الموقف الأمريكي المشين من الاجتياح الاسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية وما صاحب هذا الاجتياح من مذابح وحشية وحرب ابادة، لا يترك مجالا للشك في ان شارون لم يكن ليجرؤ على التخطيط لأعماله الوحشية لولا ضوء أخضر ساطع من واشنطن، بل لولا اتفاق مسبق على ان تطلق واشنطن يده ليستخدم الآلة العسكرية الاسرائيلية في سحق الانتفاضة وسحق السلطة الفلسطينية، أصيبت واشنطن بالعمى بضعة أيام، بدأ بعدها ذر الرماد في العيون، نصيحة لـ «الصديق» شارون بأن ينسحب مع ادانة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وتحميله المسئولية لأنه لم يقم بالدور الذي تطلبه اسرائيل منه، دور رجل الشرطة الساهر على حماية اسرائيل، ثم رجائه بأن ينسحب دون تأخير، ثم الآن وليس غدا، ثم ارسال باول ليصل بعد اسبوع بابتسامة عريضة ويتحدث عن عمليات لم تنته وانسحاب في حاجة الى جدول زمني يستغرق أسابيع. هذا الموقف الأمريكي المشين يعكس حقيقة تحجب كل ما عداها من حقائق، تلك هي ان السياسة الامريكية حول ما يحدث في الشرق الأوسط توضع في اسرائيل، وان العصابة الحاكمة في اسرائيل هي التي تصنع القرار الذي يوقع عليه الرئيس بوش في البيت الابيض، ما عدا ذلك ليس أكثر من تفاصيل مملة، وهكذا تحول ساكن البيت الابيض ـ أقوى رجل في العالم ـ الى كومبارس في تراجيديا مؤلفوها في تل أبيب، ويتولى اخراجها وعرضها «لوبي» اخطبوطي في واشنطن يمسك بكل الخيوط التي تحرك السياسة الامريكية، وتصفق لها آلة إعلامية جبارة تصف شارون بأنه رجل سلام، وضحايا الاحتلال القمعي هم القتلة، وعرفات السجين دون ماء أو غذاء ارهابي، وعلى العالم ان يصدق ويصفق وإلا فلائحة الاتهامات جاهزة، وأدوات التشهير حادة، من يجرؤ على التلكؤ في اعلان الاستحسان فهو معاد للسامية، أو منافق يؤيد حرب بوش ضد طالبان وينكر هذا التأييد على شارون، اللوبي الاسرائيلي في واشنطن يسفر عن أظافره الشرسة، أليست المعركة كما وصفها شارون معركة حياة أو موت؟ المعركة الحقيقية مع اللوبي الاسرائيلي في واشنطن، وهي معركة غاب العرب عن ساحتها عقودا طويلة، واعتقدوا واهمين ان «العدالة» و«الحق» و«الشرعية الدولية» أدوات يمكن في حد ذاتها ودون جهد كبير ان تنتصر على آلة جهنمية تحت يدها ما تشاء من أموال. واللوبي الاسرائيلي في ظاهره واحد من العديد من اللوبيات التي تحفل بها الساحة السياسية الامريكية، ومن الدراسات التي نشرت مؤخرا عن اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة دراسة للباحث الامريكي مايكل لند من مؤسسة امريكا الجديدة، وكان مساعدا لمدير مركز دراسات الشئون الخارجية في الخارجية الامريكية (عدد ابريل 2002 من مجلة «بروسبكت» البريطانية الشهرية). ويرى ان اللوبي الاسرائيلي يشوه السياسة الخارجية الامريكية، استمرار اسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بفضل المال والدعم الامريكي يثير استياء عربيا ويضر بالمصالح الامريكية في المنطقة العربية، سياسة الاحتواء المشترك لايران والعراق تسر خاطر اسرائيل إلا انها لا تتفق مع المصالح الامريكية وتغضب أصدقاء واشنطن وحلفاءها، كل هذا ليس له وزن في مخططات اللوبي الاسرائيلي، السياسة الامريكية لمنع الانتشار النووي تتحطم على صخرة المعايير المزدوجة التي تجعل واشنطن تتجاهل البرنامج النووي الاسرائيلي، بينما تدين برامج باكستان والهند، بل وتخطط لضرب العراق بدعوى تفريغها من أسلحة الدمار الشامل. ومن أهم أجهزة اللوبي الاسرائيلي «اللجنة الامريكية الاسرائيلية للشئون العامة والمعروفة باسم AIPAC، والدور الذي تمارسه هذه المنظمة جعل بعض المعلقين يصفونها بأنها معسكر تدريب لتجريح الشخصيات التي تحتل مواقع مهمة ومؤثرة في الحكومة الامريكية، ومن المنظمات الاخرى مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الامريكية، واللوبي الاسرائيلي لا يقتصر على اليهود الامريكيين بل استطاع تجنيد بعض المنتمين لليمين البروتستانتي للقيام بدور مهم في نشاط اللوبي وخدمة أهدافه. واللوبي الاسرائيلي يعتمد على ثلاث ركائز أساسية، تمويل الحملات الانتخابية وزرع اصدقاء اسرائيل في مواقع صنع القرار واستخدام السطوة الاعلامية، واللوبي الاسرائيلي بالطبع يستخدم أصوات الناخبين اليهود، لكن لا يعتمد كثيرا على تلك الاصوات، لأن عدد اليهود الامريكيين لا يمثل أكثر من أقلية بسيطة من الشعب الامريكي (حوالي 2%) كما يتركز معظم هؤلاء في المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس انجلوس وميامي، ولكنه يعتمد ـ خاصة في الدوائر التي لا يوجد بها عدد كبير من اليهود ـ على شيء آخر لا يتقيد بكثرة الاصوات اليهودية أو قلتها، يعتمد على تمويل الحملات الانتخابية، وينظم حملات التبرع لجمع الأموال الضخمة لتمويل حملات الناخبين، ويستخدم جمعيات قد لا تكون أكثر من واجهات لاغداق التبرعات على المرشحين، والمرشح الذي لا يثبت ولاءه لا يحرم من هذه التبرعات فحسب، بل تنتقل إلى خصمه، للتأكد من ابعاده عن الكونجرس، واللوبي يعتمد على القوة المادية الهائلة للجالية اليهودية والتي تدفع بغير حساب لمكافأة المخلصين وتقويض المركز الانتخابي لمن يمكن ان يشكل عقبة أمام التأييد الشامل الكامل لاسرائيل في الكونجرس، وعندما هدد الرئيس بوش الاب بأن يطلب تأجيل موافقة الكونجرس على المعونة الأمريكية لاسرائيل عدة أسابيع بهدف الضغط على شامير قال ان لاسرائيل ألف لوبي في الكونجرس وأنا لوبي واحد، وفي خطاب آل جور، نائب كلينتون والمرشح السابق للرئاسة، أمام اجتماع منظمة أيباك في مايو 2000 ذكر ذلك اللوبي الاسرائيلي بأنه وقف ضد سياسة بوش الخارجية، ووصف سعي بوش الى ان يربط المساعدات الامريكية لاسرائيل بموافقة الحكومة الاسرائيلية على السياسة الامريكية في الشرق الاوسط بأنه «ربط مهين». الركيزة الثانية التي يعتمد عليها اللوبي الاسرائيلي هي الضغط على الحكومة لتعيين أنصار اسرائيل، سواء من اليهود أو غيرهم، والكثيرون منهم تلقوا تدريبهم في تنظيم ايباك في المراكز الحساسة، والامثلة على ذلك كثيرة، في عام 1997 أصبح فرانز كاتز، وهو نائب مدير الشئون السياسية في ايباك المدير المالي للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، وقبل ذلك كان الرئيس السابق لايباك قد اصبح رئيسا للجنة القومية للحزب الديمقراطي، وأعلن حينذاك ان التزامه بدعم العلاقات الامريكية الاسرائيلية ولاء لا يتزعزع، والرئيس السابق كلينتون عين مارتن انديك، وهو من ابرز الشخصيات في معهد بحوث له روابط وثيقة مع ايباك، سفيرا للولايات المتحدة في اسرائيل، رغم انه لم يكن قد مضى عليه أكثر من سنوات قليلة منذ حصوله على الجنسية الامريكية، وعندما كان كلينتون يقوم بدور الوسيط في كامب ديفيد كان عدد كبير من اعضاء الفريق الامريكي في المحادثات الفلسطينية الاسرائيلية من المعروفين بروابطهم الوثيقة مع اللوبي الاسرائيلي. وموقف الرئيس بوش الابن يكشف عن مدى وقوعه تحت تأثير اللوبي الاسرائيلي، وتفقد الخارجية الامريكية تدريجيا ما لها من نفوذ على توجيه السياسة الامريكية لصالح وزارة الدفاع، والتي يسيطر عليها كادر من أنصار اسرائيل المتحالفين مع نائب وزير الدفاع بول ولفوفيتز، ومن الشخصيات المؤثرة على تفكير بوش ريتشارد بيرل، وهو من مستشاري بوش لشئون الدفاع، ومن انجازاته في خدمة اسرائيل ورقة عمل أعدها عام 1996 لرئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق بنيامين نتانياهو، بالاشتراك مع قطب آخر من أقطاب اللوبي الاسرائيلي هو دوجلاس فيث، وورقة العمل بعنوان clean Break: A New Strategy for Securing the Realm ويصف فيها طريقا للخلاص من التزامات اوسلو، وفيث يشغل الآن منصبا من اهم المناصب في البنتاجون وهو نائب وكيل الوزارة للسياسة الدفاعية، وسبق ان كتب في مجلة National Interest في خريف 1997 مقالا بعنوان «استراتيجية لاسرائيل» يدعو فيه اسرائيل الى اعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية مهما كلف هذا من دماء، وقد كرمته المنظمة الصهيونية في امريكا وامتدحت نشاطه في خدمة اسرائيل. وفيث واحد من الصهاينة اليمينيين الذين أصبحوا قوة كبيرة في صنع القرار في الحكومة الأمريكية الحالية. بعد التبرعات السياسية وتعيين الانصار في المراكز الحساسة يعتمد اللوبي الاسرائيلي على النفوذ الاعلامي، ولا يقتصر الامر على الناشرين ذوي الميول الصهيونية من امثال ذوكرمان ومارتن بيرتز، بل تنقل وسائل الاعلام الامريكية انباء الصراع العربي الاسرائيلي بعيدا عن سياقه التاريخي أو السياسي، معظم الامريكيين يسمعون عن العرض السخي الذي بذل فيه باراك ـ بوساطة كلينتون ـ تنازلات قاسية ووجه بالرفض من الرئيس عرفات، ولكنهم لا يعرفون ان هذا العرض السخي لم يكن أكثر من انشاء عدد من المناطق المنعزلة الصغيرة أو البانتوستانات تخترقها شبكة من الطرق الاسرائيلية ونقاط التفتيش العسكرية، وتصور الصحف الامريكية الفلسطينيين بأنهم المعتدون، لا تقول: ردا على الاحتلال والقمع الاسرائيلي فعل الفلسطينيون كذا وكذا، بل تعكس الآية قائلة ردا على العنف الفلسطيني ...، وربما يحاول الكثيرون من المراسلين ان يلتزموا جانب الموضوعية، ولكن المشكلة الحقيقية تأتي في التحليلات والتعليقات، هنا تكون السيادة للبروباجندا الاسرائيلية، والتي تصل الى حد تعليقات عنصرية حول الفلسطينيين والعرب، وبالطبع وجد اللوبي الاسرائيلي في احداث 11 سبتمبر فرصة سانحة لابتزاز مشاعر الاستياء الامريكي من تلك الاحداث. وبينما نجد في الصحف الاوروبية والبريطانية تعليقات تسلم بحق اسرائيل في البقاء والامن، وفي الوقت نفسه تدين الاحتلال والممارسات الاسرائيلية، لا نجد مثل هذه الاتجاهات المتوازنة في الولايات المتحدة. ويعتقد الباحث الامريكي انه لولا اللوبي الاسرائيلي لكان الكونجرس قد اتخذ قرارا بجعل المعونات لاسرائيل مشروطة بالانسحاب من الاراضي المحتلة، التأييد المطلق غير المشروط هو الذي أدى الى تشويه السياسة الامريكية الخارجية، واللوبي الاسرائيلي أقوى وأكثر نفوذا مما تقتضيه مصلحة أمريكا وحلفاؤها في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم، ولكنه ليس بتلك القوة المطلقة. وما يعنيه الباحث الامريكي اننا لا يجب أن نعدم الوسائل لمواجهة هذا الاخطبوط، ولكي نفضح ممارساته التي تتعارض مع المصالح الأمريكية الحقيقية وتشوه القيم الاخلاقية، الطريق لمواجهة هذا اللوبي الاسرائيلي ليس مسدودا ولكنه ليس باليسير. هل لدى العرب الارادة الكافية لخوض معركة في واشنطن يبذلون فيها المال، مثلما يبذل الفلسطينيون دماءهم في الأراضي المحتلة بغير حساب دفاعا عن مستقبل الأمة العربية وكرامتها. ـ كاتب مصري مقيم في لندن