الملف السياسي: التاريخ اليهودي في أمريكا اللاتينية مكتوب عبر المصادفة البحتة، أي أن تلك البلاد منذ اكتشافها قبل خمسة قرون لم تكن على خريطة التاريخ اليهودي لسبب بسيط انهم لم يكونوا يميلون إلى المغامرة عبر البحار كما كان يميل العرب، ولم يقدم لنا التاريخ اسما واحدا من اليهود كمغامر بحري كما قدم لنا ابن ماجد مثلا، ولا حتى التاريخ الأسطوري، حدثنا عن يهودي مغامر كما حدثنا عن العربي «علاء الدين»، ومع ذلك ما ان وضعوا أقدامهم هناك حتى عرفوا كيف يسيطرون على الأمور من خلال تقديم خدماتهم إلى الحكام الإسبان، سواء من خلال السلطة الدنيوية أو السلطة الدينية، تلك السلطة التي تمتعوا بها بفضل «تنصر» البعض منهم للسيطرة على الكنيسة الكاثوليكية من الداخل، لأن تلك الكنيسة كانت منذ عهد الملوك الكاثوليك السلطة الحقيقية التي تسيطر على مجريات الأمور السياسية في أوروبا والعالم الجديد بعد اكتشافه، ولا نستطيع أن ننسى أن مؤسس محاكم التفتيش وواضع قوانينها ومنفذ ارادتها البشعة التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا حتى من بين المسيحيين أنفسهم، كان «توركيماد» اليهودي المتنصر الذي قدم بعض اليهود على مذبح «دينه الكاثوليك» الجديد ليبرر قرارات مطاردة وتعذيب الموريسكيين التي انتهت بطرد من تبقى منهم إلى الشمال الأفريقي. بدأت علاقة اليهود بأمريكا اللاتينية بعد اكتشافها بقليل بطريقين مختلفين، الطريقة الأولى عبر الكنيسة كما ذكرنا من قبل، وذلك من خلال رجال الدين الكاثوليكي المتنصرين، والطريقة الثانية عبر المهاجرين الذين سلكوا الطريق الذي سلكه الموريسكيون الذين وجدوا في العالم الجديد خلاصهم من مطاردات محاكم التفتيش في إسبانيا. إن كان اليهود الأوائل الذين وصلوا إلى مختلف مناطق أمريكا اللاتينية تستروا تحت ستار الدين المسيحي، إلا أن معظم من لم ينخرطوا في الخدمة الكنسية وجدوا في السلطة السياسية غايتهم التي يسيطرون من خلالها على مجريات الأمور، فاعتنقوا سلطة المال لا من خلال التجارة التي زاحمهم فيها العرب الشوام تحديدا، بل من خلال ممارسة التجارة في المال نفسه، أي «الربا»، وهي عادة قديمة متأصلة فيهم، وتدخل كجزء ملتحم مع معتقداتهم ذاتها، لأن التجارة في المال أربح ماديا من التجارة في البضائع، فرأس المال يقتطع الجزء الأكبر من مكاسب التاجر في البضائع دون جهد حقيقي، ويضعهم أقرب إلى رجال السلطة من التاجر، وبذلك يكون نفوذه السياسي أعظم وأجل. أما في العصر الحديث فقد لعب التاريخ أيضا دورا مهما في دفع مزيد من اليهود إلى تولية وجوههم شطر العالم الجديد، وكان ذلك خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، خلال الحرب الأولى كانوا الأداة السياسية التي لعبت دورها في إعادة التوازن إلى الاقتصاد الأمريكي المنهار بعد أزمته المعروفة خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وذلك بالتحالف مع المافيا ذات الأصول الإيطالية التي كانت الشريك الأكبر لليهود في السيطرة على السياسة في الولايات المتحدة، وان تعارضت المصالح بينهما أحيانا ولكنه تعارض تكتيكي في الغالب، لأن اليهود والمافيا كانا دائما متحالفين فيما يختص بالأمور السياسية التي تصب في تحقيق أهدافهما. أما في أمريكا اللاتينية فقد دفعت الحرب العالمية الثانية والدعاية الصهيونية حول مذابح النازية ضد اليهود: من معسكرات الاعتقال والمحارق وأفران الغاز وغيرها إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى جنوب العالم الجديد، وبشكل خاص الأرجنتين، وبدرجة اقل إلى كل من التشيلي والبرازيل، ومن غرائب التاريخ والمصادفة والقدر أن الجزء الأكبر من الرؤوس المحركة الحقيقية للفكر النازي هاجرت إلى الأرجنتين أيضا بعد هزيمة هتلر على أيدي الحلفاء، ولا ننسى أن وصول اليهود إلى مراكز السلطة سواء في الحكم أو في الجيش أو البوليس أو الأعلام في الأرجنتين تحديدا سهلت كثيرا تنفيذ إسرائيل للعديد من عملياتها الدعائية ضد بقايا النازية في العالم، وبشكل خاص تلك العملية الكبيرة التي انتهت بخطف «ايخمان» من الأرجنتين وتقديمه «هدية إلى يهود إسرائيل في قفص حديدي لمحاكمته، واستغلال تلك المحاكمة لمزيد من الدعاية للجيش الإسرائيلي ذي الذراع الطويلة. منذ وصول اليهود إلى أمريكا اللاتينية كان هدفهم المراكز المؤثرة في «اتخاذ القرار»، فوجهوا جهودهم للسيطرة على الاقتصاد من خلال رؤوس الأموال، ثم الإعلام باعتباره الموجه للرأي العام والمؤثر في الطبقة السياسية، ثم في السياسة بشكل مباشر، حتى أننا لا نجد حكومة واحدة من حكومات أمريكا اللاتينية المعاصرة تخلوا من وزير يهودي وعادة ما يتولى اليهود وزارات الاقتصاد، كوزير الاقتصاد الحالي في الحكومة الأرجنتينية، أو وزارة الداخلية التي كان يحتلها اليهودي «قوراش» في حكومة الرئيس السابق كارلوس منعم السوري الأصل الذي لعب دورا كبيرا في التوجهات الموالية للسياسة الأمريكية والإسرائيلية التي تخدم اليهود على الرغم من أصول منعم العربية(!)؟ يوجد اليهود في كل مكان من أمريكا اللاتينية، وان كانت توجهاتهم تدفع بهم إلى المؤسسات الاقتصادية، إلا أن احتلالهم مواقع مهمة في الإعلام أمر معروف للجميع، من خلال العمل في تلك الأجهزة التي لا تخلو واحدة منها بطول وعرض أمريكا اللاتينية من محررين ومصورين وكتاب ومحللين، أو من خلال امتلاك وسائل إعلامية بشكل مباشر، تعمل أحيانا بطريقة تبدو معها وكأنها ضد النظام القائم كما حدث في البيرو التي كانت القناة التليفزيونية الخاصة الوحيدة المعارضة للرئيس السابق «ألبيرتو فوجيموري» يمتلكها يهودي يحتمي بجنسية ثلاثية: البيروانية والإسرائيلية والأمريكية، ولتلك القناة التليفزيونية علاقة وثيقة بالإمبراطورية الإعلامية لليهودي المعروف مردوخ. قد يستهين البعض منا بهذا الوجود الكثيف في مناطق بعيدة عن العالم العربي، ولا يجد في هذا الوجود الكثيف تأثيرا سلبيا على القضية الفلسطينية التي تعتبر قضية العرب المحورية، ولكن الواقع يثبت أن هذا الوجود اليهودي في مجال الإعلام والسياسة في دول أمريكا اللاتينية له هدف واحد يخدم في المقام الأول إسرائيل قبل أن يخدم أي قضية أخرى تخص اليهود المقيمين في تلك البلاد، لأن إسرائيل هي النموذج الحي لوضع الفكر الصهيوني الاستعماري على ارض الواقع، وأي نشاط أيا كان نوعه لليهود لا بد وان يصب في هذا الاتجاه. ربما كان ما حدث في الأرجنتين خلال عقد التسعينيات ما يثبت صحة ما نقوله هنا، عندما وقع انفجار بمكتب التجسس بداخل مبنى السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بوينيس ايريس عام 1992، بدأ الإعلام المحلي في البلاد مدعوما بالإعلام الصهيوني في كل مكان في توجيه الاتهامات لعدد من الدول التي تعلن عداءها لإسرائيل، فمرة كان المتهم في هذا الانفجار منظمة التحرير الفلسطينية أو غيرها من المنظمات الوطنية الفلسطينية، وتارة أخرى كانت توجه وسائل الإعلام الأرجنتينية بإيعاز من المسيطرين على وجودها إلى احدى الدول الاسلامية، على الرغم من أن جميع التحقيقات السرية والعلنية التي أجرتها السلطات الأرجنتينية وقتها كانت تشير أن تلك العملية المستحيلة على أي مجموعة معادية لإسرائيل عمل إسرائيلي داخلي، لسبب بسيط أن الانفجار وقع داخل مبنى السفارة نفسه، وهذا يعني أن المجموعة المنفذة له لا بد وان تملك جواسيس لها بين حراس السفارة اليهود، وما تسرب عن التحقيقات الأولية يثبت أن الانفجار وقع في مخزن تحت مبنى السفارة نفسها، وربما كانت المتفجرات موجودة هناك لاستخدامها في عمل ما في البلاد، وهو ما اعتبرته أوساط أرجنتينية عملا عدائيا ضد البلاد، لأن السفارة الإسرائيلية أدخلت تلك المتفجرات بشكل غير شرعي، وهو ما يتنافى مع الأعراف الدولية. ثم وقع انفجار آخر بعدها بعامين (1994) في داخل «الجمعية الإسرائيلية الأرجنتينية» في بوينس ايريس، وكان المبنى الذي تم تدميره بكامله يضم، إضافة إلى تلك الجمعية المرتبطة بالصهيونية وإسرائيل، عددا من المنظمات اليهودية المستقلة أيضا ذات الأنشطة الاجتماعية البعيدة عن السياسة، دمر الانفجار جانبا كبيرا من المبنى، على اثر هذا الحدث وجهت الجالية اليهودية أسلحتها بعد هذا الانفجار لاتهام الفلسطينيين بالقيام بهذه العملية، وان كانت التحقيقات اتهمت عناصر يهودية تابعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي حينها بنيامين نتياهو قامت بتدمير المركز اليهودي لإرهاب معارضي سياسته في الخارج، خاصة تلك الجماعات اليهودية المستقلة الرافضة لسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأيضا لاستخدام هذه العملية في مجال السياسة الداخلية بين اليهود أنفسهم المنقسمون حول سياسته. كان الإعلام دائما هو الوسيلة الفعالة التي يستخدمها اليهود لإرهاب أعدائهم، أو من يتصورون أنهم يقفون عقبة أمام تحقيق أهدافهم، أو أهداف أهم مشروعاتهم في إسرائيل، فقد حدث تحت ضغوط صهيونية محلية وأمريكية استخدمت الإعلام الصهيوني التابع لها قررت الحكومة الأرجنتينية الاحتفاظ بنتائج التحقيقات سرا، لأن إعلانها قد يؤدي إلى أزمة بين الأرجنتين وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لكن اليهود في الأرجنتين استغلوا هذا الموقف وظلوا يستخدمون هذا الانفجار ضد حكومة الرئيس كارلوس منعم كلما رأت في توجهاته السياسية ما يتناقض وأهداف إسرائيل، وكثيرا ما ظهرت احتجاجات من جانب يهود الأرجنتين ضد حكومة كارلوس منعم كلما ظهرت بوادر تقارب مع أنظمة عربية أو شرق أوسطية، هذه التوجهات كانت مكشوفة أمام المراقبين لأن الاتهامات كانت تغير هدفها من اتجاه إلى آخر بشكل عشوائي، منها اتهام إيران بأنها كانت وراء تدمير السفارة الإسرائيلية، وجاء هذا الاتهام ردا على تقارب أرجنتيني إيراني أسفر عن توقيع اتفاقيات تجارية بين البلدين كان يمكن أن يتطور إلى تعاون نووي، وهو ما كانت تخشاه إسرائيل. هذا التحرك اليهودي في الأرجنتين خلال هذين الحدثين اللذين نقدمهما نموذجا على النشاط الإعلامي الصهيوني دليل على أن التجمعات اليهودية أيا كانت توجهاتها وشعاراتها المعلنة، فهي تعمل من اجل تحقيق أهداف صهيونية، أو أنها تعتبر إحدى الوسائل التي تحقق الصهيونية من خلال وجودها الأهداف المعلنة لها، وإسرائيل تقف دائما خلف توجهاتها، والتجمعات اليهودية التي تبدي مجرد التحفظ على تدخل إسرائيل في شئونها تتعرض للابتزاز أو للترهيب، أو حتى ممارسة العنف ضدها على غرار ما حدث عند تدمير المركز اليهودي في بوينس ايريس. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا