الملف السياسي: مع ان الاعلام الايطالي صاحب دور متميز في لعب دور الكاشف عن الحقائق والفضائح السياسية والاخلاقية في هذا البلد الذي يعتبر الاكثر صخبا في جبهة الدول الصناعية الكبرى، وقدم عددا كبيرا من الضحايا الذين اغتالتهم عصابات المافيا والكومورا، وكذلك النزاعات التي شهدتها مناطق ساخنة عديدة في العالم «الصومال وافغانستان» كان اخرهم الصحفي الايطالي الذي سقط برصاص القناصة الصهاينة في مدينة رام الله الفلسطينية قبل شهرين. كما ان الاعلام الايطالي التقدمي يعتبر اول الجبهات التي ظلت منذ فترة التحرير من الفاشية 1947 وحتى الآن تدعو الى التحرر من آثام الماضي واثاره، مؤكدة على الدوام على المثل الحضارية كالديمقراطية وحقوق الانسان وحصانة الحريات العامة والخاصة وشيوع روح التعايش الانساني مع انهيار الحدود والفوارق بين شعوب القارة الأوروبية وتوجهها المشترك نحو الوحدة الطوعية الشاملة، وتبرز في هذا المجال صحف يومية مناضلة تدافع بحرارة وبدون مهادنة عن حقوق الانسان والشعوب، مثل صحيفة المانيفستو «البيان» وصحيفة الليبراسيون «الحرية» وصحيفة الاونيتا «الاتحاد» وصحف ومجلات عديدة اخرى. إن الاعلام الايطالي بشكل عام يقع في العديد من الاحيان بين مطرقة اللوبي الصهيوني الذي يتغلغل في ابراز المؤسسات الاعلامية والصحف اليومية، وسندان عقدة الذنب للعديد من الاجراءات التعسفية التي لحقت باليهود الايطاليين اثناء فترة الحكم الفاشي الذي كان يقوده بنيتو موسوليني، ليخرج في احيان كثيرة بتبني مواقف واطروحات ليست بعيدة جدا عن مواقف العديد من اعضاء الجالية اليهودية الايطالية التي لا تخفي بيمينها ويسارها عقدة الانتماء الاسرائيلي، والتي مازالت تمارس ضغوطها على الرأي العام والقوى والاحزاب السياسية بحكم سيطرتها غير المباشرة على اغلب وسائل الاعلام من صحافة واذاعة وتلفزيون، لبث الاكاذيب واعادة المسلسل الذي لا ينتهي والذي اصبح كابوسا يعاد يوما بعد اخر عن العذابات والاضطهادات التي لاقاها اليهود على يد هتلر وموسليني. لقد لعبت الكنيسة الكاثوليكية خلال السنوات الاخيرة دورا كبيرا في تقوية وتعزيز الدور الذي تقوم به الجالية اليهودية الايطالية التي ينظر اليها الرأي العام بالحذر المخلوط بعداء تاريخي قديم متأصل في نفوس اوساط الناس البسطاء، وذلك من خلال ما قامت به المحافل الكنسية خلال السنوات الاخيرة بعمليات خلط ما بين الديانة اليهودية والمسيحية تتوجب بطلب رأس الكنيسة البابا يوحنا بولس الثاني الصفح اكثر من مرة عما قامت به الكنيسة الكاثوليكية من اضطهادات ضد اليهود، وبتبرئة دم المسيح من قتلته الحقيقيين. الكنيسة نفسها لاذت بالصمت ازاء الحملة الملفقة التي لا تزال تشنها الصهيونية العالمية ضد البابا بولس الثاني عشر الذي يتهمونه بمجاراة معاداة السامية وتغاضيه عن جرائم النازية ضد اليهود ومذبحة الهولوكوست التي ارتكبت في عهده البابوي، ولا تزال الدوائر الصهيونية في كل مكان في العالم توجه اليه الاتهامات بمراسلات مع هتلر لتسهيل عمليات ابعاد اليهود الى معسكرات الاعتقال النازية. من جانب اخر ساهمت الكنيسة الكاثوليكية في تقوية مواقف اللوبي اليهودي المعادية لكل ما هو عربي واسلامي، بدعوات متفرقة من قبل بعض اقطابها الى وقف تدفق المهاجرين المسلمين وتشجيع المسيحيين من امريكا اللاتينية والفليبين وافريقيا على الهجرة الى ايطاليا، واطلاق تحذيرات من مجلس الاساقفة الايطالي عام 2000 مما اسماه الخطر الذي يواجه ايطاليا من الزيادة المطردة لعدد الزيجات بين الكاثوليك والمهاجرين المسلمين، لما في ذلك من مخاطر تهدد ليس ايطاليا ككيان وبنية اجتماعية وثقافية وحدها، بل عموم أوروبا التي يقيم فيها نحو 25 مليون مسلم يطالبون حسب زعماء القوى اليمينية والعنصرية المعادية وعلى رأسها زعيم الرابطة الشمالية العنصرية اومبيرتو بوسي الذي يشغل منصب وزير التعديلات الدستورية في حكومة التحالف اليميني الحاكم، باقامة النظام الاسلامي الاصولي في عموم أوروبا، والقضاء على الجاليات اليهودية التي تشكل احدى الشرائح الاساسية المتحضرة في وحدة النسيج المتكامل داخل المجتمعات الأوروبية. المؤسف هو ان السياسيين سواء في جبهة اليمين الحاكم «بيت الحرية» الذي يقوده الملياردير وملك الميديا سليفيو بيرلوسكوني المهووس بعجرفته وحب الظهور وتسلط الاضواء عليه، اوفي صفوف احزاب المعارضة «تجمع الزيتون» الذي يضم سبعة احزاب من يسار الوسط المعارض، يتملقون اللوبيات الصهيونية، وينساقون في هذه اللعبة المزدوجة والتي تهدر في الكثير من الاحيان المواقف الموضوعية لواحدة من اعرق الديمقراطيات في العالم. برلوسكوني نفسه صاحب فكرة خطة مارشال للتنمية في فلسطين، وعلى الرغم من اقتناعه المطلق بأهميتها لعملية السلام في الشرق الاوسط، مدركا بأنه ليس بامكان هذه الخطة ان تدخل حيز التنفيذ في ظل الاوضاع المأساوية التي تعيشها المنطقة، فانه من جانب آخر يخضع للضغوط التي تمارسها اسرائيل في عملية عدم اتخاذ أي اجراء يحول دون تدفق البضائع المنتجة في المستوطنات الاسرائيلية لتغزو اسواقنا المحلية، مع ان الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارات واضحة بعملية المنع، ويحاول اليمين وبصحبته الفاشية الجديدة ان يبعد كل ما من شأنه اتهامها بمعاداة السامية، وذلك بتقديم كل ما هو مطلوب وغير مطلوب لتحسين سمعتها، فمثلا جانفر انكو فينني نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب التحالف الوطني ما زال ومنذ خمس سنوات بدون حياء وكرامة يتوسل الحكومة الاسرائيلية بالسماح له لتحقيق زيارة للدولة العبرية التي وضعت الجالية اليهودية الفيتو عليه لاسباب تتعلق بماضيه الفاشي. المرونة التي تتظاهر بها الحكومة الحالية تجاه اسرائيل باتت معروفة هي الاخرى، فبرلوسكوني يدرك بأنه ليس بامكان ايطاليا منح قيادة الدبلوماسية الى شخصية تواجه اعتراضات من قبل دولة مهمة في صراع درامي كبير مثل صراع الشرق الاوسط، فهو يسعى للحصول على موافقة تل أبيب التي لا تزال ترفع الفيتو على تعيين فينني لمنصب وزير الخارجية الشاغر حتى هذه اللحظة بعد استقالة ريناتو روجيرو قبل أربعة اشهر. بعد احداث 11 سبتمبر الماضي وصل اللوبي الصهيوني الى مرحلة لم يعد معها مضطرا للنشر والعمل في الكواليس، اذ بات قادرا على الخروج الى مسارح العلانية وممارسة نفوذه وسلطته بكل صراحة ووضوح، وهو الامر الذي مكنه ايضا احتلال مواقع مفصلية في ماكينة الاعلام الايطالي التي مخافة وصمها بمعاداة السامية وعدم التوازن في اطلاق الاحكام، وابعاد تهمة انحيازها الى قضية الشعب الفلسطيني بشكل خاص وقضايا التحرر في العالم الثالث لجأت الى المبالغة في هذه الحيادية المقيتة التي تحاول من خلالها غلق العيون على ما يجري من مجازر وحشية، وذلك في اكثر من مناسبة لمسايرة وسائل الاعلام اليمينية والعنصرية التي تتهم كل اليسار بـ «الشيوعية» التي تساند فلسطين والعرب، وذلك في غض الطرف عن الجرائم البشعة التي يقوم بها النازيون الجدد في عملية ذبح الشعب الفلسطيني، بل ان عددا من مقدمي البرامج التلفزيونية المعروفين بتقدميتهم ورؤيتهم الموضوعية راحوا يوغلون في مساواة القاتل والضحية ووضعهما في ميزان واحد، كما ان العديد من الاقلام التي كانت تعرف بنزاهتها وموضوعيتها كشفت خلال الاونة الاخيرة عن مساعيها وترويجها لمجموعة من الافكار، مستغلة اجواء التوتر التي يعيشها الرأي العام الايطالي الذي عرف عنه تضامنه الحقيقي مع القضايا العربية، لانضمام اسرائيل للاتحاد الأوروبي، على اعتبار ان اسرائيل تربطها علاقة خاصة بأوروبا، فاليهود كانوا يعيشون في قلب القارة، وتم ابعادهم خارج حدودها، ثم ان المحرقة كما يدعى ادريانو سوفري احد عناصر اليسارية الراديكالية، هي صناعة أوروبية، وعليه فان مصير اسرائيل كان وسيظل من الناحية الوراثية والاخلاقية مسئولية أوروبية. ويتفق عدد من هؤلاء الكتاب على ان لأوروبا دورا يقتضي بأن تعيد لاسرائيل جغرافيتها المدنية كتعويض لحساب قديم لا يمكن تعويضه، ولتأكيد الروابط التي تربطها بدولة ديمقراطية في وسط دول تحكمها الديكتاتوريات العسكرية وانظمة الحكم الشخصية فانضمام اسرائيل للاتحاد الاوروبي حسب وجهة نظر بعض الكتاب الايطاليين، يعتبر استكمالا وتبريرا نهائيا لخطة توسيع الاتحاد على دول شرق أوروبا، بالاضافة الى ان دعوة الاتحاد الأوروبي لاسرائيل للانضمام قد تمحو الارهاصات العربية التي لم تهدأ مطلقا في طرد اليهود وستصبح ضمانة لها كجزء من أوروبا. لا شك ان المصلحة العليا العربية تكمن في وجود ايطاليا محايدة كما عهدناها على الدوام ذات مصلحة مشتركة تعمل جنبا الى جنب مع دول المجموعة الاوروبية الاخرى كمحام مستقل لتترافع في قضايانا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين، ولتلعب دورا محايدا وعادلا وصديق بعد ان حددت دول الاتحاد الأوروبي الاهداف واظهرت الارادة وان كانت غير حاسمة لتحقيقها لتملأ الفراغ امام وقوف الولايات المتحدة بكل جبروتها وتعنتها مدافعة عن الاطروحات الاسرائيلية.