بيان الاربعاء: كانت المنطقة العربية الاكثر تأثرا بالسياسة الامريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، والنظام العالمي الجديد الذي فرض واقع الهيمنة الامريكية. وسبب ذلك ان العرب وقعوا في اخطاء كثيرة ارتبطت بما رجوه من الفعل الغربي لحل المشاكل السياسية العالقة والمشاكل الاقتصادية، حتى اصبحت السياسات الغربية «المرجوة» مرتبطة غالبا بما اسماه المحللون باسلوب نسج الاوهام. ويمكن رسم شكل السياسة العربية في اطار الهيمنة الامريكية: اولا: استخدمت صيغة المشاهد المأساوية للتضحيات الكبرى ـ مثل الانتفاضة الفلسطينية او قصف القرى الشيشانية للتأثير ـ على صناعة القرار السياسي في الغرب وصانعيه. ثانيا: التركيز على الاعتقاد بان الجاليات والاقليات المتجنسين من المسلمين في بلد غربي كأمريكا مثلا، سيتحولون الى وحدة متجانسة تمارس ضغوطا سياسية او مالية مثلما حدث مع الصينيين واليابانيين والهنود واليهود. ثالثا: ركزت على الترويج لجولات حوار وحملات اعلامية وغير اعلامية لتحويل وجهة النظر الغربية باتجاه الضغوط السياسية الرسمية. والواقع ان الدول العربية تجنبت ممارسة الضغوط او المواجهة وبدت كأنها اضعف ما يكون مع امتلاء ترساناتها بالاسلحة واخطرها سلاح النفط. وتقبل الخطاب السياسي العربي مفهوم «الديمقراطية البديلة الوحيدة عالميا» الذي طرحته امريكا والذي ترافق مع ترويج او تسويق شعارات غوغائية وتحريضية من قبيل «الاسلام هو العدو البديل» الامر الذي وضع العرب في خانة الدفاع عن التورط في مفهوم العدو. لقد قامت امريكا نفسها بنسخ المفاهيم التي كانت سائدة سابقا وعبرت عن ثوبها الجديد بشكل اجراءات عملية فقامت: ـ بتعديل صياغة المهام العسكرية والامنية. ـ شكلت فرق التدخل السريع. ـ وظفت العولمة لتحقيق الهيمنة في مختلف الميادين الاستثمارية والعلمية والتقنية والمنطقة العربية وكانت مرتعا خصبا لذلك. ومع هذا التطور الحاصل في السياسة الامريكية تجاه المنطقة العربية وجدنا ان الدول العربية التي كانت بالامس تحتفظ بزعامتها التاريخية وتسير وفق الانظمة الشمولية تحولت عن مسارها فجاءت حكومات جديدة لا كنتيجة للانتخاب لتحصد حصاد سنوات طوال من زرع النظام الشمولي الحر ولتجد امامها ملفات سياسية واقتصادية وادارية عالقة بانتظار من يجرؤ على فتحها. ولعل من المهم الاشارة الى ان جل انجازات النظام السابق لم تتعد عقد المؤتمرات الشعبية الحاشدة والهاب حماسة الجماهير بالخطب النارية والهاءها بقضايا لا تخصها من قريب او بعيد بينما بقيت هياكل الدول الادارية المهلهلة دليلا صارخا على ان هموم المواطن كانت اخر ما يهم النظام والقائمين عليه، وفق دراسات كثيرة. تراجع سياسي من قوة هزت المصالح الامريكية والعالم باستخدام سلاح النفط عام 1973 الى سياسة تراجعية تحولت القوة العربية، التي وصلت في الحقبة الاخيرة الى مرحلة الاعتراض باللسان كأضعف الايمان. تراوحت صيغة الاعتراضات العربية على السياسة الامريكية بين مستويات عدة منها. ـ اعتراضات مبطنة لا تخرج الى العلن املا في تفاهمات جديدة مع الادارة الامريكية توجد معالجة للمواضيع والسياسات موضوع الاختلاف، واندرجت فيها مواقف «اصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها». ـ الاعتراض الظاهر الراغب في احداث تبدل مباشر في السياسات والمواقف الامريكية، وشكل المندرجون في هذا المستوى طيفا واسعا من معارضي السياسة الامريكية الى المعادين الذين لا يستطيعون اعلان عدائهم، وفي هذا السياق يقع الموقف السوري في اعتراضه على السياسة الامريكية في المنطقة وطلبه ان تكون سياسة متوازنة في ما يتصل بموضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ـ الاعتراض المتوافق مع اعلان مواقف مناقضة للمواقف والسياسات الامريكية، وهناك عدد قليل من الدول يتبنى مواقف كهذه اليوم انطلاقا من اعتبارات مختلفة بينها رفض سيطرة القوة الامريكية الغاشمة على نحو ما هو موقف العراق من الولايات المتحدة او بسبب التناقض السياسي على نحو ما هو الموقف الايراني من السياسة الامريكية. لقد ساد مفهوم الحوار العربي ـ الغربي حقبة التسعينيات واخذ مكانه بين مفردات العقل السياسي الدولي وفي الواقع يمكن تقسيمه الى مستويين: الاول: مستوى الحوار العربي ـ الاوروبي. الثاني: مستوى الحوار العربي ـ الامريكي ـ الاسرائيلي. وفي كلا المستويين هدف الحوار الى رسم اسس لحقبة انعدم فيها المساند الشيوعي والذي كان يمثل القوة المعادلة للقوة الامريكية. عرفت منطقة الشرق الاوسط الحوار مع اوروبا منذ حقبة بعيدة، ولكن فترة ما بعد حرب الخليج الثانية 1991 ومؤتمر مدريد 1992 بدأ تغييب وصف المنطقة العربية بالعربية واصبح كل ما يطرح من مشاريع يحمل عنوان مؤتمرات «شرق اوسطية» وهكذا فرض امر واقع غير مفهوم المنطقة العربية ممهدا لتجزئتها سياسيا على الاقل. وبقيت سمة الحوار بين شمال غني وجنوب فقير هي السمة السائدة ودار محورها حول دعم مالي اوروبي تجاوز عشرات المليارات، وجزأت الدول الغربية مسارات الحوار فخلقت مستويات اقليمية للحوار مثل الحوار الاوروبي ـ الخليجي، الحوار المتوسطي ـ الاوروبي، حوار الشمال الافريقي ـ الاوروبي، لترسيخ عملية التجزئة في المنطقة العربية الواحدة ونجد ان اوروبا طرحت نفسها كطرف واحد بينما طرح العرب كأطراف متعددة. كل مستويات الحوار مع العرب اهتمت بطرح قضية معينة هدفت اليها اللقاءات منذ انتهاء حرب الخليج الثانية وتركزت حول دمج الكيان الصهيوني الغريب عن المنطقة فيها، وهو لا يمكن اعتباره ـ وفق المحللين ـ هدف حوار ثنائي بل هو في الاصل هدف اسرائيلي ـ غربي محض، اعطته السياسة الغربية اولوية وتحت عناوين مختلفة. في ضوء ذلك يمكن تحديد نقاط الالتقاء والافتراق بين المنطقة العربية والغرب «اوروبا ـ وامريكا» وفق دراسات كثيرة نشرتها اسلام اون لاين لخصتها ب: ـ الخلل في جذور العداء بين حضارة اوروبية انانية احتكارية، وحضارة اسلامية انسانية تاريخيا، مفتقدة في الواقع الراهن، وهو خلل لا يمكن تجاوزه للالتقاء على ارضية مشتركة، مادامت اشكال الحوار الجارية قاصرة عن ذلك. ـ الخلل في تطور المنطقتين اقتصاديا وسياسيا وسيؤثر على استمرار الخلل في العلاقات الامنية وبذلك تبقى الصيغ المحتملة مفتوحة وقائمة على اساس تابع ومتبوع وليس على اساس مصالح مشتركة على قدم المساواة. رغم ان المصالح العربية ـ الغربية تلتقي في ان يسود السلام والاستقرار المنطقتين المتجاورتين، الا انها تفترق عند نقطة الكيفية التي يحرص الاوروبيون في اطارها على دمج الكيان الاسرائيلي في المنطقة بينما لاتصل المساعي العربية في هذا الاطار الى اقصى من القبول بالاكراه بهذا الاندماج تحت ضغوط تفوق عسكري مدعوم غربيا ويمثل خطرا امنيا كبيرا وهو ما يتناقض مع امكانية الاستقرار والسلام على المدى المتوسط والبعيد. ـ اذا كانت المصالح الغربية تلتقي مع المصلحة العربية فهي في الواقع تفتقر لقاعدة من التوازن ضرورية لهذا الالتقاء على ارض الواقع من حيث القدرات العسكرية او من حيث تجانس السياسات الامنية العربية. الخطوط العريضة نجد هنا ان الصراع الدائر في المنطقة العربية ينصب على قضايا حساسة منها: ـ الارض. ـ النفط. ـ الهوية. ـ والايديولوجيا. وفي اطار الارض والنفط فنحن نرى انه يجلب ضجيج الحرب والدمار واما صراع الايديولوجيا والهوية فهو مرتبط بالانسان العربي تحديدا. لقد كانت الدول تؤمن بسياسة الاستقلال الاقتصادية قبل مرحلة العولمة وتبعا لذلك انتهجت استراتيجية اعتمدت على حماية الداخل من الخارج بمعنى حماية الصناعة المحلية وبالتالي الاسواق المحلية من الخطر التجاري، ونموذج ذلك كانت اليابان التي اتبعت كثير من الدول منهجها. لكن الواقع أشر فشل الدول العربية في السير على هذا المنهج او حماية الذات لضعف الارادة السياسية واصطراعها على المكاسب، المناصب، ووقوعها في فخاخ التحريض السياسي بما يشبه الدس الشعوبي. وهكذا ارتبطت هذه الدول بصندوق النقد الدولي وبالاستثمارات الاجنبية ورهنت ثرواتها فاكتسحها غول التجارة مثلما اكتسح قيودها وصار الاعتماد على المنابع الخارجية اهم من الاعتماد على الداخل. كانت هذه تربة خصبة انبتت اندماجات اقتصادية اوجدت اندماجات اخرى بين الدول عند المحور الاقتصادي فباتت الاقتصادات العربية مرهونة بغيرها وذلك ما سمي بالعولمة. وبشكل سريع نمر على العولمة التي بدت آثارها بوضوح في المنطقة العربية، وهي عملية تاريخية شكلت وبلورت اوضاعنا الحالية وترتكز على ثلاثة عوامل اساسية وفق الدراسات: ـ العامل الاول يمثل التحرك العالمي لرأس المال وتداخل الاسواق مع بعضها البعض لتشكل في النهاية سوقاً عالمية واحدة. ـ العامل الثاني يمثل التقدم التكنولوجي في الاتصالات والنقل الامر الذي ادى الى تحول المسافات بين الدول الى شيء غير جدير بالذكر. ـ العامل الثالث ظهور المجتمع العالمي الذي يرتكز على التقاء المصالح والرغبات عبر الحدود، وتقوم المنظمات العالمية مثل الامم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بتدعيم ذلك المجتمع. باختصار فان العالمية او «العولمة» تعبر اساسا عن تفوق السوق على الدولة ورأس المال على الثقافة، والاقتصاد على السياسة. يقودنا ذلك الى اعادة فرز الخطوط العريضة للسياسة الامريكية والاوروبية على حد سواء ويرسم ذلك الفرز واقع النظام الدولي والواقع العربي في اطاره. اولا: ان السياسة الامريكية تعطي الاولوية لملف الخليج لا لملف التسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي، ونرى ان الادارة الامريكية حددت هدفين رئيسيين لسياستها الخارجية في المنطقة هما: دعم القوة العسكرية الامريكية، ودعم تحالفات امريكا الدولية. اهمية الخليج تأتي من فشل السياسة الامريكية خلال العقد الماضي في الحفاظ على التحالف الدولي الذي نشأ اثناء حرب الخليج، وهكذا بدا واضحا ان هذا التحالف احتل اجندات الادارة الامريكية منذ كلينتون وانتهاء ببوش. ـ تخلي الادارة الامريكية عن اتفاقات سابقة مرحلية «دورة كلينتون» ثم تخليها عن الاطار الذي تبناه كلينتون في عهد بوش الابن ولم تطرح بديلا وكل ما تم تقديمه توصيات حولت تسميات المقاومة الفلسطينية الى العنف الفلسطيني، والرئيس الفلسطيني من رجل السلام الى «الارهابي» وحولت الدولة الفلسطينية من احتمالات ضئيلة على ارض الواقع الى رماد. ـ ادلجة الصراع مع العرب، فتحول الصراع من محاولات للسيطرة على منابع البترول، الى محاربة الاسلام ونعته بـ «الارهاب» وقد اطلقت سمة الارهاب على كل ماهو عكس المصالح الامريكية وضمنته مفاهيم ديمقراطيتها داعية الى نبذ «المباديء القديمة» في محاولة لتذويب الهوية. لقد سبق لصاموئيل هنتنجتون ان اكد هذا الكلام فقال: «ان حروب المستقبل ستدار بين الحضارات والهويات ولن تدار بين الدول القومية، وستخوض الحضارات حربا ضروسا للدفاع عن هوياتها من الهيمنة العالمية». تلك هي فخاخ النظام العالمي واثاره على امتنا وهويتنا وثرواتنا وحتى وجودنا، انه اخطبوط متشعب الاذرع لا فكاك منه الا بالعودة الى الاصول فهو صراع بقاء ينبغي خوضه.