الملف السياسي: بداية لم يتنبه ساسة ودبلوماسيو العرب لخطورة ووضع هولندا الاستراتيجي على الساحة الصهيونية في العالم، هذا البلد الصغير الذي يبلغ تعداد سكانه 16 مليون نسمة، فإن كانت امريكا تعلن مساندتها علناً لاسرائيل، وتتغلغل في ولاياتها منظمات صهيونية، وان كانت بريطانيا تتبع المنهج الامريكي، وان كانت المانيا انضمت خلال العقد الاخير من القرن الماضي لاحتضان الصهيونية، فإن هولندا تكاد تتفوق على واشنطن ولندن، من حيث التوأمة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، ليس فقط لاسرائيل، بل تحتضن هولندا منظمات صهيونية لها جذور على اراضيها، فهي اكثر من صديق، واحن من الام على ولدها، على الرغم من انها تبعد حوالي 5 آلاف ميل عن اسرائيل، وقد يكون لساسة العرب والمراكز البحثية بعض العذر حيث ان اللغة الهولندية غير منتشرة في العالم، الامر الذي يجعل متابعة ما يدور على الساحة «الهوسرائيلية» امراً صعباً، وهو في كل الاحوال عذر اقبح من ذنب، وقد يكون لمن لا يعرف حقيقة وطبيعة العلاقة (الهوسرائيلية) امراً مثيراً للدهشة، حين ذكر ان المتحدث الرسمي باسم القوات العسكرية الاسرائيلية ـ التي ترتكب المذابح ضد الفلسطينيين ـ هو ضابط هولندي. على عكس امريكا وبريطانيا والمانيا، فإن الأخطبوط الصهيوني في هولندا ليس لوبياً لاسرائيل، حيث انه جزء حقيقي من المجتمع الهولندي، يتفاعل به ومنه وله حقوق يكفلها الدستور الهولندي، وذلك نظراً لانه يوجد بهولندا قرابة مليون نسمة من اليهود، انصار السياسة الاسرائيلية على الخط المستقيم، هذا اضافة الى ان المعارضة او «المعتدلين» منهم وهم اقلية، تأتي معارضتهم او اعتدالهم فقط في زمن الهدوء النسبي، اما في حالات اي نوع من الحروب بين العرب واسرائيل، فإنهم ـ يهود هولندا ـ دون ادنى مبالغة في صف اسرائيل، ولا يوضع في الحسبان ان اسرائيل تعتدي او تغتصب او تحتل، حيث ان لي الحقائق من طرف الاعلام الهولندي ـ الذي يسيطر عليه ويوجهه يهود هولندا ـ هو اسلوب لجعل الرأي العام دائماً في صالح اهداف اسرائيل. نموذج لبعض من المنظمات الصهيونية في هولندا: ـ مركز المعلومات والوثائق الاسرائيلية Contrum informatie on Documontatie Israel ومقره في العاصمة السياسية لهولندا «لاهاي»، ويعتبر واحدا من اخطر المنظمات الصهيونية في العالم، وبدون مبالغة يوجه هذا المركز السياسة الخارجية الهولندية، ومجرد ارساله خطابا لوزير خارجية هولندا في مناسبة ما اوقضية بعينها، تجد ان الخطاب الرسمي لهولندا وموقفها يأتي بالنص والحرف جزءا من الاملاءات الصهيونية التي يتبناها هذا المركز، وعلى سبيل المثال لا الحصر ارسل هذا المركز رسالة لوزير الخارجية الهولندي في بداية الشهر الجاري، أدان فيها الاعمال الاستشهادية الفلسطينية، واعتبرها اعمالا ارهابية، وبعد ذلك بعدة ايام جاءت نصوص حرفية من تصريحات الخارجية الهولندية مطابقة تماماً للطلبات الصهيونية الهولندية، ويصدر هذا المركز نشرة صحفية دورية، ويقيم الندوات والمحاضرات السياسية، ويعقد دورات دراسية عن السياسة الاسرائيلية، وله من النفوذ الخطير حيث يستطيع انجاح مرشح سياسي في الانتخابات، وتصعيده ليصبح رئيساً للحكومة، ويحدث هذا لأن هذا المركز له متغلغل داخل كبريات الاحزاب الهولندية، التي تفرز كبار الساسة واعضاء المجالس النيابية بداية من المحليات الصغيرة وانتهاء بمجلس النواب في هولندا. ـ اتحاد المنظمات اليهودية CJO ويضم تحت لوائه كافة الجمعيات والمؤسسات اليهودية والصهيونية في هولندا، وينظم لهم اجتماعات دورية، اضافة لمؤتمر سنوي يبحث شئون اليهود ويضع الخطوط العريضة لسياساتهم. الفيدرالية الصهيونية الهولندية Fedratic Nederlanse Zionsten التي هي جزء من المنظمة الصهيونية العالمية، وتقوم في هولندا على حماية المصالح العليا لاسرائيل. ـ حركة Agoedath هي منظمة يهودية ارثوذكسية متطرفة. ـ جمعية Ajalah-Israel تتبنى وترعى ما تسميه بمصالح «ضحايا» يهود هولندا اثناء الاحتلال الالماني، وتضع هذه الجمعية ـ باعتراف وثيقة تأسيسها ـ انها تعمل على الاستمرار في جلب الاموال من الحكومة الهولندية، وقد نجحت بالفعل خلال العقد الاخير في تحصيل مئات الملايين من الحكومة الهولندية كتعويضات، اضافة لاجبار حكومة هولندا على وضع نصوص قانونية في الدستور تضمن حقوق اليهود، وهي حقوق لا تنتهي. ـ منظمة Aliyah Departement وتعمل على تهجير اليهود من هولندا الى اسرائيل، وتسهيل اقامة الشباب القادم من اسرائيل لهولندا بغرض التعليم او العمل، وجمع التبرعات للمستوطنات اليهودية في الاراضي المحتلة الفلسطينية. ـ جمعية Amsterdam Synagogaal Koor نشاطها عزف وتعليم الموسيقى اليهودية واقامة الحفلات في مناسبات اسرائيلية، والمشاركة في الاحتفالات الهولندية بغرض التواجد، وكذلك تجمع التبرعات. ـ مؤسسة Ana Frank وتنبثق منها حوالي 5 فروع في كبريات المدن الهولندية، وتقوم هذه المؤسسة على طباعة الكتب للاطفال والكبار، واهم منشوراتها كتاب عن طفلة يهودية اسمها «انا فرانك» ماتت اثناء الحرب العالمية الثانية في هولندا، ولقد صنع منها يهود هولندا منذ نهاية الاربعينيات قصة وملحمة اسطورية، باستخدام حقيقة بسيطة واضافة الاكاذيب عليها، لاجترار عواطف الشعب الهولندي، واقاموا متحفاً دائماً يحمل اسم هذه الطفلة، التي تدرس قصتها ـ التي معظمها من التلفيق ـ الى تلاميذ الصفوف الابتدائية بمختلف مناهج المدارس الهولندية. ـ حركة ARZA NEDERLAND تدعم الحركات الليبرالية في العالم، وهي جزء من منظمة الليبرالية الصهيونية اليهودية العالمية، وتعمل عى انشاء صناديق تبرعات مالية لاسرائيل. ـ تحت اسم بيت BEHT توجد 6 جمعيات تحمل اسماء مشاهير وشخصيات كبرى في هولندا تقوم على رعاية المرضى والمسنين اليهود. ـ حركة AGOEDATH هي منظمة يهودية ارثوذكسية متطرفة، لا تخفي تطرفها من حيث النشاط، وحتى اسمها الرسمي يتضمن مفردات التطرف، وهو الامر المسموح فقط لأي جمعية يهودية. هذا في الوقت الذي تفتقر فيه هولندا لوجود منظمات عربية على قدر من المستوى والتنظيم، اضعف الايمان لتوضيح وجهة النظر العربية، والمواقف العادلة وكشف المزاعم والاكاذيب الاسرائيلية الظالمة. حضور العرب غائب في أوروبا على الرغم من التواجد المكثف للمنظمات الصهيونية في أوروبا كلها، وفي هولندا بصفة خاصة، وعلى الرغم ان عدد العرب في أوروبا الذي يقدر بـ 30 مليون نسمة، وهو يفوق عدد اليهود اكثر من 25 مرة، الا ان دورهم غير مؤثر فاعل، رغم قيام مظاهرات عربية كبيرة، شجبت ونددت بالمذابح الاسرائيلية للفلسطينيين، الا ان التحرك العربي مازال ضعيفا، ومطلوب تفعيله كي نستطيع مجاراة التأثير الصهيوني في العالم، فمنذ بداية الاجتياح الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، لم تقم ندوة عربية واحدة لكشف الاكاذيب الاسرائيلية، ولم تتحد المنظمات العربية في حتى ارسال خطاب لوزيرة خارجية هولندا، وللاسف الشديد ان معظم مظاهرات الاحتجاج نظمتها وقامت بقيادتها منظمات هولندية، وليست عربية. كيف يستطيع العرب مقارعة اللوبي اليهودي في أوروبا؟ نعم الفرصة الآن قد تكون سانحة.. ولكن لقيام لوبي عربي في أوروبا لابد من قيام صحوة عربية في اوروبا، ولن تتم عملية ايقاظ العرب من نومهم الا بوضع خطة مدروسة، لاقامة مؤسسات وجمعيات في مختلف الدول الاوروبية ذات أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتنتشر هذه المؤسسات بحيث يكون لكل واحدة نشاط محدود في خط لا تخرج عنه، وبالطبع تعدد الانشطة يكون نتيجته النهائية عملا متكاملا، فلو قامت في بلد مثل ألمانيا او هولندا مثلا، جمعية عربية تكون مهمتها فقط نشر قوائم وصور ومعلومات عن مذابح قانا، واخرى عن مذابح صبرا وشاتيلا، وثالثة عن مذبحة الحرم الابرهيمي، وجمعية يكون لها فروع في كل انحاء العالم باسم «محمد الدرة» تنشر قصة قتله، عمره، صوره، توزع شريط الفيديو تقيم متاحف في الدول الاوروبية باسمه، وبهذا يكون اللوبي العربي ببساطة وبدون مباريات وسباق لكلام ومفردات حماسية، ولكي يقوم هذا اللوبي لابد من ايجاد العناصر المحترفة للتنظيم والادارة، ونهاية الاموال اللازمة للانفاق على الانشطة.