يبدو أن الأوضاع في المنطقة مرشحة لمزيد من التصعيد، فالكل يؤكد أن جغرافية الحرب سوف تتسع وتتعدى حدود فلسطين، وكان آخر من تحدث في هذا الشأن الرئيس حسني مبارك، في حديث صحفي نشر مؤخرا. وقد جاءت زيارة كولن باول التي كانت مجرد حلقة في سيناريو المهزلة الأمريكية ـ الإسرائيلية لتصب الزيت على النار، وتمنح إسرائيل ضوءا أخضر جديدا لتوسيع جغرافية الحرب لتشمل بلدانا أخرى في المنطقة. وعندما قام كولن باول بزيارة الى منطقة الحدود الفلسطينية ـ اللبنانية فقد بدا يتابع الأمر وكأنه جنرال عسكري يقف على الحدود، يصدر الأوامر ويعدل من خطط المواجهة. وخلال الزيارة التي قام بها كولن باول الى كل من لبنان وسوريا كانت الصورة تبدو أكثر وضوحا، فقد تحدث الوزير الأمريكي مع قادة البلدين بلسان إسرائيل، وبدا على حد وصف مجلة ال«نيوزويك» الأمريكية متقمصا منصب وزير خارجية شارون!! ولم تكن ال«نيوزويك» تبالغ في شئ فقد راح كولن باول يسلم إنذارا وقحا إلى الرئيس اللبناني دفع برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رفض اللقاء الذي كان محددا سلفا مع الوزير الأمريكي. لقد تضمن الإنذار الذي سلمه كولن باول عدة مطالب هي أقرب إلى صك الاستسلام الذي طلب من الحكومة اللبنانية أن تذعن له وأن توقع على بنوده دون أن يكون لها حتى مجرد حق النقاش. تضمن الإنذار الأمريكي ـ الصهيوني أربعة مطالب محددة هي: ـ ان تصدر الحكومة اللبنانية إدانة علنية وفورية لأعمال حزب الله ضد إسرئيل وأن تطالبه بوقف هذه العمليات فورا. ـ تقوم الحكومة اللبنانية بحل حزب الله وطرد قيادته من الأراضي اللبنانية وتسليم المطلوبين منهم للعدالة الدولية. ـ الولايات المتحدة على استعداد لأن تتعاون عسكريا مع الحكومة اللبنانية في تفكيك البنية التحتية لحزب الله والقضاء على عناصره. ـ إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بتلك المهمة في فترة زمنية محدودة، فإن إسرائيل ستضطر الى توسيع نطاق عملياتها ضد لبنان، كما أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة لتأييد الموقف الإسرائيلي تأييدا علنيا وكاملا. وكان طبيعيا ـ والحال كذلك ـ أن يرفض الرئيس اللبناني وحكومته الشروط الأمريكية ـ الإسرائيلية المجحفة، حيث أسمع الرئيس اميل لحود وزير الخارجية الأمريكية كلاما مختلفا ربما لم يسمعه في كافة العواصم التي زارها، مؤكدا شرعية المقاومة ومتهما واشنطن بدعم الإرهاب الإسرائيلي. وما سمعه كولن باول في لبنان سمعه أيضا خلال لقائه بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، فقد راح الرئيس بشار يتحدث بإسهاب عن سياسة ازدواجية المعايير التي تتبناها واشنطن، وأكد أن هذا النهج سيدفع المنطقة بأسرها الى حافة الانفجار. وهكذا عاد كولن باول إلى القدس بخفي حنين، فهو عجز عن فرض أي من شروطه على القيادتين اللبنانية والسورية وسمع كلاما اغضبه ودفعه إلى العودة سريعا إلى تل أبيب وعندما التقى باول برئيس الوزراء الصهيوني قبيل اجتماعه الأخير بالرئيس عرفات قال بلغة واضحة إن واشنطن ستقف إلى جانب إسرائيل بكل قوة في حربها ضد الإرهاب وانها لن تتردد في موقفها حتى لو امتدت هذه الحرب إلى دمشق نفسها.. فقط كل ما يريده هو إعلام واشنطن بموعد الحرب قبيل بدئها ولو بقليل!! كان طبيعيا والحال كذلك إذن أن يرفض شارون اي حديث عن الانسحابات أو وقف المذابح أو حتى تخفيف الحصار على الرئيس عرفات بل إن المعلومات أشارت إلى مكالمة ساخنة أعقبت مباحثات باول مع شارون ابدى فيها الرئيس بوش تقديره وشكره للمجهود الرائع الذي يبذله شارون في القضاء على البنية التحتية للإرهاب، وأكد أنه سيمارس ضغطا قويا على الحكومات العربية في مصر والأردن والسعودية لإجبارها على القيام بجهود واضحة في إطار حملته لمكافحة الإرهاب!! ولم يمهل الرئيس الأمريكي أحدا فسحة من الوقت فبعد قليل من مكالمته الهاتفية مع رئيس الوزراء الصهيوني، كان بوش يرسل تهديداته الى مصر والأردن والسعودية على الهواء من قاعدة عسكرية وبمفردات تقول من ليس معنا فهو ضدنا، والبلدان الثلاث ليس أمامها من خيار سوى أن تقف مع شارون في ذات الخندق لمكافحة الإرهاب. وهكذا أصبحت الصورة واضحة للعيان، فحالة الصمت العربي لم تعد كافية للتأكيد على مراعاة النظام العربي الرسمي للمشاعر الأمريكية، بل إن المطلوب هو موقف واضح يثبت براءة هذه البلدان من تهمة تأييد «الإرهاب» وعناصره في فلسطين وسوريا ولبنان!! صحيح أن الأنظمة الثلاثة رفضت أن تورط نفسها في المصيدة التي نصبها الرئيس بوش لحساب ارييل شارون ولكن السؤال إلى أي مدى يمكن للأنظمة المعنية أن تصمد وتقاوم الضغوط؟ والأهم من ذلك هل تعني رسالة بوش للبلدان الثلاثة بداية صدام حقيقي قد يأخذ طريقه للتصعيد خلال الأيام القليلة المقبلة؟! أعتقد أن المسرح لن يكون مقصورا فقط على سوريا ولبنان والعراق، بل ربما يمتد ولو بآليات مختلفة إلى كل من يرفض توجيه رصاصاته وأجهزة استخباراته لأبطال المقاومة من حماس والجهاد وحزب الله وكل فصائل النضال الوطني والقومي والإسلامي. ترى ماذا تنتظر الأمة، وهل يمكن أن تتحرك قبل فوات الأوان؟ أم أنها ستلتزم الصمت لتكرر سيناريو باكستان حتى إذا ما امتدت السكين إلى الرقاب لم يعد بالمقدور إبعادها؟!