أمر طيب ان اسرائيل لم تقتل مروان البرغوثي، ولكن من العار انها اعتقلته. وفي أعقاب العشرات من عمليات الاغتيال برهن الجيش الاسرائيلي فجأة على انه عندما يريد اعتقال أحد بدلا من اغتياله فإنه يعرف كيف يقوم بذلك على نحو جيد للغاية. وليت اسرائيل تبنت المنهاج نفسه في تعاملها مع د. ثابت ثابت وهو من نشطاء فتح البارزين أو مع أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية وكذلك مع قائمة طويلة من الفلسطينيين الآخرين الذين جرى استهدافهم، ولو ان ذلك حدث لكانت ألسنة لهب الانتفاضة أقل ارتفاعا، ولما أهدرت دماء هادرة على هذا النحو من الجانبين. غير ان من الامور التي يؤسف لها ان اسرائيل لم تختر المسار الأكثر حكمة لقائد «التنظيم» بأن يظل تحت الأرض على نحو ما فعلت في حالة بعض رجال هيئات الأمن الفلسطينية الذين تقول اسرائيل انهم متورطون في هجمات ارهابية. وربما يكون اعتقال البرغوثي عملا عادلا، ولكنه ليس بالخطوة الحكيمة. والآن ها هو وفي طريقه الى ان يصبح نلسون مانديلا فلسطين. الآن وقد تم اعتقال البرغوثي، يتعين على اسرائيل ان تحاكمه أمام محكمة مدنية، على نحو ما يليق بزعيم سياسي يشتبه في اقترافه جرائم خطيرة، أما فيما يتعلق بالفارق بين المحاكم المدنية والمحاكم الاسرائيلية، فقد قيل بالفعل انه هو نفسه الفارق بين الاوركسترا الفيلارمونية والفرقة الموسيقية العسكرية، فالآلات هي نفسها ولكن النتائج مختلفة. وأمام البرغوثي فرصة أكبر لكي ينال محاكمة عادلة يستحقها شأن أي مشتبه في أمره، أمام محكمة مدنية في القدس وليس أمام محاكم عسكرية في بيت ايل. وينبغي ان تكون جلسات المحكمة مفتوحة أمام الرأي العام، بحيث يطلب من رجال جهاز أمن الدولة «الشين بيت» والادعاء الرسمي ان يقدموا ما لديهم من أدلة ضد الرجل في مواجهة العالم بأسره. وهل مازلنا يا ترى بحاجة الى ان نشير الى ان مروان البرغوثي لا ينبغي ان يتعرض للتعذيب على نحو ما حدث في آخر مرة جرى اعتقاله فيها؟ إن اذلاله لن يؤدي إلا الى زيادة لهيب الغضب في الشارع الفلسطيني والعربي. وليس أقل من ذلك أهمية ان نصغي الى المتهم، فالأمر لا يقتصر فحسب على ان جهاز «الشين بيت» يمكن ان يتعلم القليل منه، وإنما الاسرائيليون جميعا ينبغي ان يهتموا بأمره. انظروا الى البرغوثي ولسوف تفهمون القصة بأسرها. لقد كان الطريق الذي سلكه هو نفسه الطريق الذي دللنا عليه الفلسطينيين، الطريق الذي دفعناهم فيه دفعا الى اليأس وفي نهاية المطاف الى العنف. ربما يكون مروان البرغوثي مسئولا عن هجمات ارهابية ضارية، ولكن اسرائيل يحتمل ان تتوق الى قادة مثله، لأن من سيرثون مكانه سيكونون أسوأ منه بكثير. فهم ستمتليء نفوسهم بالكره والرغبة في الانتقام، ولن يكونوا شركاء في الوصول الى حل وسط على نحو ما هو ممكن في حالة البرغوثي. وقد حدثني ساخرا قبل أشهر قلائل عندما كان يتخوف من انه مدرج على قائمة اغتيالات اسرائيلية: «أتظنون انكم ستجدون غدا شخصا أكثر اعتدالا مني ليعد قهوة الصباح لرئيس الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز»؟! إن البرغوثي لم يبدأ بالقتل، فهو كسياسي انقلب الى ارهابي فيما يبدو لا يمكن ان يقال عنه انه لم يجرب السير في طريق المفاوضات، فقد كان من نشطاء السلام. وقلائل من الفلسطينيين كانوا مثله في الحماس للدعوة للسلام. وكان ينشط في اجراء الاتصالات مع الكثير من الاسرائيليين، وليس مع الاسرائيليين المنتمين الى اليسار فحسب، ولم يخف اعجابه يوماً ببعض العناصر في الحياة الاسرائيلية. وقد قال لي ذات مرة: انني استيقظ في الصباح واتطلع غرباً وليس شرقاً. وقد سار في تلك الأيام في المظاهرات المطالبة باقرار السلام وذراعاه متشابكتان مع ديدي زاكر وزافا جالون عضوي الكنيست عن حزب ميرتس. وقد تبدو هذه الصورة سيريالية الآن، تماما كالأيام التي اعتاد ان يمضي فيها مع اطفاله الى رحلات السفاري في حديقة رامات جان، وكان يزور اللجان المركزية للأحزاب الاسرائيلية واعضاء الكنيست ويصادق بعضا منهم في الوفود المشتركة في الخارج، ولم يفته حضور اجتماع واحد، وأعتقد طوال الوقت ان الحوار له جدواه وقد سألني في يوم الارض في 1997 بينما هو ينطلق بسيارته الصغيرة وسط الاطارات المشتعلة: متى تدركون اخيرا انه لا شيء يخيف الفلسطينيين كما تخيفهم المستوطنات؟ قبل اشهر قلائل وعندما عمد الى الاختفاء بالفعل كان لايزال يرى في نفسه فلسطينيا ينتمي الى معسكر السلام. يعد واحداً من آخر الفلسطينيين الذين يعرفون الاسرائيليين معرفة جيدة، بل ويعجب ببعض خصالهم وقد قال مؤخرا «انني احدث نفسي باننا كنا صابرين كأعظم ما يكون الصبر وقد كنت على استعداد للقاء سياسي ساس والليكون والجميع والحديث معهم ومحاولة اقناعهم ولكن الاسرائيليين لايريدون ان يفهموا» والآن تجده يقول: «انني اعلم كم تغيرت». الامر الاكثر اهمية من هذا كله والذي ينبغي تصديقه فيه انه اراد انهاء الاحتلال وليس قتل الاسرائيليين ولا القضاء على دولتهم ولكن الطريق طال وامتد الى ان أصبح ـ فيما يتعلق به ـ طريقا يمتد بلا نهاية وكما في العديد من القضايا الجنائية يتعين عليكم الاهتمام بدوافع الجريمة وقد كان دافع مروان البرغوثي مبررا على الصعيد السياسي حتى وان لم تكن افعاله مبررة. لقد اصبح الرجل السياسي قائدا لتنظيم عنيف اختار الارهاب منهاجاً له وفي البداية اقتصر نشاط تنظيمه على الاعمال التي يتم القيام بها في الاراضي المحتلة وفيما يبدو فانه صعد جهوده الى ان بعث في نهاية المطاف بالانتحاريين الى تل ابيب وتساءل: «لماذا ينبغي ان تشعروا بالامان في تل ابيب بينما لا نشعر في رام الله؟». وتعد صورة البرغوثي وهو في قيود الجنود الاسرائيليين كذلك صورة تبدو موغلة بعيدا في الزمن فالسجين السابق والرجل الذي جرى ترحيله والذي اصبح قائدا وشريكا شرعيا في الحوار عاد من جديد الى الوقوف وراء القضبان، والدبابات الاسرائيلية عادت الى قلب المدن القديمة، والجنود الاسرائيليون عادوا الى مخيمات اللاجئين ومعتقل كتزيون الصحراوي اعيد افتتاحه والبرغوثي جرى اعتقاله مجددا والطريق الطويل الذي سلكه الاسرائيليون والفلسطينيون معا يبدو انه قد اختفى كأنما لم يوجد قط، وعندما يتم الافراج مجددا عن البرغوثي من السجن سيكون اشد تطرفا وربما عندئذ لن يكون هناك من يجرى الحديث معه. لقد قال ضابط في الجيش الاسرائيلي بمزيد من الصلف عن اعتقال البرغوثي «هذه هي هديتنا لاسرائيل في عيد الاستقلال» غير انه ما من هدية يمكن ان تكون اكثر مدعاة للشعور بالاكتئاب. عن جدعون ليفي في «هآرتس»