بيان الاربعاء: لعل ابرز ما ترسخ في السياسة الامريكية مطلع هذا القرن هو مبدأ الافتتان بالقوة الذي وسم السياسة الامريكية على مدى عقد من الزمان. ورغم ان هناك مشاكل حقيقية واجهت السياسة الامريكية منذ انتهاء الحرب الباردة الا ان الواقع يؤكد فرض الهيمنة الامريكية ، وعلى مستويات عديدة مما أشر حالة من الانصياع والانقياد السياسي للهيمنة الامريكية. الواقع يشير الى ان السياسة الامريكية انتقلت من مرحلة الحرب الباردة باعتقاد على قدرتها على فرض ما تراه من سياسات ومواقف على مختلف التكتلات والدول وقد جسدت هذه السياسة الاحساس بعدم قدرة اي منها على رفض ما تمليه واشنطن او حتى الاعتراض عليه. وقائع كثيرة غذت الاعتقادات والاحاسيس الامريكية هذه وشكلت المنطلق الذي قاد للنظام العالمي الذي نعيشه بكل تداعياته. فقد حاولت الولايات المتحدة استغلال تفوقها التكنولوجي والعسكري اولا على اوروبا حليفتها في حرب الخليج لكي تبقي الاوروبيين في الموقع الثاني ضمن حلف شمال الاطلسي وبالتالي فرض شبه وصاية على الدفاع الاوروبي. والواقع ان اوروبا بذلت مساعيها لمحاولة الاستقلال الامني عن الولايات المتحدة الامريكية، بمحاولة تطوير القوة الدفاعية الاوروبية داخل الحلف الاطلسي الذي فشلت اوروبا في ازاحة القيادة الامريكية عنه. وبالطبع هذه المساعي اقلقت امريكا التي رأت فيها خطرا على مصالحها وبتقديرات خبراء امريكا فإن اوروبا تهدف للتميز الاوروبي بسياسة امنية مستقلة عن واشنطن وهذا ما جعل الولايات المتحدة تكرس العجز الاوروبي للاستقلال عنها. ورغم ان اوروبا تمتلك مقومات الاستقلال السياسي والامني عن الولايات المتحدة فهي اقوى صناعيا واوسع جغرافيا مثلما تمتد رقعتها الجغرافية محيطة بأراض ذات مصالح استراتيجية فهي قريبة للشرق الاوسط وقريبة لافريقيا ولها امتداد جغرافي مع اسيا لكنها مع ذلك لم تستطع الاستقلال عن الهيمنة الامريكية. هناك مقولات كثيرة حول نتائج حقبة التسعينيات على مستوى السياسة الامنية العالمية وارتباطها بالامن الامريكي بشكل او بآخر فكيف ينظر الى هذه النتائج؟ آثار العقد التسعيني ترك انهيار الحرب الباردة آثارا جمة على السياسة الدولية وعلى امريكا نفسها، لعل اهمها: ـ ادركت القوة الامريكية العظمى مصالحها وامنها على نحو منعزل عن أمن واستقرار بقية مناطق العالم، ومن ثم فهي لا تقود العالم بل تسيره بارادة منفردة. ـ اخذت الابعاد الثقافية الحضارية وضعها بوضوح ـ الى جانب الابعاد الاقتصادية والسياسية ـ في الفجوة بين الشمال والجنوب. ـ ان قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان يتم استدعاؤها وتطبيقها في ما يختص بقضايا الشمال ومصالحه فقط، كما لو ان ما يسمى منظمومة القيم الغربية لا تجد مجالا للتطبيق في مكان اخر، رغم الادعاء بعالميتها والعمل على فرضها بشتى الطرق المرنة والصلبة. ويرى المحللون والدارسون ان في احداث 11 سبتمبر حصيلة للسياسة الامريكية المنحازة لمصالحها ومصالح حليفتها اسرائيل فما تحقق في الشرق الاوسط مما سمي باتفاق السلام لم يكن اكثر من حقنة مخدرة بانتظار فرض التسلط والهيمنة واعادة المنطقة لعصر الاستعمار مع اختلاف من هو هذا الاستعمار. ويدلل المحللون على ذلك بالاتي: ـ وضع الولايات المتحدة الامريكية في النظام الدولي، فالأمن الامريكي لا ينفصل عن أمن العالم ومصادر تهديده ليست خارجية فقط، ويشار هنا الى ان الاستراتيجية الامريكية وضعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية «الارهاب الدولي» على قائمة ما تراه من مصادر التهديد لاستقرار العالم وأمنه. ويمكن ملاحظة ذلك في الخطاب السياسي الامريكي في حقبة بوش الأب، كلينتون، وبوش الابن. لقد بلور هذا الوضع من جديد مفهوم الردع وهو المنطق الذي استخدمه الامريكيون لتمرير الدرع الدفاعية الصاروخية. ـ تكيف رد الفعل الامريكي السياسي مع الحدث، فمع حرب الخليج تم تجاوز خطوط حمراء كثيرة وتم الدفع باتجاه قيام حرب شرق اوسطية، وفي حرب البلقان، انضجت هذه الحرب على نار هادئة ثم انبرت لتطهير اثارها، وفي حرب الارهاب سوقت لمفهوم الارهاب على انه رد فعل غاضب وانتقام لكرامة مذبوحة، وفي الواقع فان الاستراتيجية الامريكية تعمل على ترويج هذه الحرب منذ ما بعد حرب الخليج ونرى في سعي كلينتون لانضاج التهديد الذي تواجهه امريكا بسبب الارهاب مثالا على ذلك وقد ذكر تقرير جورج تينيت مدير الاستخبارات الامريكية السابق للعام 2000 التهديد بفعل الارهاب والذي تنوع بين: المخدرات، ثورة المعلومات، الاسلحة الحديثة، المد الاسلامي، وغيرها كثير. ـ تكيف الخطاب السياسي الغربي مع الاهداف والخطاب السياسي الامريكي ونجد ذلك واضحا في انسياق الغرب الاوروبي وراء الارادة الامريكية ومن ذلك دعمها لحرب الخليج، ودعمها لحرب البلقان، والتدخل في سيراليون، والتدخل في تيمور الشرقية وان جاء التدخل الامريكي غير مباشر وعبر الذراع الاسترالية، واخيرا انقياد الغرب وراء امريكا للحرب في افغانستان، وفي دعم الارهاب الاسرائيلي والترويج على انه دفاع عن النفس، وفي هذا ربط بالعقل الامريكي المدافع عن الامن المزعوم. المصالح الأمريكية اوجدت سياسة حماية المصالح الامريكية خللا كبيرا في النظام العالمي تمثل في خلق علاقات دولية غير متكافئة بين شمال وجنوب وقبل الدخول في هذه العلاقات يشار الى ان المصالح الغربية نوعان رئيسيان: اولا: هي مصالح مرتبطة بثوابت حضارية او سياسية ذات بعد زمني طويل. ثانيا: مصالح آنية متقلبة بتقلب الظروف الزمانية والمكانية. رغم ان الحرب الباردة قسمت الدول الغربية انذاك نتيجة لدمار الحرب الى قسمين احدهما امريكا الشمالية في وضع شبيه بوضع الدول الصناعية بمجموعها، والاخر اليابان واوروبا الغربية في وضع شبيه بالدول النامية اليوم، الا انه كانت هناك ارضية لثوابت سياسية مشتركة اوجدتها الحرب الباردة، وانشأت شبكة من المصالح بين اطراف العالم الغربي المتعددة، اختلفت معالمها الكبرى جذريا عن السائد الان بين الشمال والجنوب. وكان جوهر المصالح الذاتية الامريكية وفق دراسات كثيرة هو مواجهة الشيوعية عالميا، وهو ما صنع العامل الحاسم في اتخاذ قرار الدعم المالي والاقتصادي الفعال والمقترن في نفس الوقت بما تحقق للامريكيين من هيمنة عسكرية وميزات مالية واقتصادية في اوروبا والشرق الاقصى والاوسط. اما وقد انتهت حقبة الحرب الباردة فنجد ان العدو البديل كان لابد ان يأخذ شكلا ايديولوجيا ايضا فتمثل بـ «الاسلام» والذي نمق الخطاب السياسي الامريكي صفعته فقال: «الاسلام السياسي». كنتيجة لذلك نجد ان خطاب الاعتراض الدولي خبا تدريجيا من صرخات محذرة وداعية للانفصال عن الخط السياسي الامريكي الى مجرد «نهنهات»، ومنها كان الصوت العربي. رصد الغربيون قبل غيرهم جملة اسئلة انبرت للظهور بفعل تنامي القوة المهيمنة الامريكية وانطلقت عشية الدمار الذي اصاب مانهاتن وواشنطن، اذ ما الذي اوصل الى تلك «الذروة النوعية الجديدة للارهاب» واذا ما انطلقت الالة العسكرية الامريكية فالى أين ستصل واي تصعيد نوعي سيشهد العالم؟ وتذكر الدراسات ان بذور العداء للسياسات الامريكية انتشرت في اوروبا انتشارا واسع النطاق خلال حقبة الحرب الباردة وعادت للتنامي بعد نهايتها وبفعل استشراء ظاهرة العولمة، وقد جسد ذلك مظاهرات الاحتجاج والتنديد الغربية في كل مكان ولعل اخرها كان ما شهده مؤتمر دوربان، وقد اتخذت هذه الاحتجاجات صورة مرئية رافقت الرؤساء الامريكيين اينما حلوا ولعل اشدها وضوحا ما واجه بوش في سائر محطات جولته الاوروبية. قضايا كثيرة اثارت العداء ضد السياسة الامريكية من اهمها: ـ الدرع الدفاعية الصاروخية. ـ المناخ العالمي. ـ قضية الالغام. ـ المحكمة الجنائية العالمية. ـ الاتجار بالاسلحة الصغيرة. ـ قضايا العنصرية. ـ الانتهاك الامريكي لحقوق الانسان. ـ الدعم المنحاز لاسرائيل وخرقها للشرعية الدولية وانتهاكها لحقوق الانسان ومخالفاتها للقانون الدولي. عدا عن مشاعر العداء الاقليمية في اوروبا وعلى سبيل المثال على الصعيد الثقافي في فرنسا، وفي روسيا بسبب التعامل المهين بالدولة، وفي المنطقة العربية بسبب الانحياز لاسرائيل ومثلها في الدول الاسلامية، وزاد ذلك الشعور بعد اصدار منظمة حقوق الانسان الدولية قرارها باعتبار الولايات المتحدة دولة منتهكة لقانون وحقوق الانسان الدولية. المخاوف من اتساع نطاق الهيمنة الامريكية عالميا انعكست على الحديث عن مستقبل حلف شمال الاطلسي وهو ما ربط بسياسة التسليح الامريكية بالدرجة الاولى واحتل سلم الاولويات في الشئون الأوروـ أمريكية. ردود الفعل لا يمكن ان توصف ردود الفعل سوى بالاعتراضية على المستوى العالمي، فقد اثارت السياسة الامريكي التي اكدت على تكريس الهيمنة الامريكية ردود افعال على مستويات مختلفة. لقد صنعت امريكا في عقد من الزمان من العدو القديم ـ روسيا ـ حليفا ثم اعادته الى خانة الاعداء بسبب التعاقدات حول اتفاقيات سالت. واثيرت ازمة سياسية مع روسيا عبرت في بعض تجلياتها عن استعادة اجواء الحرب الباردة مثلما حدث في موضوع التجسس الروسي على الولايات المتحدة وقد طردت امريكا عشرات الروس من ولاياتها الخطوة التي قوبلت بمستوى مماثل في روسيا. واثارت مع الصين ازمة سياسية عندما اتجه الخطاب الامريكي الى النظر للصين على انها لا يمكن ان تشكل حليفا استراتيجيا قاطعة بذلك خطوطا عمل على مدها الاسلاف من الرؤساء الامريكيين خمسة عقود كاملة، ثم تصاعدت الازمة باثارة قضية طائرة التجسس الامريكية على الصين والتي حملت كل دلالات الصلف والعنجهية الامريكية، ورغبة واشنطن في وضع نفسها وسياستها فوق منطق التعادل بين الدول. ومن بين المشاكل الحقيقية التي واجهتها الحكومة الامريكية بسبب سياستها كانت الازمة مع الاتحاد الاوروبي عندما تخلى بوش الابن عن «بروتوكول كيوتو» الخاص بمكافحة ارتفاع حرارة الارض، ورفض الدول الاوروبية القرار الامريكي لما له من اثار اقتصادية وبيئية وصناعية سلبية على العالم كله. لقد فرض نمط التعامل الامريكي مع القضايا والتكتلات الدولية ظلاله على المؤسسة الحاكمة فدفعها لتأسيس سياسات ومواقف اتسمت بالصلف والعنجهية والفوقية والعنصرية فحولت الضحية الى جلاد والجلاد الى ضحية ولعل اوضح مثال على ذلك ما توجه به عدد كبير من اعضاء الكونجرس الامريكي للحكومة الامريكية لتحميل السلطة الفلسطينية مسئولية ما يحدث من مجازر يرتكبها شارون في الارض المحتلة وطلب معاقبتها وسحب الاعتراف الامريكي بها، ويبدو ان الآلة العسكرية الامريكية انجزت من ضمن ما انجزته خلق فهم معكوس ومخطيء للقضايا الدولية داخل شعبها وايهامه باعداء هم في الاصل ضحايا لهذه الآلة قبل غيرها.