حتى الآن كان المزاج عبر الطيف السياسي العريض في اسرائيل يتميز باصرار على التوحد في وجه اي تهديد داخلي او خارجي لوجودها وذلك على ارضية افتراض الحكومات الاسرائيلية، المتعاقبة ان سياسة الامن الوطني مؤيدة باجماع وطني عريض وكان الجيش الاسرائيلي الذي يرمز للوحدة الوطنية يعتبر تجسيداً لهذا الاجماع. لكن مع اتخاذ الحكومة الاسرائيلية الحالية اجراءات غير مسبوقة من بينها الاجتياح الشامل للمدن الفلسطينية لاخضاع الانتفاضة المستمرة منذ 18 شهراً ضد السلطة الاسرائيلية في الضفة الغربية وغزة والحيلولة دون انتشارها ابعد من ذلك الى اسرائيل، برزت مؤشرات دالة على ان ذلك الاجماع بدأ يتشظى ويتبدد. والآن يواجه رئيس الوزراء ارييل شارون استياء متنامياً من نهايتي الطيف السياسي في ائتلافه الحكومي الهش، وذلك بسبب فشله في ايجاد حل ناجع مرض للانتفاضة فاليمين يطالب باتخاذ اجراءات اكثر صرامة ضد الفلسطينيين على الرغم من قطع شارون للشوط كاملاً وفي التيار اليساري هناك احساس متنام بأن وعد شارون الانتخابي باشاعة «الامن والسلم» لا يمكن ان يتحقق الا من خلال الحوار وانهاء الاحتلال الاسرائيلي لمناطق الضفة والقطاع التي تسميها الحكومة الاسرائيلية بـ «الاراضي التابعة»، وخير مثال على هذا الاعتقاد العدد المتزايد من ضباط وجنود الاحتياط الاسرائيليين الذين يرفضون الخدمة في الاراضي الفلسطينية والمقصود بذلك الاراضي الفلسطينية المحتلة. في اواخر يناير الماضي صدمت الساحة السياسية في اسرائيل عندما اقدم 52 ضابطاً وجندياً احتياطياً في الجيش على نشر اعلان في الصحافة الاسرائيلية يقولون فيه: «لن نشترك بعد اليوم في حرب من اجل رفاه المستوطنات في الاراضي ولن نقاتل وراء الخط الاخضر من اجل الهيمنة وطرد وتجويع واذلال شعب بأكمله». ويورد الاعلان أمثلة عن جنود اسرائيليين في الاراضي يقومون باطلاق النار على الفلسطينيين واساءة معاملتهم، ويقول هؤلاء ايضاً ان الجيش الاسرائيلي يغطي على الكثير من الاشياء لا سيما فيما يتعلق بـ «الاعدامات غير القانونية» كما تسميها حركة الرفض الاسرائيلية «ييش جفول» (هناك حدود) التي تشكلت بعد حرب لبنان 1982-1984. يحاول الجيش الاسرائيلي ان يقلل من شأن المشكلة ومن الصعب احصاء اعداد الافراد الذين ينضمون الى هذا التيار المتنامي وفي حين يقول الناطق باسم الجيش اوليفير رافويتز بأن اولئك الذين يأخذون خيار «الرفض الانتقائي» او «الرافضين» كما درجت تسميتهم لا يشكلون سوى ظاهرة هامشية فإن الناطق باسم حركة «هناك حدود» بيريز كيدرون اخبر مجلة «جينز دفنس ويكلي» بأنه حتى الآن هناك اكثر من 400 مجند الزامي وجندي احتياط ابلغوا الحركة عن رفضهم للخدمة في الاراضي الفلسطينية. رئيس اركان الجيش الاسرائيلي شاؤول موفاز اشار الى ان هموم الرافضين ليست اخلاقية بل سياسية واذا كانت الحال كذلك فسيتم التعامل مع سلوكهم بوصفه «تحريضاً على العصيان»، لكن كيدرون يقول انه حتى الآن لم يتجاوز عدد الكوادر الذين تم سجنهم بسبب رفضهم الخدمة 50 شخصاً بمن فيهم عدد من الاغرار رفضوا الانضمام للجيش على اساس انهم «سلاميون» يرفضون حمل السلاح لأسباب أخلاقية أو دينية. ويعزو كيدرون عدم اتخاذ اجراءات تأديبية صارمة على نطاق واسع ضد هؤلاء الى سببين: اولاً ان الجيش الاسرائيلي بعدما حدث في حرب لبنان والانتفاضة الاولى حيث تعرقلت مساعيه بسبب امواج رفض مشابهة، حاول ابقاء قضية رفض الخدمة بعيداً عن اسماع المجتمع المدني وتبنى «سياسة اللامبالاة الزائفة» بحسب تعبير كيدرون الذي يقول انه تم حبس حوالي 168 شخصاً من كوادر الجيش لرفضهم الخدمة في لبنان، لكن عدد حالات الرفض كان اكثر من ذلك بكثير والاعداد المتزايدة حالت دون تمكن الجيش من محاكمتهم وجاءت الانتفاضة الاولى لتثير موجة رفض جديدة وقارب عدد الذين اودعوا السجن بسبب ذلك المئتين لكن الجيش تراجع مرة اخرى عن حبس العديد من الرافضين. وعلى الرغم من تأكيد رافوتيز على ان «الاعداد الضئيلة جداً من الرافضين ليس لها اي صلة او تأثير على نشر تشكيلات الجيش لكن هناك امثلة تشير الى خلاف ذلك فبحسب شهادة قائد الاركان في ذلك الحين اللواء موشيه ليفي، فقد كان من بين العوامل الرئيسية التي دفعت الجيش الاسرائيلي الى اختصار حملته العسكرية في لبنان عام 1984 «الخوف من ازدياد حالات رفض الخدمة من المئات الى الآلاف وعشرات الآلاف». يقول كيدرون «ان لواء كاملاً لم يستدع من الاحتياط لان قيادة الجيش تنبأت بأن نسبة الرفض ستكون عالية فيه». ثانيا: يقول كيدرون انه في حين ان رفض الاوامر يعتبر اساءة خطيرة في القانون العرفي، فإن احداً من الرافضين لم يتم احالته الى محكمة عرفية وذلك برأي كيدرون، بسبب ما حدث في محاكمة قضية كفر قاسم عام 1957، ففي حادثة كفر قاسم عام 1956 قام جنود اسرائيليون بقتل 49 مزارعاً عربياً اسرائيلياً بتهمة خرق حظر التجول الذين لم يكونوا يعلمون به والتمس الجنود البراءة على اساس انهم كانوا ينفذون الاوامر التي اعطيت لهم لكن القضاة رفضوا ذلك الدفاع، ويؤكد كيدرون على ان «الجيش لا يريد ان يرى جندياً متهماً في المحكمة يدافع عن نفسه على اساس ان الامر الذي رفضه كان غير قانوني لان الجيش سيضطر عندها ان يدافع عن سياسته في المحكمة». وقد اظهر استطلاعا رأي اجريا مؤخراً ان «الرافضين» يحظون بتأييد 15 الى 30 بالمئة من الجمهور الاسرائيلي، ويقول كيدرون ان هذه ظاهرة غير مسبوقة ويمكن اعتبارها نجاحاً كبيراً لحملة «يوجد حدود» نظراً للهجوم الضاري الذي تتعرض له كافة ادوات الحكومة والاتهامات التي توجه ضدها بصورة يومياً تقريباً من قبل الجنرالات السابقين والحاليين والتي تتراوح من «التواطؤ مع العدو» الى «الخيانة العظمى». وحظي «الرافضون» على تشجيع غامض من قطاعات غير متوقعة، ففي مقابلة مع القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي في شهر يناير الماضي قال اللواء المتقاعد عامي أيالون قائد سلاح البحرية السابق والذي شغل ايضاً منصب رئيس جهاز الاستخبارات العامة انه يعارض الرفض القاطع بالخدمة في «الاراضي» لكن لا ينبغي على كوادر الجيش الاسرائيلي اطاعة الاوامر اذا كانت غير قانونية على نحو صارخ. وقال ايالون: «عدد قليل جداً من الجنود يرفضون مثل هذه الاوامر، على سبيل المثال ان اطلاق النار على فتى غير مسلح امر غير شرعي ابداً ويقلقني كثيراً عدد الاطفال الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص جنودنا العام الماضي». مجلس السلم والامن وهو عبارة عن مجموعة من 1000 جنرال وكولونيل احتياط في الجيش يصفهم مسئولو الاستخبارات بـ «الحمائم البراجماتيين»، اطلقوا حملة تدعو للانسحاب من جانب واحد من كافة اراضي غزة وجزء كبير من اراضي الضفة الغربية وقال رئيس المجلس اللواء الاحتياطي داني روثتشايلد انه في غياب اي فرصة للمفاوضات في الوقت الراهن، «يجب الانسحاب للحفاظ على شخصية الدولة اليهودية». وقال روثتشايلد ان العامل الحاسم هو الحركة المتبرعمة من الجنود الذين يرفضون الخدمة في الاراضي الفلسطينية، حتى قبل اعلان يناير، واضاف في مقابلة مع مجلة «ويكلي ديفنس» الشهر الماضي: «ان استدعاء الجنود والضباط الاحتياطيين لمهام اشكالية سياسياً قد يضع هؤلاء في موقع ربما يضطرهم لرفض الخدمة لكن الرفض ليس الطريقة الصحيحة للتعامل مع الامور». من جانبه قال رئيس الوزراء ارييل شارون انه اذا رفض الجنود تنفيذ اوامر حكومة منتخبة «فستكون تلك بداية نهاية الديمقراطية» لكن مع تزايد حجم الخسائر البشرية في الاراضي الفلسطينية فإن ظاهرة «الرفض الانتقائي» قد تصبح عاملاً اكثر تأثيراً في كسر الاجماع الاسرائيلي على السياسات الامنية. عن «جينز دفنس ويكلي»