تتكشف يومياً جوانب جديدة من حجم الكارثة التي نفذها جيش الاحتلال الصهيوني في مخيم جنين، وفي هذه المرة، جاءت الشهادة من حيث قام صحفي اسرائيلي، يدعى ناحوم برنييع بجولة ميدانية داخل المخيم كشف فيها ان «الموت أكل هنا حتى شبع ولم يعد لديه شهية لالتهام المزيد». وفيما يلي نص ما كتبه ونشر في صحيفة «يديعوت احرونوت»: مخيم اللاجئين جنين. يوم الاستقلال، الساعة الثالثة بعد الظهر، عبر جهاز اللاسلكي في سيارة الجيب التي يقودها قائد اللواء الخامس، سمع صوت أحد القادة الذي يلقب ب«المفك» وهو يعلن عن إلغاء إخلاء المخيم، دون توضيح الأسباب او تحديد أي جدول زمني. كان يمكن التخمين، فقط، بأن هناك من لوى ذراع أحد، في الجهات العليا، بين حفل الاستقبال في ديوان الرئاسة وبين مسابقة الشبيبة في معرفة التوراة وتوزيع جوائز إسرائيل، والمراسيم السنوية في حديقة وزارة الأمن، وأن هناك من سيلوي ذراع ذلك الذي لوى الذراع. إنهم يلوون أذرع بعضهم كثيراً، هناك في الجهات العليا، فيما تبحث عملية «السور الواقي» عن طريقها نحو خط النهاية. في تلك الساعة، دبت الحياة في مخيم جنين للاجئين، أو، على الأصح، ما تبقى من المخيم. إلى المنحدرات الغربية للمخيم، وصلت شاحنة تابعة لمنظمة الاغاثة الدولية (الاونروا)، محملة بالمواد الغذائية، إصطف حولها الأولاد والنساء، كل واحد يحمل كيس البلاستيك الخاص به. عند منحدر الطريق الترابي، الذي يسمى، حسب ما تشير إليه اللافتة، «شارع يافا»، وقفت مدرعة إسرائيلية يزينها علم الدولة. صوب قائدها رشاشه نحو الحزمة البشرية المقابلة له، لكن النساء لم تفزع منه، فهن تعرفن انه لن يطلق النار. لقد أكل الموت هنا حتى الشبع، وليست لديه شهية لتناول المزيد من الجثث. إلى الشرق، حيث كان يقع مركز المخيم، خرج الناس من بين الأنقاض وتجمعوا حول جرافة مدنية، صفراء اللون، كانت تحفر حفرة كبيرة في المكان الذي كان، إلى ما قبل المعركة، يغص بالبيوت، ولم يعد الآن، إلا ساحة كبيرة، تقوم عليها التلال الترابية، هنا وهناك، فظهرت كما لو كانت صورة لسطح القمر. تجول الناس طولا وعرضا، يتفحصون ما تبقى من حياتهم السابقة، فيما قامت طواقم التصوير الأجنبية بتخليد هذه اللحظات المأساوية. رفعت الجرافة بكفها الكبيرة، كومة من التراب والحجارة، في محاولة للعثور على جثث تحت الأنقاض. على طرف الساحة، مرت دورية لوحدة المظليين 101، التي كانت تقوم باستكمال آخر عمليات تمشيط البيوت. لقد فرض حظر التجول، رسميا، على المخيم، لكنه لم يتم تطبيق ذلك. فما هي الفائدة من تطبيق حظر التجول، وقد قارب الجيش على الخروج من المخيم، اليوم، او غداً. صمت الموت كان يخيم على المخيم، فيختلط بالرائحة النتنة، الهادرة، للجثث. لم تكن هناك جثث البشر فقط، وإنما جثث الحيوانات، أيضًا. في أحد الأزقة، كانت جثة حصان، فقد رأسه، تتعفن تحت أشعة الشمس، وقد غطتها الديدان. كما غطت الديدان جثث الفلسطينيين الخمسة، التي عثر عليها يوم الثلاثاء. مع كل الاحترام للأموات، لقد وقف الأحياء في مخيم جنين على حافة كارثة صحية. ساد الغموض الكبير هنا، حول العدد الحقيقي للقتلى. فلقد نشر الفلسطينيون معلومات تتحدث عن استشهاد 300 فلسطيني في المخيم، وسارعوا إلى إستصراخ العالم. أما في الجيش الاسرائيلي، فقد إنتشرت تقديرات تقول ان عدد القتلى وصل إلى 200 شخص. لكن الجيش لم يعثر إلا على 14 جثة. وحتى إذا أضفنا إليها جثث الأشخاص السبعة الذين دفنوا في ساحة المستشفى البلدي، وسبع جثث أخرى، تقول الشائعة ان السكان قاموا بدفنها، فلن نصل إلى أكثر من 29 جثة. وفيما يجاهد قادة الجيش من أجل إقناع العالم بعدم وقوع مذبحة في المخيم، يلح عليهم، في قرارة انفسهم هذا السؤال: كيف يمكن أن يكون العدو قد مني بهذا العدد القليل من القتلى، في معركة مريرة كهذه، قتل خلالها 23 من جنودنا، وأصيب 60، معركة استخدمت فيها المروحيات والدبابات والبلدوزرات الضخمة. هناك شيء غامض في هذه العملية الحسابية. في أحد الأزقة، جر تراكتور عربة تحمل جثة صغيرة مغطاة بشرشف. قد تكون أشلاء جثة، أو جثة طفل. وإلى جانبها كانت تسير سيارة إسعاف. مدير المستشفى البلدي، بردائه الأبيض، كان يقود القافلة. الطريق موحلة، نتيجة تفجير خطوط المياه. يتزحلق التراكتور ويحتك بهيكل سيارة الاسعاف. ويضطر الطبيب الآن إلى بذل طاقاته من اجل الفصل بين الصقور المتخاصمة. جرافات الجيش الاسرائيلي لم تصل إلى هذا الجانب من المخيم. فالبيوت ما زالت قائمة مكانها، لكنها مدمرة تماما. بين هذه البيوت تمتد خيوط بيضاء رفيعة، خيوط استعمل بعضها، على الأقل، لوصل العبوات. طفلان يتراكضان بين الأنقاض، يبحثان عما يمكن أن يجداه هنا. وعندما شاهدا جنود الجيش، سارعا إلى الاختباء في حضن عائلتهما، العائلة الوحيدة التي تواصل العيش في هذا الحي المهجور. الغرفة الخارجية لمنزل عائلة عياط، كانت محلا لبيع الأدوات المنزلية، ولم يتبق من ممتلكاته كلها إلا السلسلة والقفل وكرسي القش، وقطع إسفنج لتنظيف الادوات. ، كانت تتدلى من السقف كخيط ملون. لقد اختفى كل شيء، أو أخفي. الحائط الداخلي مغطى بلوحة تصور منظرا طبيعيا: مرج أخضر يجتازه واد أزرق، يطل عليهما جبل رمادي. تخرج من الغرفة الثالثة، غرفة النوم، ثلاث نساء ومسن. «لا نعرف أين الرجال»، يقول المسن مذعورا. «بقيت لوحدي هنا». لكن إحدى النساء توجه نظرها مباشرة إلى الجنود وتقول باطمئنان: «لقد ذهب الرجال. كان هنا 80 رجلا وذهبوا». في هذه الاثناء، تحضر إمرأة أخرى وجبة الغذاء على صينية: صحن حساء وإلى جانبه صحن بطاطا مهروسة، أو نوع آخر من الخضروات. يجلس الجميع على الأرض ويتناولوا الطعام. نسألهم: كيف سيمكنكم العيش هكذا. يرفع المسن ظهره شامخا للحظة، ويقول: «أنا لن أتحرك من هنا».
