الملف السياسي: للعقل الاعلامي الصهيوني دور مهم ومميز في تحويل الأفكار والمشاريع السياسية الى واقع مادي يؤثر سلبا أو ايجابا في الجمهور الذي يتوجه اليه فالمنظومة التي يتسلح بها ترتكز على مزيج من الأفكار والنظريات التي أفرزها الفكر الليبرالي البورجوازي الغربي وكذلك التراث الميثولوجي الديني لليهودية. ومن خلال الاستناد الى الأرضية الاقتصادية والأيديولوجية التي يعتمد عليها العقل الصهيوني، وفي اطار تواصله وتفاعله مع العقل السياسي الغربي، فانه يجد الكثير من القواسم المشتركة مع الفعاليات التي تصنع القرار السياسي والاقتصادي في العديد من البلدان الأوروبية الغربية وفي القارة الأمريكية الشمالية. فالمصلحة الاقتصادية المشتركة بين بيوتات المال اليهودية المهيمنة وبين الاحتكارات الرأسمالية الغربية، تقتضي بطبيعة الحال تنسيقا على كافة الأصعدة الأيديولوجية والسياسية. ومع عملية التنسيق هذه، لم يجد العقل الاعلامي الصهيوني أية صعوبة في التفتيش عن نقاط الالتقاء مع العقل السياسي، البراجماتي الغربي. فهذا العقل أنتج من خلال منظومته الفكرية ووسائل اعلامه، ترسانة ضخمة من الستربوتيبات التي تمجد الذات الغربية وتحاول أن تجعل من نفسها مختبرا مركزيا من الاشعاع الحضاري الدائم الاستمرار، المرتكز على رؤية ذاتوية النزعة والمصلحة والأهداف، ويستند على نمط تفكير وسلوكية تحتكر مبادئ الديمقراطية والتكنولوجيا والتقدم والنزعة الانسانية المسالمة المصطنعة، وكأن هذه السمات هي خاصية عرقية ونفسية ومعرفية وعملية تطبيقية من خاصيات الغرب دون غيره. وانطلاقا من النزعة الذاتية البراجماتية، يعمد الغرب الى تبرير أي وسيلة من أجل الحفاظ على موقعه من أجل ابرازه كمثال سام يجب أن تقتدي به كل شعوب المعمورة. وعلى أهمية ما أنتجه هذا النمط من العقل الغربي، من علوم ومنهجيات وتقنيات متطورة، الا أنه يمارس قمعا أيديولوجيا وسياسيا متواصلا ضد كل التيارات الانسانية حقا، والديمقراطية حقا، والعادلة حقا، داخل بلدانه وضد الشعوب والحضارات الأخرى كافة، التي وقفت ضد ما أفرزه هذا العقل من أفكار وممارسات غير انسانية منها الداخلي المصلحي النفعي غير الديمقراطي والخارجي ذو الطابع الشوفيني والعنصري. ومن هنا نرى أن العقل الاعلامي الصهيوني يجد تربة خصبة لتمثيل أفكاره وطروحاته، لأن معظم الرصيد المعرفي والسياسي يرتكز على أرضية واحدة تقريبا، ولا يزال هذا العقل ينجح في عملية تنسيقية مع حليفه الغربي كونه جزءا منه، الأمر الذي يخوله لفهم خصائصه، واعتماد الأساليب وطرح المقولات الغربية، انطلاقا من تركيبته السيكولوجية والاقتصادية والسياسية. ولكي ندرك بعض النقاط المشتركة أيديولوجيا ومصلحيا، لابد من الوقوف قليلا عند أبرز المقولات العصرية التي يستند اليها العقل الاعلامي الصهيوني، أثناء مخاطبته للعقل البراجماتي السياسي الغربي، وهذه بالايجاز أهمها: أولا: ان اسرائيل حقيقة تاريخية لا مجال للنقاش في مسببات وجودها، فهي ذات ( كنز استراتيجي ) لصالح الغرب بأسره. ثانيا: ان اسرائيل تمثل الوجه الديمقراطي المتحضر للغرب في الشرق الاسلامي، وترغب في أن تكون مدافعة عتيدة، عما تدعيه من احترامها لحقوق الانسان. ثالثا:ان الحفاظ على اسرائيل يعني في القاموس الصهيوني مساهمة أوروبية وغربية عامة في ايجاد حل انساني للمشكلة اليهودية. رابعا: تطرح اسرائيل نفسها كقاعدة تكنولوجية وعلمية متقدمة. خامسا: تمثل الحمل الوديع الطامح لسلام عادل وسط عالم من الكراهية والعدوانية. سادسا: ان الحفاظ عليها، كأقوى قوة رادعة في العالم العربي، يجسده أداة الردع الأساسية للغرب ضد الحق الاسلامي المشبع بعدائه للمسيحية الغربية، ولكل تجليات الحضارة المعاصرة. والعقل السياسي البراجماتي الغربي، يتعاطف مع مجمل هذه الطروحات ويميل الى المصادقة عليها وتأييدها، وذلك لأنها تشبع ميوله النفعية وترضي نفسه التواقة الى الربح والى اشباع رغباته المادية منها والفكرية المنمطة من ناحية، كما أنها تخلق نوعا من الثقة والرضا بالمنظومة المعرفية التي يرتكز عليها العقل الاستعماري في تعامله مع الشعوب المستضعفة من ناحية أخرى. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتكون قوة دفع نحو تقارب أشد بين اسرائيل والغرب عامة وبين اسرائيل وحكومة الرئيس بوش على وجه الخصوص. وساعد على هذا ان الحرب على الارهاب التي تشنها الولايات المتحدة، خلص من أي بعد استراتيجي يستوعب الأسباب الحقيقية للارهاب للعمل على تلافيها، والتعامل معها بما يساعد على استئصال الظاهرة وتجفيف منابعها، وذلك يتبنى المواقف العادلة في القضايا الدولية ونبذ ازدواج المعايير والكيل بمكيالين، وفي ضرورة الالتزام بالموضوعية وبالمسئولية التي تقع على عاتق الدولة العظمى الوحيدة في العالم في الحفاظ على الاستقرار العالمي وانفاذ قواعد الشرعية. لقد استغلت اسرائيل الهجوم الارهابي في 11 سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك ليكون فرصتها التاريخية لتعيد تأكيد رؤيتها التي عملت على الترويج لها منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1989، حول ان «الارهاب» الاسلامي هو العدو البديل للولايات المتحدة عن الشيوعية، وبتحقيق التداخل المغلوط بين هذه الفكرة الخبيثة وبين الفهم الأمريكي للارهاب. وكانت الظروف مهيأة لهذه الفرصة، في سيطرة كثير من أعضاء التحالف الجمهوري اليميني الأمريكي مع الليكود الشاروني، على صناعة قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة. ويتجلى هذا اللقاء الصهيوني ـ الأمريكي بأكثر صورة قبحا وكلاحة فيما يصرح به الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان ارادته جميعا من تفهمهم الى حاجة اسرائيل في الدفاع عن نفسها من خلال ما تقوم به حكومة شارون ـ بذريعة تصفية الارهاب الفلسطيني ـ من ممارسات تصعيدية لارهاب الدولة الاسرائيلية والوصول به الى ذروة قصوى باستخدام آلة القتل والترويع العسكرية ضد الشعب الفلسطيني الذي افنت منه الآلاف وشردت عشرات الآلاف من أبنائه عند اجتياحها لمدن وقرى الضفة الغربية وتدمير سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني فيها. وأمام هذه المقاومة الباسلة والتضحيات الجسيمة في الأرواح، والتي كان من نتائجها أن سوت القوات الاسرائيلية مخيمات جنين بالأرض. لم يكن لدى الادارة الأمريكية أي موقف، غير مطالبة عرفات بادانة ما أسمته الهجمات الانتحارية، أي المقاومة الاستشهادية، ومن ثم - يغدو التواطؤ الأمريكي جزءا من المشكلة، بل عبئا وعقبة كؤود أمام حل مشكلة الصراع العربي - الاسرائيلي واحقاق حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الحرية والاستقلال الوطني. وفي محاولة العقل الاعلامي الصهيوني لكسب تأييد الفئة التي تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي في الغرب، يسعى عبر عناصره اليهودية أو غير اليهودية الى أن يكون ممثلا عبر رموز سياسية مجربة ومحنكة في الصفوف الأمامية الممركزة في أعلى هرم السلطة السياسية. وهذا التمثيل يعكس الوزن الاقتصادي القوي للرأسمالي الصهيوني في أسواق نيويورك والساحل الشرقي من الولايات المتحدة، وكذلك في أسواق لندن وباريس وبرلين وغيرها. ولا نكشف جديدا اذا قلنا أن للبوجوازية اليهودية الغربية التي يتعاطف معظم ممثليها مع الصهاينة واسرائيل، مواقع قوية في أسواق البورصة وفي المجمع العسكري ـ الصناعي، وعبر امتلاكها لأسهم كبريات الصحف والمجلات وشركات الاذاعة والتليفزيون والسينما ودور النشر ومراكز البحث العلمي وغيره. ويشير الباحث الأمريكي المعروف ستيفن ايزاكس الى ( أن اليهود يتمركزون في الولايات الأمريكية الكبرى التي تساهم بشكل ملحوظ في وضع القرارات الاقتصادية والسياسية لكل البلاد وهي كاليفورنيا، ماريلاند، ماساتشوستس ـ بنسلفانيا، نيوجرسي، كونتيكي، فلوريدا، نيويورك، وفي هذه الولاية الأخيرة مثلا تتراوح نسبتهم المئوية من أصوات الناخبين بين 16 ـ 20% من المجموع العام، وذلك بسبب نشاطهم السياسي المتزايد، وارتباطهم الوثيق بالحزبين الديمقراطي والجمهوري، وبسبب الفتور السياسي من جانب الجاليات الأخرى). وللصهاينة الأمريكيين حضور سياسي مكثف يظهر في مجلس الشيوخ الأمريكي، ففي توجه العقل الاعلامي الصهيوني للفعاليات السياسية الأمريكية، يهدف الى التأثير على الجهات الفاعلة المتفرعة لدعم اسرائيل والدفاع عنها، وكذلك يقدم المادة المعلوماتية اللازمة والتوجيهات السياسية التكتيكية لأولئك الذين يعملون وراء الكواليس، وبالذات للأشخاص الذين يعملون كمساعدين لأعضاء مجلس الشيوخ، فلدى هؤلاء الأعضاء العديد من القضايا والمشاكل التي يتصدى لها مجلس الشيوخ الأمريكي في حياته السياسية اليومية، لذا فانهم يحيلون العديد فيها الى المساعدين الاداريين الذين يؤخذ بتوجيهاتهم في معظم الأحيان. وتشكل الفعاليات المقربة من رؤساء البلاد ومن أعضاء مجلس الشيوخ والوزارات احتياطيا سياسيا مهما تستند عليه الصهيونية في دعمها لاسرائيل والدفاع عنها في كل الميادين، وهذا ينطبق أيضا على الفعاليات السياسية والاقتصادية في العديد من بلدان أوروبا الغربية، حيث أفرز التاريخ المعاصر لأوروبا أسماء كانت ولا تزال لها الدور الكبير في عالم المال والسياسة الأوروبية، كما أن العقل الاعلامي الصهيوني في تعامله مع أوروبا يعتمد أسلوب التعددية في التعامل مع الفعاليات كافة، الممثلة في القيادات الاشتراكية وفي الأحزاب الديمقراطية الليبرالية، وحتى في التأثير على زعماء المافيا والماسونية. يساعد الصهيونية في ذلك وجود اليهود اقتصاديا وسياسيا في أماكن جغرافية متنوعة وبهذا الصدد صرح أحد زعماء الحركة الصهيونية أمام مؤتمرهم الثامن والعشرين ( لكوننا موزعين في جميع أنحاء العالم نتمكن من التواصل مع هيئات متنفذة مختلفة، ومع شعوب كثيرة، هذه الفرصة تسمح بالقيام بواجب الدعاية لقضيتنا بنشاط ويجب على كل فرد يهودي وعلى الأخص كل صهيوني أن يعتبر سفيرا غير رسمي لاسرائيل وداعية ومحاميا، هذا الواجب ملقى بقدر كبير على السياسيين والمثقفين من بيننا، الذين لهم نصيب في توجهات الرأي العام). وبهذا يسعى العقل الاعلامي الصهيوني عبر نهجه السياسي المرتكز على الحضور الأيديولوجي العنصري اللانساني ضد العالم العربي، من أجل الكسب الدائم لتأييد صانعي القرار السياسي والاقتصادي في أهم مراكز النفوذ في العالم الرأسمالي.. والصهيونية في أطروحتها السياسية الاعلامية، مازالت حتى الآن تضمن ـ وبحماس ـ تأييد تلك الفعاليات، وتغيير هذا الموقف رهن بكسر الطوق الاعلامي الصهيوني حول العقل السياسي الغربي، وهنا لابد من التأكيد على أن كشف حقيقة المنظومة المعرفية التي تستند اليها الترسانة الأيديولوجية الصهيونية، وتعرية الدعاية الصهيونية عالميا ومحليا، يتطلب منا علما عقلانيا جديدا ولغة اعلامية متحررة من الانشاء العاطفي، مرتكزة على خطة استراتيجية متعددة الجوانب، مستفيدة من آخر انجازات العلوم السيوسيولوجية والنفسية المختصة بالاعلام وبمجالات المعرفة المتخصصة كافة، لتوظف في هدم أفكار المنظمة الصهيونية وكسر الطوق الاعلامي على العقل الغربي، وتعبئة الرأي العام لتأييد الأهداف المشروعة للعرب في معركتهم الحضارية الراهنة، ولعل ما ترتكبه اسرائيل اليوم من فظائع ومذابح وانتهاكات لكل الاعراف والقوانين، سوف يسجلها التاريخ باعتبارها من أفدح جرائم الحرب ضد الانسانية، ما يوفر فرصة مواتية لاسقاط كل الزيف عن وجه الصهيونية العنصرية البشع مرة والى الأبد. ـ كاتب مصري