وافق مجلس الأمن الدولي بالاجماع ليلة الجمعة ـ السبت على ارسال بعثة لجمع المعلومات وتقصي الحقائق بشأن أحداث مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وذلك بعد أن اذعنت الولايات المتحدة واسرائيل للضغوط الدولية ورحبت السلطة الفلسطينية بالقرار الذي اعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح بالرغم من حذف كلمة تحقيق منه في حين تعهدت اسرائيل بالتعاون مع الفريق الدولي الذي سيتولى تقصي الحقائق لكنها رفضت قطعاً الاتهامات الموجهة لها بارتكاب المجازر. وجاءت موافقة مجلس الأمن على القرار الذي جاء بمبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في ختام نقاش حول الشرق الأوسط زخر بالمفاجآت والتحولات. واعرب القرار 1405 الذي اعتمده مجلس الامن عن القلق الذي يثيره «الوضع الانساني المريع للمدنيين الفلسطينيين» وشدد على الضرورة الملحة للسماح الى المنظمات الانسانية والطبية بالوصول اليهم. واقترحت الولايات المتحدة نص القرار هذا الذي اعتمده بالاجماع اعضاء مجلس الامن ال15، في ختام مداولات طويلة في الكواليس على هامش النقاش حول الوضع في الشرق الاوسط الذي اقترحته المجموعة العربية واستمر قرابة 36 ساعة. وبعد التصويت خرج سفير الولايات المتحدة جون نيجروبونتي ليقول للصحافيين ان «من المهم معرفة الحقائق» وهو الذي كان يؤكد عصرا ان واشنطن تعارض ان تطلب الامم المتحدة تحقيقا حول احداث جنين في تناقض واضح مع تصريحات للرئيس الامريكي جورج بوش ادلى بها بالتزامن تقريبا. وشدد نيجروبونتي على ان هذا «الفريق المكلف تقصي الحقائق» ليس موفدا من مجلس الأمن الدولي بل انه مبادرة من كوفي عنان ايدها المجلس وحصلت على موافقة اسرائيل. واحال كل الاسئلة المتعلقة بتشكيلة هذا الفريق وتفويضه المحدد وموعد توجهه الى الشرق الاوسط الى الامين العام مشددا على ان الاهم هو «ان يتحدث مجلس الامن دائما بصوت واحد». واجرى عنان عصر أمس الأول محادثات مع وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز الموجود حاليا في واشنطن والذي اكد له انه «سيحسن استقبال اي شخص يرسله للبحث في ما حصل في جنين او اي مكان آخر». لكن قبيل ذلك كان ناطق باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون صرح ان تحقيقا مستقلا حول ما حصل في جنين «ليس ضروريا». من جهته رحب المراقب الفلسطيني ناصر القدوة بالقرار قائلاً: ان هذا التصويت مهم «لأننا نعتقد ان جريمة حرب خطيرة ارتكبت ومذبحة خطيرة ارتكبت ومن ثم فانه يتعين تحميل بعض الاشخاص المسئولية وربما محاكمتهم». فيما اعتبر صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين القرار بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح. وقال ميخائيل وهبي سفير سوريا وهي الدولة العربية الوحيدة العضو في مجلس الامن الدولي ان هذا القرار يعكس «ارادة المجتمع الدولي في محاسبة اسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها في المدن ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين». ولكن عارون جاكوب نائب سفير اسرائيل لدى الامم المتحدة قال ان مجلس الامن لا يقوم بتحرك «الا عندما يقتل فلسطينيون وليس عندما يكون الاسرائيليون هم الضحية». حسب زعمه وأضاف: «اود ان اشدد على ان القتلى الاسرائيليين مشكلة انسانية ايضا». واردف قائلا «ليس لدينا شيء نخفيه. لم تحدث مذبحة في جنين. كانت هناك معركة شرسة بين القوات الاسرائيلية والارهابيين الفلسطينيين». واضاف ان اسرائيل مستعدة للتعاون في اي محاولة سياسية وغير متحيزة في المخيم الذي «سمح له بأن يصبح مركزا للارهابيين الفلسطينيين». وقال ان اسرائيل ترفض الاتهامات بارتكابها مجازر خلال عملياتها العسكرية. وقد أصر مندوبو المجموعة العربية لدى المنظمة الدولية وبصفة خاصة السفير ناصر القدوة مندوب فلسطين على ادخال تعديلات طفيفة ولكنها مهمة لقبول مشروع القرار الامريكى، اذ عدلت الفقرة الاولى من الديباجة بإضافة وصف «الرهيبة» للحالة الانسانية للسكان الفلسطينيين. كما أضيف الى الفقرة الثانية التى يرحب فيها مجلس الأمن بمبادرة كوفى عنان الى استقاء معلومات دقيقة بشأن الاحداث الاخيرة فى مخيم جنين، عبارة «عن طريق فريق لتقصى الحقائق» التى تشير بوضوح الى ارسال فريق لتقصى الحقائق. وحذفت من مشروع القرار الامريكى الاصلى عبارة بالتعاون مع الحكومة الاسرائيلية والتى كانت الولايات المتحدة ترمى من ورائها الى أن تشارك اسرائيل فى عمل لجنة تقصى الحقائق. وكانت الولايات المتحدة قد هددت باستخدام حق النقض «الفيتو» لاجهاض مشروع قرار حاسم وحازم تبنته المجموعة العربية يطالب اسرائيل بسحب قواتها من جميع المدن الفلسطينية ورفع الحصار عن الرئيس ياسر عرفات فى مقره برام الله وعن الفلسطينيين المعتصمين فى كنيسة المهد فى بيت لحم. وافاد دبلوماسيون عرب مقربون من مشاورات مجلس الامن بأن المجموعة العربية لدى المنظمة الدولية وجدت نفسها مضطرة خلال الساعات الاخيرة لقبول مشروع قرار وسطى امريكى يمنح مجلس الامن الدولى الضوء الاخضر لايفاد فريق لتقصى الحقائق حول مذابح مخيم جنين. من جانب آخر ذكرت مصادر مقربة من الوفد الامريكى لدى الامم المتحدة لمراسل وكالة الانباء القطرية ان ادارة الرئيس بوش سارعت الى صياغة وطرح مشروع قرارها الوسطى على مجلس الامن فى اعقاب مشاورات هاتفية مفاجئة اجراها وزير الخارجية الاسرائيلى مع الامين العام للامم المتحدة نقل فيها موافقة اسرائيل واستعدادها لاستقبال فريق لتقصى الحقائق حول مذابح مخيم جنين. ويسود الاعتقاد بين المراقبين هنا بان الولايات المتحدة قررت تجنب استخدام سلاح الفيتو ضد مشروع القرار العربى انطلاقا من مخاوفها بأن مثل هذا التحرك العدوانى من شأنه ان يؤدى الى تصاعد حدة استياء الرأى العام العربى من مواقف الولايات المتحدة المناصرة لاسرائيل وتصاعد العمليات الاستشهادية الفلسطينية المناهضة لاسرائيل. وهذا هو رابع قرار يتم اتخاذه خلال شهر بشأن اعمال العنف المتصاعدة. ووافق مجلس الامن الدولي على ثلاثة قرارات في مارس واوائل ابريل تطالب بوقف فوري لاطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية من مدن الضفة الغربية «دون ابطاء»، واكد المجلس تلك القرارات في نص القرار الذي اصدره الليلة قبل الماضية. وفي كل مرة تعرض ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش نصا بديلا لتخفيف اللهجة في محاولة على ما يبدو لتجنب استخدام الفيتو ومن ثم اشعال التوترات في العالم العربي بشكل اكبر. الوكالات
