الملف السياسي: للقضية اليهودية في روسيا تاريخ طويل جدا ومتباين للغاية ويمكن تقسيم هذا التاريخ الى ثلاث مراحل رئيسية، اولها عهد روسيا القيصرية حتى ثورة عام 1917م وتصادف المرحلة الثانية، قيام النظام الشيوعي ونشأة الاتحاد السوفييتي باعتباره تمثيلا حيا للنظرية الماركسية وتتمثل المرحلة الاخيرة في العهد الحديث الذي دخلته روسيا في بداية التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ففي ظل كل هذه المراحل الثلاث كان دور اليهود الاقتصادي والسياسي يتسم ببعض الصفات المشتركة وفي الوقت نفسه كان تأثيرهم على حياة المجتمع الروسي يتميز ببعض الخصوصيات مما يعود الى اختلاف الظروف التاريخية التي شهدتها روسيا عبر المراحل الثلاث المذكورة بحيث لم يلعب اليهود دورا اقتصاديا وسياسيا واحدا بل كان هذا الدور يتغير بتغير الانظمة السياسية وانماط حياة المجتمع الروسي عامة ومكانة اليهود في هذا المجتمع خاصة. يتوقف دور اليهود قبل كل شيء على تطابق وتوازن العاملين الاساسيين واولهما نشاط اليهود الاقتصادي والاجتماعي بصورة عامة وثانيهما دورهم السياسي اذ كان هذان العاملان يتعاونان فيما بينهما او يتواجهان مع بعضهما البعض. فعلى سبيل المثال تمتع اليهود في ظل السلطة القيصرية الروسية بالمواقف المتينة المؤثرة في حياة البلاد الاقتصادية كما كانوا يشغلون المواقع القيادية في بعض نواحي الحياة الاخرى ولكن السياسة لم تكن ضمن هذه النواحي حيث لم يشارك اليهود في الحياة السياسية الا في النطاق المحدود نسبيا فمارست السلطة القيصرية سياسة التمييز تجاه اليهود الامر الذي جعلهم موضوعيا يبحثون عن القنوات الاخرى لاستغلال كفاءتهم ومؤهلاتهم ومواهبهم مثل القطاع الخاص او العلوم او الفنون الجميلة والادبيات او ممارسة بعض المهن الحرة مثل المحاماة اضافة الى ممارسة الحرف والتجارة الصغيرة على الرغم من فرض القيود الاقتصادية والادارية على نشاط اليهود الاقتصادي وليس غريبا ان الكثير من اليهود كانوا ضمن قيادة الحزب البلشفي الذي اسقط النظام القيصري في شهر اكتوبر عام 1917م. ولكن الثورة البلشفية لم تغير اوضاع اليهود في روسيا تغييرا عميقا ولم تؤثر تأثيرا مباشرا على دورهم في حياة البلاد باستثناء البعد الواحد لهذا الدور وهو البعد الاقتصادي من حيث ادت سياسة السلطة السوفييتية على الصعيد الاقتصادي الى تأميم معظم وسائل الانتاج واحتكار الدولة للصناعات الثقيلة ادت الى احباط مواقف اليهود الاقتصادية والحد من نفوذهم الاقتصادي فضلا عن اخضاعهم للسلطة في كل كبيرة وصغيرة اما باب السياسة فقد ظل مغلقا امام اليهود في عهد الاتحاد السوفييتي فرغم تولي اليهود بعض المواقف القيادية في الحكومة او رئاسة الحزب الشيوعي الحاكم ظل اليهود محرومين من المشاركة الفعالة والمؤثرة في حياة روسيا السياسية وقد بلغ عدد اليهود في الاتحاد السوفييتي قبل منتصف الستينيات حوالي 3 او 4 ملايين ويمكن ان نحسب عدد الذين شغلوا مناصب سياسية عالية باصابع اليد ولتأكيد هذه الحقيقة يمكن ضرب مثال معهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية السوفييتية والذي تخرجت منه فلم يسمح النظام السوفييتي دخول اليهود كليات المعهد السياسية وهنالك مثال شخصي يتعلق بي في منتصف السبعينيات كنت اشتغل في اليمن الجنوبية وعند مراجعة اوراقي استفسر المسئول في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لدي: (آمل ان زوجتك ليست بيهودية)! من جانب اخر كان لليهود دور اخر في ظل الاتحاد السوفييتي حيث اثروا على سياستها الخارجية وعلاقاتها مع بعض القوى الاقليمية والدولية ويمكن الاشارة الى ان الاتحاد السوفييتي اقدم على قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل بعد حرب يونيو عام 1967م كما فرضت امريكا العقوبات الاقتصادية على الاتحاد السوفييتي بسبب منع هجرة اليهود السوفييتي وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن اليهود اثروا على سياسة الاتحاد السوفييتي الخارجية رغم دورهم الهامشي في الحياة السياسية الداخلية للبلاد ومع ذلك يجب الا ننسى دور اليهود النشط في الحركات السياسية المعادية للسلطة السوفييتية في مجال حماية حقوق الانسان الامر الذي كان يمهد الى تدهور النظام الشيوعي من داخله. هذا وقد جاء انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط النظام الشيوعي بالتغييرات العميقة النوعية لاوضاع اليهود في روسيا ودورهم في المجتمع الروسي الراهن وذلك عن طريق عوامل عدة في طليعتها الاصلاحات الاقتصادية الجذرية التي افضت الى الانتقال من الاقتصاد القائم على القطاع العام واحتكار الحكومة الى اقتصاد السوق الحرة ونتيجة لهذه التطورات شغل اليهود المواقف المحورية في بعض الصناعات والقطاعات الاقتصادية مثل صناعة الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط وبعض المعادن الثمينة ومما يكتسب اهمية خاصة في الحياة الاقتصادية لروسيا الحديثة ان اليهود قد تمكنوا من احتلال الاماكن التي تسمح لهم بالهيمنة على القرار الاقتصادي وبالتالي السياسي ويقصد بهذه الاماكن قبل كل شيء البنوك وغيرها من المؤسسات المالية فقد تجسد ازدياد دور اليهود الاقتصادي بوتائر سريعة في ضمهم للمؤسسات الحكومية ومما يلفت النظر ان اليهود ايضا لم يكتفوا بالمناصب الاقتصادية بل توصلوا الى المستويات الحكومية ذات الصلة المباشرة بصنع القرارات السياسية والمثال الصارخ لذلك هو: شغل بوريس بيريزوفسكي منصب نائب سكرتير مجلس الامن القومي لروسيا وذلك في عهد حكم يلتسين. وقد ترافق نمو دور اليهود الاقتصادي والسياسي في روسيا فيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مع استئناف العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل ولكن هذه الخطوة ـ على ما يبدو ـ لم يأت ذلك بفعل دور اللوبي الصهيوني في السلطة الروسية بل كانت تعكس تغيير دور روسيا في العالم وبالتالي ادخال التعديلات على سياستها الخارجية وعلى هذا الاساس من الواضح ان اليهود اكتسبوا في ظل حكم يلتسين اداة قوية للتأثير على سياسة روسيا الاقتصادية والى جانب ذلك نجحوا في الاستيلاء على اداة اخرى تمكنهم من التأثير على الرأي العام وتكمن هذه الاداة في وسائل الاعلام. وشأن روسيا في هذا الصدد شأن اية دولة ليبيرالية غربية حيث تحاول مراكز القوى الاقتصادية بسط نفوذها على وسائل الاعلام لتوجيه الرأي العام وبالتالي يجري الصراع حول وسائل الاعلام بين اقوى المؤسسات المالية والعديد من هذه المؤسسات في روسيا في ايدى اليهود! وفي الآونة الاخيرة اشتد هذا الصراع نظرا للتغييرات التي قد طرأت على دور اليهود الاقتصادي وتأثيرهم على سياسة روسيا وذلك بعد استقالة يلتسين وانتخاب بوتين رئيسا لروسيا في عام 2000م، وتكمن هذه التغييرات في ابعاد كبار رجال الاعمال واصحاب المليارات من المؤسسات الحكومية بحيث لايشاركون الآن مشاركة مباشرة في اتخاذ القرارات السياسية على مستوى السلطة الروسية الامر الذي لايعني بالضرورة تنازلهم عن النشاط السياسي اذ تتم هذه المشاركة الآن في صيغ واشكال جديدة مما يعد تحولا جديدا على صعيد دور اليهود السياسي في ظل حكم بوتين وهناك تكتلات تشمل الطغم المالية اليهودية او تمثل مصالحها ويمكن التمييز بين نوعين لهذه المؤسسات اولهما موال للسلطة وثانيهما معارض لها ومن امثلة النوع الاول جمعية رجال الاعمال والصناعات التي تضم في عضويتها عددا من اليهود اصحاب الاموال الهائلة اما مثال النوع الثاني فيتلخص في قيام الحزب الليبرالي برئاسة بوريس بيريزوفسكي باعتباره منظمة معارضة للسلطة. وخلاصة القول ان دور اليهود السياسي في روسيا اليوم يتميز بمرور مرحلة مفترق الطرق وتقاطعها ويتبلور الآن دورهم الجديد كما يتحدد مكانهم الخاص في حياة روسيا السياسية الامر الذي يواجه العاملين المتعارضين، فمن جهة تشهد روسيا الآن جهودا رامية نحو تأسيس الحركات السياسية المعادية لليهود والصهيونية، ومن جهة اخرى هناك توجه نحو قيام الجمعيات الهادفة الى تعبئة كافة المنظمات اليهودية والتنسيق بينها على مستوى روسيا بل رابطة الدول المستقلة! فيظهر المستقبل القريب نتائج صدام هذين التوجهين وسوف تتوقف هذه النتائج على توازن القوى والمصالح المالية لهما اذ يهتم كلاهما بتحقيق الازدهار المالي الذي يعتبر من الاولويات الرئيسية امام اهداف اليهود السياسية في روسيا الامر الذي يتمثل في الصراعات العنيفة بين الطغم المالية اليهودية وضعف التكاتف والتعاون بينها. ولكي نحكم تطلعات المنظمات السياسية والمالية اليهودية علينا الا ننسى القاعدة الفقهية الكلية المشهورة القائلة بان الامور بمقاصدها ومقاصد اليهود في روسيا الآن مالية غالبا! ولكن قيام المنظمات والاحزاب السياسية اليهودية في الآونة الاخيرة يدل على صحة القاعدة الفقهية الاخرى (دليل الشيء في الامور الباطنة يقوم مقامه) وعلى ضوء ذلك كل الاحتمالات الخاصة بدور اليهود اللاحق في سياسة روسيا واردة فعلينا ان نصبر ونتابع مجرى التطورات ولا نتوهم اذ تقول القاعدة الفقهية الكلية ان لا عبرة للتوهم! ـ كاتب ومحلل سياسي روسي