقف المسئول. وفي تعليقه على عدد من العمليات العسكرية لحماس والجهاد داخل المدن في حيفا ويافا والعفولة قال البرغوثي أكثر من مرة إنه لا يؤيد أية عملية خارج أراضي الضفة والقطاع التي نريد إقامة دولتنا فوقها وعليها. ولكنه، وللأسف الشديد، لم يستطع الاستمرار في ذلك الموقف العقلاني، أمام القمع الإسرائيلي والإغتيالات لكوادر فتح مما أثار غضباً ورغبة عارمة في الإنتقام، وشكلت فتح « كتائب الأقصى» وقامت بعمليات ضد الحواجز العسكرية الإسرائيلية في الصفة الغربية وضد المستوطنات تطبيقاً لمقولة «اقتصار الكفاح على أراضي الضفة والقطاع» ، ولكنها لم تستطع أن تصمد أمام إغراءات العمليات الإستشهادية، وسارت مع حماس والجهاد، بدلاً من أن تشكل خطاً جديداً أكثر منفعة وفائدة لنضالنا الوطني. تلك هي المشكلة.