حينما رشح ارييل شارون نفسه لمنصب رئيس الوزراء في اسرائيل في فبراير من العام الماضي، حاول الجنرال الذي يعد احد الصقور الضارية في السياسة الاسرائيلية، ان يعيد رسم صورته باعتباره رجلاً للسلام. وفي ظل الانتفاضة الفلسطينية التي ساهم في تفجيرها بزيارته الاستفزازية للحرم الشريف سوق شارون نفسه بورقة السلام مع الأمن وفي السنة الاولى التي امضاها شارون في الحكم لم يحقق الأمن ولا السلام، وانما التصعيد المتواصل للعنف. وفي الأسابيع الماضية، كشف شارون عن وجهه الحقيقي مرة اخرى، باعتباره الرجل الذي لا يعرف غير القوة العسكرية وسيلة للحركة السياسية. لقد كان هذا الزعيم الاسرائيلي البالغ من العمر 74 عاماً في حالة مواجهة شرسة مع العرب معظم حياته وأبرز ملامح حياته السياسية هي ممارسة ابشع اشكال الممارسات الوحشية ضد المدنيين العرب والاصرار على تفضيل القوة على الدبلوماسية كوسيلة لحل المشكلات السياسية وهذه الملامح كشفت عن نفسها بأوضح صورة خلال غزو لبنان عام 1982 الذي كان شارون هو من دبره، حينما كان وزيراً للدفاع في حكومة مناحيم بيجن الليكودية. والحرب التي يشنها شارون حالياً ضد الضفة الغربية، والتي اسماها على نحو مخالف للواقع «عملية الدرع الدفاعية» هي في كثير من اوجهها تكرار لحربه في لبنان فهي موجهة ضد الفلسطينيين وتأخذ مرجعيتها من المزاعم ذاتها بأن الفلسطينيين ارهابيون، وتعتمد على الانكار ذاته لحقوق الوطنية الفلسطينية، وتستخدم الاستراتيجية عينها، المعتمدة على الوحشية والقوة العسكرية الكاسحة، وتظهر التجاهل الفاضح عينه للرأي العام الدولي والقانون الدولي والأمم المتحدة وأعراف السلوك المتحضرة بل ان الشخصيات الرئيسية في هذه الحرب هي نفسها اي ارييل شارون يهاجم ياسر عرفات. وغزو لبنان لم يكن حرباً دفاعية شنتها اسرائيل، بل حرب تضليل، لقد حصل شارون على موافقة الحكومة الاسرائيلية على تنفيذ عملية عسكرية محدودة ضد قوى منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان غير انه منذ البداية، كان يخطط لعملية أوسع نطاقاً بكثير تسعى وراء أهداف جيواستراتيجية اوسع كان الهدف الرئيسي لشارون تدمير منظمة التحرير الفلسطينية كمنظمة عسكرية وسياسية لكسر ظهر الوطنية الفلسطينية وبث اليأس والعجز في نفوس أهالي الضفة الغربية بحيث يمهد الطريق أمام ابتلاعها ضمن اسرائيل الكبرى والهدف الثاني كان اعطاء حلفاء اسرائيل من الموارنة في لبنان مزيداً من القوة، ثم اجبارهم بعد ذلك على توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل، فيما الهدف الثالث هو اخراج الجيش السوري من لبنان، لجعل اسرائيل هي القوة المهيمنة في شرق المتوسط. وبتوجيهات شيطانية من شارون تحولت العملية المزعومة دفاعاً عن النفس الى حصار ضار لبيروت، وبلغت ذروتها بمجزرة مرعبة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين وهي المذبحة التي أدت لابعاد شارون عن وزارة الدفاع. وفي سياق دعايته الفجة وان كانت شرسة، يحاول شارون الآن ان يصور ياسر عرفات على انه قائد ارهابي عمل على تنظيم العنف ضد اسرائيل وشجع سراً الهجمات الاستشهادية من جانب حماس والجهاد الاسلامي وكتائب شهداء الأقصى، وبداية، اقول ان عرفات لا يحجم عن اللجوء الى العنف حين يريده كما انه لم يبذل كل ما بوسعه لكبح اعمال المقاومة الاسلامية ومع ذلك فإن عرفات هو الزعيم الذي اقنع منظمته بالتخلي عن اسلوب الصراع المسلح وانتهاج الطريق السياسي لمواصلة الصراع حتى الاستقلال كما انه بتوقيعه اتفاقيات اوسلو عام 1993 واتباعها بمصافحات مترددة لاسحاق رابين، تعهد هو وهذا الاخير بحل الخلافات العالقة بين شعبيهما بالوسائل السلمية وحتى اغتيال رابين بعد ذلك بعامين، اثبت عرفات انه شريك فاعل في الطريق نحو السلام والتدهور اللاحق الذي اصاب عملية سلام اوسلو كان ناجماً عن التوسع الاستيطاني الاسرائيلي اكثر مما كان نتيجة لـ «الارهاب الفلسطيني» والمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية التي تواصل حكومة شارون بناءها هي جذر المشكلة. وشارون، الانتهازي دوماً، اسرع بركوب عربة «الحرب على الارهاب» الامريكية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر وتحت هذه الراية بدأ محاولته الخبيثة لتدمير البنية التحتية للدولة الفلسطينية المستقبلية وبرنامجه الحقيقي هو تحطيم ما تبقى من اتفاقيات اوسلو لسحق الفلسطينيين وتدمير اي امل لديهم بالاستقلال وانشاء الدولة وحتى يضيف الاهانة الى الجرح، يريد شارون ان يلقي بياسر عرفات الزعيم المنتخب ديمقراطياً ورمز الثورة الفلسطينية جانباً، وان يضع مكانه نظاماً عميلاً يكون بمثابة وكيل محلي لحكومته يقوم بمهمة وحيدة، هي حماية الأمن الاسرائيلي. ان ما يعجز شارون او يرفض ان يستوعبه هو ان الامن لا يمكن تحقيقه بالوسائل العسكرية المحضة وان الامل الوحيد للجانبين بالامن يكمن في العودة للمسار السياسي وهو الشيء الذي اصر رجل حلول العنف دوماً على تجنبه وبالتالي فإن حرب شارون الثانية، شأن حربه الاولى، محكوم عليها بالفشل. واذا كان لتاريخ هذا الصراع ان يعلمنا شيئاً، فهو ان العنف لا يولد الا مزيداً من العنف. ان الكثير ممن لا يؤيدون سياسات شارون الوحشية يتعاطفون، في المقابل، مع اسرائيل في الورطة التي تواجهها وهم يشيرون الى الهجمات التفجيرية الاستشهادية ضد المدنيين الاسرائيليين السابقة لاكتساح دبابات شارون قرى ومدن الضفة الغربية غير ان الاحتلال الاسرائيلي لغزة والضفة الغربية يعود الى عام 1967 وهو الأساس الذي برزت فيه حالة اليأس والحقد والاحباط التي يعيشها الفلسطينيون والتي لا تمثل الهجمات الاستشهادية الا التجسيد في اقسى صورة لها. ان هؤلاء يقولون ان حماس والجهاد ترفضان حق اسرائيل في الوجود لكن هؤلاء يمثلون الجوانب المتشددة .المعاملة الوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون من جانب حكومة شارون هي سياسة ترتد على اصحابها في المقام الاول لأنها تعمل على زعزعة موقع المعتدلين وتشد من قوة المتشددين. ان من اكثر اوجه الكارثة الراهنة اثارة للقلق التواطؤ الامريكي في هذه المذبحة الاسرائيلية وقد كان المرء يتوقع من ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش ان تواصل اتباع سياسة والده غير المنحازة تجاه الصراع بين العرب والاسرائيليين لكنه بدلاً من ذلك عاد لاحياء السياسة السافرة في انحيازها لاسرائيل، والتي تذكرنا بسنوات الرئيس رونالد ريجان. لقد حاصر شارون عرفات وحوّله الى اسير داخل مقر قيادته في رام الله، وحرمه حتى من الطعام والماء والدواء والاتصالات الهاتفية والتعهد الوحيد الذي تمكن الرئيس الامريكي من انتزاعه من رئيس الوزراء الاسرائيلي الأرعن هو التعهد بعدم قتل الزعيم الفلسطيني، لقد قضى الاسرائيليون على معظم قوة الشرطة والأمن الموجودة لدى عرفات، ولم يتركوا لديه سوى هاتف نقال والرئيس الفلسطيني لا يستطيع في مثل هذا الوضع ان يمتلك الوسائل لمنع الهجمات الاستشهادية، حتى لو كانت لديه الارادة لفعل ذلك.وفي تغير للسياسة الامريكية الاسبوع الماضي طلب الرئيس بوش من شارون ان يسحب قواته من القرى والمدن الفلسطينية لكن شارون اصر على ان هذه القوات ستبقى هناك الى الوقت الذي تراه ضرورياً لانهاء مهمتها، وهي اجتثاث البنية التحتية «للارهاب» ثم ارسلت واشنطن وزير خارجيتها كولن باول للمنطقة ليتوصل الى وقف لاطلاق النار واعادة اطراف الصراع الى المسار السياسي، لكن من غير المتوقع ان يتمكن باول من تحقيق شيء، ما لم يقرن كلماته بتهديد اسرائيل بقطع الدعم الاقتصادي والعسكري عنها، لقد تجاوزت حصيلة القتلى في «عملية الدرع الدفاعية» 200 فلسطيني و60 اسرائيلياً ترى كم سيتطلب الامر من الضحايا قبل ان يفهم الامريكيون ان شارون هو جزء من المشكلة وليس حلاً؟ بقلم: آفي شلايم، ترجمة: جلال الخليل عن «اوبزرفر»