الملف السياسي: يكتسب تواجد اليهود في المجتمعات الأوروبية أهمية خاصة في استراتيجية عمل الحركة الصهيونية. ولم تتراجع هذه الأهمية منذ اتخاذ مشكلة عدم اندماجهم في المجتمعات الأوروبية، قبل قرنين من الزمان ذريعة للاستيلاء على أرض فلسطين وطرد أهلها منها. وعلى الرغم من أن الحركة الصهيونية تروج لوجود اسرائيل باعتبارها الدولة التي ستجمع شتات اليهود حول العالم الا ان خططها لتهجير اليهود تكاد تقتصر على مناطق وجودهم خارج أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد في دول شرق أوروبا وفي القلب منها مناطق الاتحاد السوفييتي السابق. وليس من قبيل المبالغة في شيء القول بأن اليهود في غرب أوروبا وكذلك في أمريكا باتوا يجسدون امتدادا عملياتيا للكيان الصهيوني وربما فاقت أهميتهم في الشتات أهمية تواجدهم في قلب اسرائيل ذاتها، ولعل جنسيات أغلبهم المزدوجة خير دليل على صدق هذا القول. الحقيقة ان حوادث اضطهاد اليهود التي جرت في شرقي أوروبا ابان نظم الحكم الاستبدادية قد استغلت أيضا في تدعيم هجرة اليهود باتجاه غرب أوروبا، وعلى الرغم من تمتعهم بحقوق المواطنة في ظل الديموقراطيات الحديثة، الا ان ذكريات الماضي التاريخي، التي جددتها رواياتهم حول الهولوكوست في العهد النازي، مابرحت توظف لابتزاز مواقف الدول الأوروبية والرأي العام فيها لتدعيم الممارسات الاسرائيلية العدوانية ضد العرب. ولا شك في أن الأوضاع التقليدية لليهود قد ساعدتهم على اداء مثل هذه الأدوار المساندة للكيان الصهيوني، فهم أكثر ميلا عبر تاريخهم الطويل للاقامة في المدن، اذ لم يكونوا في يوم من الأيام من المزارعين المقيمين في القرى، لقلة اعدادهم في محيط يسوده التعصب والجهل خلال العصور الوسطى، ومع تعاظم دور المدن بعد انفجار الثورة الصناعية، ونمو حركة التجارة ابان الحقبة الكولونيالية ارتفعت أهمية قطاع التمويل والبنوك، حيث النفوذ التقليدي، للمضاربين اليهود ولبني جلدتهم الذين احتكروا طوال العصور الوسطى عمليات الاقراض بالربا الفوائد وقد أسس هؤلاء بالفعل النظام المصرفي الحديث في أوروبا وأمريكا. وكما جرى تمويل قطاعات الصناعة والتجارة بأموال مقترضة من البنوك وبيوت المال فقد تحكمت هذه الأموال أيضا في أنشطة صياغة الوعي المجتمعي وصناعة الرأي العام ولا فرق في ذلك بين الكتب المطبوعة أو الصور التي يتم بثها في أشرطة سينمائية أو عبر أجهزة الاعلام ووسائط الاتصال السرطانية النمو. وفي العقدين الأخيرين شهدت اوروبا الغربية والولايات المتحدة نموا انفجاريا في الأنشطة التي تكاد النخب اليهودية أن تتركز فيها. فمع تدشين سياسات الليبرالية الجديدة الداعية لتحرير رأس المال من افة القيود التي تحد من حركته في أرجاء المعمورة، نمت المعاملات المالية بصورة غير مسبوقة في التاريخ البشري فعلى مدار اليوم الواحد وعبر ومضات على شاشات الكمبيوتر تجري عمليات بمليارات الدولارات لنقل الأموال وتداول العملات والأسهم والسندات والاوراق المالية، انها دون مبالغة ثورة رأسمالية رأس المال لقد اتاحت هذه الحرية غير المسبوقة لأسواق المال الفرصة لتمدد البنوك وجهات الأقراض في مساحات تتجاوز الدول القومية، الأمر الذي جعل بامكانها تخريب اقتصاديات وتهديد مصائر أمم بأسرتها مثلما جرى قبل سنوات في شرقي اسيا. ولا جدال في أن هذه التحولات قد دعمت من سطوة القوى اليهودية لاسيما مع اتجاهها لتأليف جمعيات وهيئات يهودية ديموقراطية - انسانية®. الخ تمارس كافة أنواع الضغوط المالية والاعلامية على صناع القرار ورجال السياسة ومراكز الأبحاث. تنامي سطوة الاعلام والشيء نفسه يمكن أن يقال عن تنامي سطوة الاعلام الذي بات يتحكم بصورة متزايدة في نشر الصور وتداول المعلومات فهو بدوره احدى ثمرات القطاع المالي الذي يمثل فيه النفوذ اليهودي دور اللاعب الأكبر. ان هذه التحولات تعبر عن نفسها ببلاغة عندما تؤدي السياسات العدوانية للاسرائيليين الى اثارة انتقادات دولية حادة ضد الكيان الصهيوني، اذ سرعان ماتتكاتف أجهزة الاعلام وتحركات الجمعيات اليهودية لتوفير الدعم لتل أبيب، وخلال الشهرين الأخيرين لم تتخلف الجمعيات اليهودية في كل من فرنسا وانجلترا وهولندا والولايات المتحدة عن تسيير المظاهرات أمام سفارات وقنصليات اسرائيل دعما لها في مواجهة المظاهرات التي اندلعت في هذه الدول لتأييد الشعب الفلسطيني. والحقيقة أن الدعم الذي يقدمه يهود الغرب لآلة الحرب الاسرائيلية لا يستند فقط على النفوذ اليهودي التقليدي في أروقة سوق المال أو دهاليز الاعلام، ولكنه قبل ذلك وبعده ينطلق من بنية الفكر الأوروبي التي رفدت وعلى مهل بزخم الأفكار الصهيونية ليس فقط على صعيد المصطلحات المضللة ذات الطابع الابتزازي مثل معاداة السامية وتهمة انكار الهولوكوست بل وأيضا على مستوى التعليم بأحقية اليهود في أرض فلسطين وحتمية عودتهم الى جبل صهيون واعتبار ذلك جزءا أصيلا من العقيدة المسيحية وهو ماصار متعارف عليه باسم المسيحية الصهيونية أو على حد تعبير أحد الكتاب اعادة صياغة المسيح اليهودي. وفضلا عن هذا وذاك فإن الصهيونية تنظر الى وجود جاليات يهودية نشطة في أوروبا والولايات المتحدة باعتبارها مصدرا لا ينضب للمعلومات بمختلف أنواعها، وتنوع مستوياتها، ولا جدال في أن جانبا من التفوق الذي يحرزه الكيان الصهيوني على الأمة العربية يرجع الفضل فيه للمعلومات الدقيقة والمؤمنة التي يوفرها يهود الشتات للحركة الصهيونية وما اكتشاف قضايا تجسس شخصيات يهودية داخل الولايات المتحدة الأمريكية الا استثناء يؤكد القاعدة, علما بأن التزود بالمعلومات يشمل بصورة رئيسية الأسرار العسكرية والمعلومات الاستخباراتية بالاضافة الى الاسرار العلمية والصناعية. وليس ذلك فحسب، فهناك أيضا الكوادر البشرية التي يتم اعدادها في الغرب المتقدم ويجري التواصل معها باعتبارهما مواطنين يحملون الجنسية الاسرائيلية الى جانب جنسياتهم الأصلية، سواء قدموا للاستيطان بصفة دائمة، كما هو الحال في يهود الاتحاد السوفييتي السابق أو للعمل في المشروعات الاسرائيلية لبعض الوقت. مخزون بشري واجمالا فإن الوجود اليهودي في الشتات لا يعدو ان يكون استنساخا لذات الدور الذي لعبته القوى الأوروبية لدعم الوجود الصليبي على أرض فلسطين، فهي وان كانت تجسد الداعم المادي المباشر الصغير الا ان أدوارها الضاغطة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية توفر أقصى ما يمكن رصده من تدفقات المال والسلاح على الكيان الصهيوني ومابرحت قوى الشتات تمثل المخزون البشري الذي يمول تدفقات الهجرة اليهودية الى فلسطين، تماما كما كانت تفعل الامارات الاقطاعية الاوروبية خلال حقبة الحروب الصليبية واذا كانت الكنيسة الكاثوليكية قد لعبت في الماضي دور المحرض العقيدي فإن الدعاية الصهيوني التي تهيمن بصورة أو بأخرى على وسائط الاعلام قد ورثت هذا الدور وتقمصته عن جدارة. ولا شك ان وجود اليهود كمواطنين داخل المجتمعات الأوروبية قد منح لضغوطهم على صناع القرار والصور الاعلامية ميزات عملية يصعب على المهاجرين من أصول عربية أو اسلامية ادراكها قبل مرور عدة عقود، فهم، أي اليهود، يستخدمون المشتركات الثقافية ذاتها وينسجون دعاياتهم بالخيوط المرجعية نفسها التي تمثل القاسم المشترك الأعظم بين أدبيات العهدين القديم والجديد وليس بخاف على ذوي الفطن ان المنظمات اليهودية تستثمر حقيقة ان المصالح الاوروبية المباشرة وكذا الأمريكية، انما هي في تناميها رهن بقاء العرب والمسلمين عاجزين عن استثمار مواردهم بانفسهم أو حماية أسواقهم، ولا يعدم الأمر التلويح من حين لآخر بان انهيار اسرائيل سوف يخلق مشكلة يهودية جديدة في العالم الغربي المتقدم، وانه على هذا العالم ان يكفر عن ذنوبه السابقة ليس فقط بدفع التعويضات كما فعلت ألمانيا ولكن أيضا بالاستمرار في تصدير المشكلة اليهودية الى أرض فلسطين. وجود اليهود كمواطنين داخل المجتمعات الاوروبية منح لضغوطهم على صناع القرار والصور الاعلامية ميزات عملية يصعب على المهاجرين من اصول عربية او اسلامية ادراكها قبل مرور عدة عقود. كاتب سياسي.. جامعة القاهرة