الملف السياسي: حينما أطلق على وسائل الإعلام أنها بمثابة السلطة الرابعة بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فذلك لم يكن عبثاً أو بلا أرضية منطقية، فقد ثبت تباعاً عبر سلسلة لا حصر لها من المشاهد والأحداث الدولية، أن دور وسائل الإعلام فيها وفي صياغة مجرياتها ونتائجها كان كبيراً فعالاً، بل إن هذا الدور تفوّق أحياناً على دور السلطات الثلاث الأخرى، وذلك لما لهذه الوسائل من سطوة وهيمنة وتأثير وقدرة على صناعة وصياغة الرأي العام العالمي لصالح موقف أو برنامج أو جهة ما. ولا شك أن الحرب الإعلامية بين طرفين من شأنها ضمن معادلات وحسابات معينة أن تحسم مصير الحرب كلها مثلاً، أو أن تحقق مكاسب نقطية لصالح طرف معين، أو أن تظهر الحق وتزهق الباطل مثلاً، أو أن تخلط الأمور والأوراق وتزيف الوقائع والحقائق وتحول الحق إلى باطل والباطل إلى حق في بعض الحالات والمعادلات، وهذا البعد الأخير ينسحب بصورة قوية على الصراع الفلسطيني/ العربي- الصهيوني، حيث لعبت وسائل الإعلام الصهيونية والأمريكية والغربية في مراحل زمنية عديدة مثل ذلك الدور التضليلي التحريضي العدائي للعرب، ولا يمكننا الحديث عن توقف الدور التضليلي العدائي في هذه الحالة، وإنما يمكننا الحديث عن تراجعه أمام الخطاب الإعلامي للانتفاضة الفلسطينية الأولى والانتفاضة الفلسطينية الجارية الآن في فلسطين. إذ تمكنت الانتفاضة الفلسطينية الأولى الممتدة من ديسمبر1987 إلى سبتمبر 1993 من حصد إنجازات إعلامية -معنوية- أخلاقية بالغة الأهمية الشاملة مع دولة الاحتلال الصهيوني. فقد فضحت تلك الانتفاضة المجيدة انتهاكات وممارسات قوات ومستوطني الاحتلال، وكشفت القناع عن وجهه البشع، في حين نقلت القضية الفلسطينية بوطنها وشعبها بقوة إلى المسرح العربي والدولي لتصبح القضية الأولى على الأجندة الدولية. ولم يكن ليتسنى للانتفاضة الأولى أن تحقق تلك الإنجازات الكبيرة لو لم تحسن استخدام أسلحتها وأدواتها المتاحة وفي مقدمتها وسائل الإعلام. أما في حالة انتفاضة الأقصى الراهنة فيمكن القول أن المشهد التلفزيوني الفضائي الذي سجل حالة استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة بكل فصوله وتفاصيله في الأول من أكتوبر2000 وثم جملة الحالات الإجرامية الدموية الإسرائيلية المتلاحقة بلا توقف وصولاً إلى مجزرة جنين الأخيرة كلها تشكل نقطة تحول بالغة الأهمية والخطورة والحسم في المعركة الفلسطينية الإسرائيلية المحتدمة على كسب الرأي العام العالمي. ويمكن القول ثانياً أيضاً أن الحرب الإعلامية لا تقل أهمية وحسماً عن الحرب الميدانية وخاصة في حالة كالحالة الفلسطينية في مواجهة جيش احتلال متفوق ومدجج بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة حتى الأسنان. ويمكن القول ثالثاً أن الحرب الإعلامية تتقدم لتحتل مقدمة السيناريوهات في المواجهات المقبلة، فالحرب في نهاية الأمر تقيم بحصادها الشامل إعلامياً ومعنوياً وأخلاقياً وسياسياً قبل أن تقيم بحصادها الميداني وخسائرها البشرية، التي لا نستطيع أن نغفل عن حقيقتها المتمثلة بقوافل الشهداء والجرحى الفلسطينيين، وبالمعاناة الفلسطينية الشاملة في مواجهة دولة الاحتلال والحرب والعنصرية الجامحة التي تشنها وتواصلها آلة الحرب والفتك والقتل الصهيونية بلا هوادة ضد أبناء الشعب الفلسطيني دون أن تستثني أحداً أبداً. فللحالة الفلسطينية خصوصيتها ومواصفاتها وصفاتها التي يمكن تكثيفها بعبارة واحدة: أن هناك شعباً كاملاً مجرداً أعزل من أسلحة الحرب الحقيقية، ولا يمتلك في مواجهة أعتى وأقوى وأفتك ترسانة حربية سوى إرادته السياسية الوطنية الاستقلالية وقدرته على توظيف واستخدام الأسلحة المحدودة المتاحة له، وفي مقدمتها شمولية الجغرافيا والبشر والحجر والإعلام. ولذلك فإن جاز لنا أن نتحدث عن أن انتفاضة الأقصى عابرة للحدود الفلسطينية إلى العوالم العربية والإسلامية والدولية، فقد كان لوسائل الإعلام دورها الحاسم في ذلك. وإن جاز لنا أن نقول أن الانتفاضة كسبت جولة الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، فقد كان للمشهد التلفزيوني الذي سجل ووثق تفاصيل قتل الأطفال الفلسطينيين بأبشع صورة وبدم بارد فاق كافة التصورات، دور بالغ الأهمية في شد انتباه العالم كله لما يجري على أرض فلسطين من حرب غير متكافئة ظالمة، تنكيلية إرهابية يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد أطفال ونساء وشيوخ وشبان وشجر وحجر فلسطين. ويستدعي الحديث عن دور وسائل الإعلام في المواجهة، الوقوف أولاً وقبل كل شيء أمام الخلفيات السياسية الأيديولوجية للخطاب الإعلامي الإسرائيلي من جهة، والفلسطيني العربي من جهة ثانية والأمريكي الغربي من جهة ثالثة. ـ الخطاب الإعلامي الإسرائيلي - منطلقات - مرتكزات - أدوات: لا شك أن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي جزء لا يتجزأ من الخطاب الحربي العنصري العدائي حتى النخاع للجنس العربي، وقد استند ذلك الخطاب ولايزال إلى جملة من المنطلقات والمفاهيم والمرتكزات الأساسية السياسية والأيديولوجية سواء المتعلقة بفلسطين من النهر إلى البحر، أو المتعلقة بشعب فلسطين، أو المتعلقة بالأمة العربية والجنس العربي. وخطابهم الإعلامي هو في ذاته الوقت، نتاج واقع المجتمع الصهيوني، وجزء لا يتجزأ من الأدبيات السياسية والفكرية والأيديولوجية لذلك المجتمع. وبالتالي فإن الخطاب الإعلامي الصهيوني والرسالة الإعلامية الصهيونية يستخدمان مصطلحات ومفردات القاموس السياسي الأيديولوجي الصهيوني، فإلى ماذا استند ذلك القاموس وما هي مكوناته؟ إذا توقفنا أمام الركائز والمنطلقات الأساسية للفكر السياسي والأيديولوجي والإعلامي الصهيوني نجد أنها تقوم بالأساس على: أولاً: ثلاثية الأساطير المؤسسة للدولة الصهيونية وهي: 1ـ أرض الميعاد باعتبار أن فلسطين بلاد السمن والعسل هي وعد الرب لبني صهيون، وهي وطن اليهود الذي لا وطن لهم غيره. 2ـ شعب الله المختار فوق الأغيار -العرب-، باعتبار أن اليهود هم شعب الله المختار الذي يتميز ويتفوق ويعلو على كل الشعوب الأخرى -وخاصة الجنس العربي- طرف الصراع المباشر مع اليهود، ومن هنا انطلقت ولاتزال كل المفاهيم والممارسات الصهيونية العنصرية التي تقدس الدم اليهودي، وتهدر الدم العربي، كما وثق في فتاوى الحاخامات اليهود. 3ـ الحق التاريخي باعتبار أن اليهود هم أصل السكان وأصل البلاد وأنه لم تقم في هذه البلاد سوى دولة اليهود الذين لهم الحق التاريخي كل الحق في إعادة بناء الهيكل والدولة فيها. ثانياً: الأمن الإسرائيلي: فسمفونية الأمن الإسرائيلي هي التي ترددت وهيمنت قبل عدوان يونيو 67، وهي التي تواصلت بعد العدوان والاحتلال، وهي التي تواصلت هيمنتها على كل الخطاب السياسي والإعلامي والتفاوضي الإسرائيلي خلال عملية السلام والمفاوضات منذ مدريد حتى 2000، ولاتزال تتواصل حتى تحت وطأة الحرب العدوانية المجازرية التي ينفذها شارون اليوم ضد أهلنا. والأمن الإسرائيلي أمن شامل من وجهة النظر الإسرائيلية أو في الاستراتيجية الإسرائيلية وذلك على مختلف الأصعدة والمجالات: العسكرية التقليدية، والاستراتيجية، استناداً إلى نظرية التفوق على كل العرب، ويعني ذلك التفوق الإسرائيلي والضعف العربي، بمعنى ضرب العرب وضربهم ثانية وثالثة.. وتجريدهم من مقومات القوة الاستراتيجية -العلم- المعرفة التكنولوجية -الحربية خاصة- الأسلحة الاستراتيجية.. الخ. ثالثاً: استناداً إلى المرتكز أعلاه فقد بنيت العقيدة الصهيونية على ما يلي: ـ الإيمان بالعسكرية إيماناً مطلقاً وصهر كل اليهود الصهاينة في فرن الصهر العسكري. ـ نقض الحقوق الطبيعية للعرب نقضاً مطلقاً بحيث تصبح بالنسبة للصهاينة جريمة إبادة الجنس العربي طبيعية ومقبولة ومشروعة بل ومطلوبة. ـ تبرير اللجوء لأي وسيلة مهما كانت ممعنة في الإجرام لتحقيق الأهداف المقدسة لهم في «أرض إسرائيل»، بحيث يصبح الإرهاب والقتل والاغتيال لديهم من عاديات الحياة اليومية. ـ اعتماد قانون أعلى هو المطلق الصهيوني الذي يضع اليهود في جهة والجنس البشري في جهة أخرى دونه. ـ طغيان الحقد العنصري الأعمى ضد العرب من مقومات الإيمان وتطهير أرض إسرائيل من العرب سبيلاً لتحقيق الطهارة الصهيونية. وهكذا فرضت هذه المرتكزات والمنطلقات والمفاهيم فكر وممارسات الإرهاب والاغتصاب والاستيلاء والاقتلاع والاحتلال والترحيل والتهويد والابتلاع. وفي خضم كل هذه المفاهيم والمنطلقات والنوازع العنصرية انطلقت وسيطرت في الخطاب السياسي وفي وسائل الإعلام الإسرائيلية لغة التحريض العنصري الدائم ضد العرب، التي كان من أبرزها وأخطرها مثلاً: لم أسمع بشيء اسمه الشعب الفلسطيني ـ جولدا مائير ـ ادفع دولاراً تقتل عربياً. العرب حطابون وسقاءون. ـ العرب للعمل الأسود والوسخ فقط. ـ العربي الجيد هو العربي الميت. ـ العرب بقايا الشعوب. ـ العرب صراصير مترنحة في عنق الزجاجة. -العرب لصوص.. مخربون.. إرهابيون. وكانت الترجمة العملية لكل هذه الأدبيات الصهيونية العنصرية: ـ سلسلة من المذابح الجماعية وأعمال القتل المستمرة وهدر الدماء العربية. ـ سياسة التدمير الشامل للمدن والقرى العربية. سياسة الترحيل الجماعي للشعب العربي الفلسطيني. ـ سياسة التمييز العنصري المستمر منذ أكثر من نصف قرن ضد أهلنا في فلسطين. ـ سياسة المصادرة والتهويد المحموم للأرض العربية. كل هذا كان على مدى عقود الصراع الساخن الماضية، فكيف الوضع اليوم في ظل مرحلة السلام؟ - ذات المفاهيم والمنطلقات في مسألة ثلاثية الأساطير -الأرض والشعب والحق والتاريخ. ـ جملة من إملاءات العنصرية ضد الحقوق العربية.. في الأرض والحياة والقوة. ـ جملة من الإملاءات العنصرية التي يجب على العرب التكيف والتأقلم معها حسب الرؤية والصيغة والرغبة الإسرائيلية: 1 مجال المفاوضات والمسارات الثنائية، ورفض كل المؤتمرات الإقليمية أو الدولية ورفض لجان التحقيق الدولية. 2 في مجال إسقاط الخيار الحربي وفرض الخيار السلمي. 3ـ في مجال الأمن من خلال فرض صيغ ومفاهيم الأمن الإسرائيلي. 4ـ استعمار أمني إسرائيلي بعد استعمار الأرض والشعب. ـ جملة من الإجراءات والممارسات: قرارات، وأوامر عسكرية، قوانين تهويدية، إجراءات استيطانية، حصارات، إغلاقات، أطواق عسكرية، مداهمات واعتقالات وعقوبات جماعية، حملات هدم وتدمير بالجملة.. وحملات اجتياح وتدمير وتشريد. ونعود بعد كل هذه المعطيات إلى تقييم الإعلام الصهيوني وخطابه ورسالته لنجد أنه يعج بكل المفاهيم والمصطلحات والمفردات والأهداف العنصرية التي تمجد الجنس والدم اليهودي الصهيوني، وتكرس المطالب والأهداف الصهيونية، وتكرس الأمن الاستراتيجي الوجودي والفردي الإسرائيلي .. وتعتبر أن الحق اليهودي في الوجود والدولة والاستيطان والتفوق فوق كل الحقوق الأخرى التي لا اعتبار ولا احترام لها إطلاقاً لدى بني صهيون، وأن الأمن اليهودي فوق أمن الشعوب الأخرى. ومن هنا نجد أن «دولة إسرائيل» هي دولة إرهاب.. ودولة خارجة على القانون الدولي، بل على كل القوانين والأعراف الدولية. نظرية ليبكين للإعلام: في صياغتها وبلورتها لخطابها الإعلامي اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نظرية أطلق عليها اسم «نظرية لبكين للإعلام» وقد اقترح ليبكين أن يطوع الإعلام الإسرائيلي بشكل يتلاءم مع المستجدات والمتغيرات السياسية وقسم هذا التوجه إلى شقين: الأول: الشق الإعلامي الذي تصل رسالته إلى الدول العربية المعادية والمجاورة، وتتصدر فيه أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة أي الإذاعة والتلفزيون. الثاني: الشق الإعلامي الخارجي الذي تصل رسالته إلى الدول الصديقة لإسرائيل أو المحايدة أو التي ليست طرفاً في النزاع العربي الإسرائيلي وتتصدر فيه أجهزة الإعلام المقروءة. الإعلام الإسرائيلي الموجه للبلاد العربية يعتمد على ردود الفعل المتوقعة والتخطيط على أساسها، ومن هنا يقول ليبكين تكون نقطة التعاطف أو الالتقاء بين المرسل والمستقبل قد تكونت.. تماماً كقانون الفعل ورد الفعل في علم الفيزياء فالأول يبادر والثاني ينفعل و.. في هذا الشق يعتمد الإعلام الإسرائيلي نظرية الجوقة لليبكين وهي تقوم على شعار التعددية الفكرية والسياسية القائمة في إسرائيل.. فتصريحات متناقضة للمسئولين الإسرائيليين في موضوع السلام مثلاً تخلق ردود فعل عربية مختلفة تتضارب بدورها حول الآراء والمواقف الإسرائيلية.. شامير يخالف بيريز وإرينز يتعارض مع شارون وشارون مع نتانياهو.. ونتانياهو مع باراك .. الخ. ويتشكل الكشكول الذي رسمه ليبكين ليقع المواطن العربي في الحيرة وانعدام الثقة والحسم. وسائل وأدوات ومصطلحات وظفت الحركة الصهيونية سابقاً، والدولة الصهيونية لاحقاً كافة وسائل وأدوات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة واسعة الانتشار في خدمة برنامجها وأهدافها، وكونت قاموساً خاصاً بها يشتمل على كم لا حصر له من المصطلحات والمفردات الموجهة للرأي العام العربي، وكذلك للرأي العام العالمي. ومن ضمن الوسائل والمصطلحات التي استخدمها ولا يزال الإعلام الصهيوني على سبيل المثال وليس الحصر: الحرب النفسية، الإشاعات، تعظيم قدرات الجيش الإسرائيلي، تهويل الخسائر للعدو، تشويه وتزييف الوقائع والأحداث وغير ذلك. أما الأهداف الرئيسية من وراء ذلك فهي: تحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق، بمعنى ترويج وتسويق الدولة الصهيونية باعتبار أن «الشعب اليهودي» صاحب الحق التاريخي في «الأرض الموعودة» وتصوير العرب أصحاب الحق المشروع في فلسطين على أنهم إرهابيون ووحوش يعتزمون افتراس «دولة إسرائيل» والقضاء عليها. ومن أهدافهم أيضاً تحشيد الرأي العام الأمريكي الغربي إلى جانبهم في مواجهة العدوانية العربية وقد حققوا في هذا الصدد نجاحات كبيرة ملموسة في ظل غياب الإعلام العربي الممنهج. ولا نغفل هنا عن الحقيقة الساطعة «أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل استثمرتا قصة الكارثة أو المحرقة -الهولوكوست-اليهودية استثماراً مذهلاً مستمراً منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ولا يزال هذا الاستثمار جارياً بقوة هائلة ومردود على الدولة الإسرائيلية كبير وشامل إعلامياً ومعنوياً واقتصادياً وعسكرياً.. إلخ. وكانت قصة الهولوكوست من أخطر الوسائل التي استغلتها وركبتها الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية في تجنيد الرأي العام الغربي من جهة، وفي دفعه لاتخاذ مواقف معادية للقضايا العربية من جهة ثانية. ـ الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في مرحلة السلام: فإذا كانت كل تلك المنطلقات والمفاهيم والمرتكزات السياسية والأيديولوجية وكل تلك الوسائل والأدوات والمصطلحات قد شكلت المكونات الأساسية للخطاب الإعلامي والسياسي الصهيوني الإسرائيلي على مدى مراحل الصراع السابقة لعملية السلام المزعومة، التي ابتدأت منذ مدريد، باعتبارها الخيار الاستراتيجي الجديد في الصراع أو في العلاقات العربية الإسرائيلية، حيث سقط مصطلح الصراع في هذه المرحلة، فكيف أصبح الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في مرحلة عملية السلام والمفاوضات..؟! بيريز يغلف الخطاب الإسرائيلي..؟ وعلاوة على دوره في «هندسة اتفاق أوسلو» والرؤى التي أطلقها حول المستقبل الوردي للمنطقة في أكناف عملية السلام؛ فإن مشروعات «مركز بيريز للسلام» تبدو أكثر إلحاحاً على نسج عرى التعايش والقبول للمجتمع الصهيوني في محيطه، مع التركيز على الأطفال والناشئة لاعتبارهم الميدان الفعلي الذي يمكن من خلاله «تصميم المستقبل» وبلا شك فإن دور مركز كهذا لا يتعدى طرح مشروعات نموذجية ستفتح المجال أمام مشروعات عديدة على المنوال ذاته على مستوى المنطقة وفي النطاق الدولي. وقد شرع منبر كرايسكي للحوار الدولي في العاصمة النمساوية بتجربة لا تكاد تخرج عن السياق ذاته عبر مشروعه القوي «شبيبة السلام» والمشروع المذكور سعى وطوال سبع سنوات خلت إلى تشكيل نخب شابة إسرائيلية وفلسطينية ومصرية وأردنية تتشرب بشكل جماعي ومتواصل ب«ثقافة السلام وقيم التطبيع» الجديدة في المنطقة، وبالطبع فإن نخباً كهذه بوسعها أن تساهم في تدعيم ركائز «الشرق الأوسط الجديد» الذي نادي به بيريز. إلا أن المسئول الإسرائيلي المخضرم يتحاشى فتح الملفات الحرجة عندما يرسم خارطة المستقبل الذي يبشر به، فرغم حرصه على اكتساب صفة «رجل السلام» فإنه لا يبدي ذات الاهتمام عندما يتعلق الأمر بالمشكلات الجوهرية للشعب الفلسطيني، وبينما يتحدث عن الدولة الفلسطينية على استحياء يتحاشى توضيح مفهومه لهذه الدولة الذي يبدو أنه أبعد ما يكون عن مستوى السيادة التي يتصورها لما تتمتع بها دولة مجاورة وينتمي إليها هي إسرائيل، كما تتجاهل أطروحات التعايش التي يطلقها الاعتراف بحق العودة للشعب الفلسطيني أو حقوق ملايين الأطفال في مخيمات اللاجئين، رغم أنه يكثر من الدعوات لرسم مستقبل أفضل لأطفال المنطقة. وهو لا ينفك على كل حال عن التلميح أو التصريح بأن عملية السلام إنما انطلقت لأن الفلسطينيين والعرب هم الذين تغيروا، وكأن إسرائيل كانت وما زالت في مربع السلام، وأما حروبها الدامية فلا تعدو أن تكون دفاعاً عن الوجود، حسبما يرد في النسق التبريري الصهيوني المعهود، ويعبر عن هذه الرؤية تقييم بيريز لاتفاقات أوسلو بوصفها أهم الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل مع العرب «فحتى أوسلو كان الفلسطينيون مشكلة، ومنذ أوسلو صاروا شركاء» لإسرائيل، ويزداد المشهد وضوحاً عندما يستطرد في خطاب ألقاه في برلين مؤخراً بقوله إنها المرة الأولى في التاريخ التي تقلع فيها منظمة إرهابية (إشارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية) عن الإرهاب قبل أن تحوز على الاستقلال، بل إنها شرعت في مكافحة إرهاب الجماعات الأخرى (في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية). وهنا يتضح أن مفهوم السلام الذي يعنيه بيريز لا يقوم على الاعتراف بخطأ متبادل كما ينتظر منه وإنما بأن الفلسطينيين والعرب هم الذين أخطأوا قبل أن يلتحقوا بقطار السلام، وهذا يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمالين لا ثالث لهما؛ فإما أن إسرائيل لم تخطئ بالفعل، أو أن من حقها أن تواصل ممارساتها الخاطئة في «عصر السلام». إلى جانب جملة أخرى من المفردات الأقل أهمية، التي يستخدمها الإعلام الصهيوني في تسويق وتكريس أكذوبة السلام والمفاوضات والتطبيع، غير أن هذا الخطاب سرعان ما انفضح أمره، وانكشفت حقيقته، والأهداف الصهيونية الخبيثة من رائه، وكان ذلك حينما كشر قادة الاحتلال الإسرائيلي نتانياهو - باراك - شارون عن أنيابهم وعن لغتهم وعن مصطلحاتهم الحقيقية خلال المواجهات الدامية مع الفلسطينيين وبالتحديد خلال الانتفاضات الفلسطينية المتلاحقة وصولاً إلى انتفاضة الأقصى 2000 التي ظهر فيها الخطاب الإعلامي السياسي الصهيوني بوجهه البشع بلا رتوش بوصفه خطاب الدم والنار والحرق والدمار بكل معنى الكلمة. ـ كاتب صحفي وباحث في شئون الصراع العربي ـ الإسرائيلي