الملف السياسي: من الصعب إحصاء عدد أذرع الاخطبوط الصهيوني التي تمتد لتغطي خريطة العالم، ودون اضفاء سمات أسطورية على ذلك الاخطبوط، يمكن ضرب أمثلة تدلل على فكرة تعدد أذرعه بدرجة ربما تفوق تصور البعض! فاذا كانت الدولة العبرية والمنظمة الصهيونية العالمية بمثابة عقل الاخطبوط، فإن يهود الشتات، أو ما يحلو للآلة الاعلامية الصهيونية وصفه بـ «الشعب اليهودي» يمثل ذراعا قوية للاخطبوط، في ظل إدعاء بأن جميع يهود العالم ينتمون الى كيان قانوني وسياسي واحد! ويرتب ذلك على كل يهودي التزامات قومية تجاه الدولة العبرية، في ظل ولاء مزدوج تحرص اسرائيل على ترسيخه، عبر تهويد وصهينة البرامج الثقافية ليهود العالم، وتعويض اندماجهم في مجتمعاتهم، وتحريكهم وفق مخططاتها، واعتبارهم موردا استراتيجيا لا ينضب للقوة البشرية في كيان يعتمد في نموه على الهجرة! تأتي جماعات الضغط (اللوبي) كذراع خطيرة أخرى تلعب دورا بارزا في السيطرة على عمليات صناعة القرار، ليس في الولايات المتحدة وحدها. وإن كان لوضعية اللوبي اليهودي هناك خصوصية شديدة في الاستقطاب والتأثير والنفوذ، فإن ثمة جماعات ضغط عديدة تنتشر في الدول الأوروبية، تؤثر في الكثير من القرارات التي تصدر عن الحكومات والبرلمانات لصالح دعم الدول العبرية، لاسيما ما يتعلق بقضايا التسليح والتأييد السياسي والتعاون الاقتصادي. و®®®. و®®®. وأذرع الأخطبوط عديدة، إلا أنه يمكن الاشارة - بايجاز - الى نماذج أخرى على النحو التالي: - التلويح بورقة معاداة السامية®. - السيطرة على صناعة الاعلام والسينما ومصادر التأثير في قطاعات الرأي العام®. - السيطرة على مراكز الاقتصاد وأسواق المال®. - تجارة المخدرات والرقيق®. - غسيل الأموال القذرة®. - العلاقة مع عصابات المافيا والجريمة المنظمة®. - لعب دور الطرف الثالث في الوساطات غير المشروعة®. - ممارسة الابتزاز الفضائحي للتخلص من المعارضة للنفوذ الصهيوني في كافة الأوساط الفاعلة. - التغلغل في صفوف النخب ومذهبة عقلها®. - الحرب النفسية واستخدام الدعاية السوداء والرمادية. - الاحتواء التنظيمي للكوادر السياسية والاعلامية النشطة®. - لعب دور «الوريث العام» لرعايا الدول الأخرى من اليهود.. - التجنيد لعضوية المحافل الماسونية®. - «البلطجة القانونية» بتخطي سلطة القضاء الاسرائيلي لاختصاصها الاقليمي.. - «اللعب على كل الحبال» في التعامل مع الاتجاهات السياسية على اختلاف طيفها (يساراً أو يميناً أو وسطاً).. والقائمة - دون شك - تتسع دائما للمزيد حتى الدبلوماسية إلا أن ما يستحق التوقف لتأمله، هو كيفية تحويل الصهيونية للعمل الدبلوماسي الى ذراع أخطبوطية على نحو مثير! منذ البداية تمتعت الدبلوماسية بموقع متميز في اطار الحركة الصهيونية، بهدف دعم تنفيذ برنامج العمل الخاص بالحركة، واستمر هذا الاداء مميزا للجهاز الدبلوماسي للدولة العبرية بعد قيامها، خاصة في مقاومة نتائج الوضع غير الطبيعي الذي وصم اسرائيل، وظلت آثاره ترافقها حتى بعد الحصول على الاعترافات الثنائية، والاعتراف الجماعي. الغريب أن العمل الدبلوماسي الذي مارسته الدولة العبرية منذ قامت، وحتى الآن، كان يتحايل لفرض سياسة الأمر الواقع، بدعوى أن الانجاز المادي المبني على استخدام الآلة الحربية أقوى من أي حجة سياسية! ثم يأتي دور الدبلوماسية لتبرير استخدام القوة، واقناع الآخرين بالمناورة والتضليل والالتفاف على الحقائق، سواء بالاختلاق، أو تزييف معنى الاتفاقات، وتبني تفسيرات لا علاقة لها بروح النصوص، وربما كانت فكرة «الحق التاريخي» الذي سوقته الدبلوماسية الصهيونية أبلغ مثال على ذلك. ولم يعتمد العمل الدبلوماسي - كذراع أخطبوطية للصهيونية - على الاقناع والقنوات الطبيعية بقدر ما يعتمد على الابتزاز والوساطات والضغط على الخصم بنقاط ضعفه ومشاكله، وصولا الى الرشوة، وتقديم الخدمات القذرة! أي تخويل الدبلوماسيين حق استخدام أي وسيلة لتحقيق الغاية أيا كانت درجة لا أخلاقيتها. في السياق ذاته، اتسم العمل الدبلوماسي الصهيوني باستخدام تكنيكات بعيدة عن الأصول الدبلوماسية، كالتنصل من مرجعيات معينة بزعم عدم التزام الطرف الآخر، بينما العكس هو الصحيح على مائدة التفاوض، ثم الادعاء اعلاميا بنقيض ما حدث في الغرف المغلقة، أو المطالبة بالالتزام بحرفية قرار ما، ثم التراجع عن ذلك اعتماداً على الاختلاف بين الترجمات أو التفسير على اساس النوايا لا النصوص، ثم الترويج الدعائي للرؤية الصهيونية باعتبارها الحقيقة! وسط وابل من النشاط الدعائي والاعلامي الذي يغطي - ببراعة - التراجع الصهيوني، ويحمل الطرف العربي المسئولية كاملة. وتلجأ الدولة العبرية الى آليات تؤكد استخدامها للدبلوماسية كذراع اخطبوطية - تعبير ما جرت عليه الأعراف - مثل الاتصال بالقوى المعارضة لاحراج الحكومة، أو اثارة النزعات العرقية والدينية، واثارة الوقيعة بين الدول.. الخ، وذلك بهدف الضغط على الدول لتغيير مواقفها أو اكراهها على تقديم تنازلات معينة. والى حد بعيد فقد حققت الدولة العبرية نجاحات من خلال الأساليب الدبلوماسية غير الأخلاقية في العديد من بقاع العالم. وكان لاستخدامها ورقة المعونة الفنية والتعاون الاقتصادي دورا مؤثرا في دعم علاقاتها بالدول النامية. فاستطاعت التغلغل في كل من آسيا وأفريقيا، كما كان لاستخدامها ورقة تجارة السلاح، ولعب دور السمسار في مقايضة السلاح بالمخدرات، وعمليات غسيل الأموال أثره في دعم علاقاتها مع دول أمريكا اللاتينية. وبهذا فإن العمل الدبلوماسي الصهيوني - وبمفهوم غير تقليدي - استطاع أن يتحول الى ذراع أخطبوطية تطوق العالم، إذ أنه الى جانب العلاقات المتميزة التي تربط الدولة العبرية بالولايات المتحدة وأوروبا، استطاعت اختراق العالم الثالث، وتطويق التحرك العربي المضاد، ثم اختراق الكثير من الدول العربية ذاتها. لحظة مواتية إن الصورة على هذا النحو مفزعة، إلا أن الاجتياح النازي الذي قاده شارون ووحشيته في الابادة والقتل والتدمير والحصار يمكن أن يمثل لحظة مواتية لقطع بعض أذرع الاخطبوط الصهيوني في العالم، بل وفي المعاقل التقليدية التي كان لجماعات الضغط اليهودية قدرة على التأثير. واذا استثمرت الدبلوماسية العربية، والاعلام العربي اللحظة فإن ثمة نتائج ايجابية يمكن أن تسفر عنها خطة للتحرك الدبلوماسي ـ الاعلامي لاسيما أن الأرض ممهدة ليس فقط على صعيد الرأي العام، ولكن - أيضا - داخل العديد من الدوائر الرسمية. فأمام الهجمة الشرسة لعصابة السفاح شارون على الأراضي الفلسطينية، اندلعت المظاهرات - التي اتخذ بعضها شكل السلاسل البشرية - في العواصم الغربية الرئيسية، وفي العديد من دول العالم النامي على السواء. وتحت ضغط المظاهرات التي خرجت في لندن، وشارك فيها عدد من البرلمانيين البريطانيين، منددين بالتحيز السافر من جانب الحكومتين الأمريكية والبريطانية، اضطر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الى الاعلان عن تجميد بيع كافة المعدات العسكرية لاسرائيل. ودعا البرلمان الأوروبي لفرض عقوبات اقتصادية على الدولة العبرية، ووقف الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، ولاشك أن الأغلبية التي حصل عليها القرار كانت تعكس النبض الأوروبي الذي ظهر جليا في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول في صحوة معاداة السامية والكراهية المتجددة لليهود. مفاجأة أفريقيا غير أن التحرك الدبلوماسي والاعلامي العربي المطلوب سوف يواجه ببعض العقبات، وربما في بعض المواقع التي يمثل موقفها مفاجأة مثيرة، إذ بينما تشهد العواصم الغربية ردود فعل شعبية ايجابية، تصدر منظمة الوحدة الافريقية بيانا يدين العمليات الاستشهادية الفلسطينية، وإن طالب اسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي اعادت احتلالها. لعل تلك المفاجأة تعني أن نجاح الاخطبوط الصهيوني في التغلغل في بعض المواقع التي كانت تمثل عمقا طبيعيا للعالم العربي، يجعل المواجهة صعبة إلا أنها ليست مستحيلة، غير أن المطالبة بتحرك سريع، لا تنفي أهمية امتلاك خطة طويلة الأمد للتعامل مع الأخطبوط الصهيوني الذي تمدد على خريطة العالم طويلا دون أن يلقى أي مواجهة عربية حقيقية وفاعلة. والأمر يستلزم رسم استراتيجية عربية متعددة المراحل لمواجهة ذلك الاخطبوط بشكل علمي منظم، وعلى أساس تحديد دقيق لمرتكزات التحرك بهدف استثمار تعاطف وتأييد قطاعات عريضة من الرأي العام العالمي، والبناء على المواقف الرسمية التي وضعت محل اعتبارها تحول الرأي العام داخلا على نحو لا يمكن تجاهله، فلأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني ترفض أغلبية الألمان - طبقا لاستطلاع أذاعت نتائجه شبكة التلفزيون الاخبارية - العلاقة الخاصة مع اسرائيل.وبالتوازي فإن أغلبية الأمريكيين - طبقا لاستطلاع رأي نشرته مجلة «تايم» تؤيد الغاء المساعدات لاسرائيل، أو خفضها، اذا رفض شارون الانسحاب من الأراضي الفلسطينية. إن الجهد العربي الرئيسي يجب أن يكون باتجاه تعبئة الرأي العام العالمي المتعاطف مع الحق العربي ضد النازية الجديدة التي يمارسها شارون، للضغط على الحكومات الغربية حتى تضغط - بالتالي - على الدولة العبرية لاجبارها على التفاوض حول الوضع النهائي في فلسطين المحتلة بعد الانسحاب الاسرائيلي الى خطوط 4 يونيو 67، طبقا للمرجعيات الدولية، لا أن يقتصر الأمر على قطع أذرع الاخطبوط، أو التخفيف من قبضتها، كغاية بحد ذاتها، لكن بقدر ما يثمر التحرك العربي دبلوماسيا واعلاميا على اتساع الخريطة العالمية في هذا الاتجاه، يجب أن يخدم - في المحصلة النهائية - الهدف الاستراتيجي الأصيل، لأن اللحظة الراهنة قد لا تتكرر بكل هذا الزخم في المدى المنظور. المهم أن يعرف العرب - بالضبط - ماذا يريدون؟ وكيف يحققون ارادتهم ويفرضونها؟ وألا يقعوا في خطأ الخلط بين الأهداف المرحلية مهما كان بريقها، وألا يحيدوا عن الهدف الاستراتيجي أيا كانت الأسباب أو المؤثرات التي تدعو لتغيير المسار قبل انجازه، فمهما كان اغراء قطع بعض أذرع الاخطبوط سوف يظل ذلك هدفاً مرحلياً ليس إلا. ـ كاتب مصري