توصل داني ياتوم رئيس الموساد السابق ورئيس الهيئة الامنية السياسية لايهود باراك سابقاً وموشيه عميراف استاذ السياسة العامة في جامعة حيفا وعضو ادارة بلدية القدس في مقال مشترك نشر في «يديعوت اجرونوت» الى ان فكرة شارون عقد مؤتمر للسلام لا تكفي وان الحل الامثل للصراع العربي الاسرائيلي يتمثل في تسوية مرحلية بعيدة المدى مع ازالة معظم المستوطنات. وفيما يلي نص المقال: لا تكفي مبادرة شارون لعقد مؤتمر اقليمي واستعداده لتسوية مرحلية بعيدة المدى تتضمن اقامة دولة فلسطينية. القضية ليست اطار النقاش بل جوهره. في السطور التالية سنحاول طرح اقتراح مبادرة اسرائيلية جديدة استنادا الى تجربتنا المشتركة والمتواصلة في مجال الامن والنزاع. قرارات الجامعة العربية في بيروت توفر لاسرائيل فرصة نادرة لمقابل تاريخي كبير. وهي تمتاز بامكانية تغيير معادلة النزاع «الاسرائيلي - الفلسطيني»، التي فيها المقابل قليل والثمن باهظ، الى معادلة جديدة «اسرائيلية - عربية» افضل لنا من ناحية الثمن والمقابل. وقضيتا الحرم واللاجئين - حجر العثرة في المفاوضات مع الفلسطينيين في كامب ديفيد وطابا - تؤكدان ذلك. في موضوع الحرم نجمت لعبة نتيجتها صفر. العناد الفلسطيني على السيادة المطلقة في المكان المقدس لليهود والمسلمين حالت دون، وربما ستحول في المستقبل، تسوية سلمية شاملة مع الفلسطينيين. ان عرفات الذي يرى أمام عينيه صلاح الدين، يحرر الاماكن المقدسة، وضع هذا الحلم على رأس سلم أولوياته الاستراتيجية، وحتى قبل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. صحيح ان زعماء الدول العربية يشاركون في مطلب السيادة الفلسطينية في شرقي القدس، ولكنهم - في الحرم الشريف - فضلوا في السابق، وربما يفضلون في المستقبل، .لا عربيا أو اسلاميا. السياسة الصهيونية والاسرائيلية، تضمنت دائما وأبدا استعدادا للتنازل عن السيادة في الحرم مقابل انجازات سياسية حقيقية. في قضية اللاجئين يصر الفلسطينيون على «حق العودة» الذي لا تستطيع اسرائيل قبوله. ولكن قرار الامم المتحدة 194 المذكور في قرارات بيروت، مناسب لنا ويوفر امكانية واقعية لحل المشكلة. انه يتضمن ثلاثة بدائل: تعويض مالي، اعادة تأهيل اللاجئين في أماكن تواجدهم في الدول الاخرى، والعودة الى اسرائيل. لقد أكدت الامم المتحدة على ذلك في كل قراراتها، وخاصة قرار مجلس الامن 242 الذي يتحدث عن «حل عادل» و«بالموافقة». هذه الكلمات تمكن مثلا من عودة رمزية لعدة آلاف من اللاجئين بموافقة اسرائيل. يجب على قرارات الجامعة العربية في بيروت ان تستخدم كمظلة لاستئناف الحوار الثلاثي مع سوريا والفلسطينيين. ولن يكون من الحكمة اجراء مفاوضات بين الوفد الاسرائيلي والوفد العربي الموحد، الذي اعضاؤه سيتبنون مواقف اكثرهم تطرفا. من الجدير ان نبدأ في سوريا (وفي السياق في لبنان) واذا توصلت هاتان الدولتان الى معاهدات سلمية مع اسرائيل، وانضمتا بذلك الى الاردن ومصر، ستلحقهما دول عربية واسلامية اخرى. وهكذا تنجم مسيرة سلمية، تساعد اسرائيل في احراز تسوية مريحة لها مع الفلسطينيين (وليس عبثا ان الفلسطينيين يعارضون ان تقوم اسرائيل بالتوقيع على اتفاق السلام مع سوريا قبل احراز مثل هذه التسوية أو بصورة منفصلة عنها). بالعكس، فان قرار الجامعة العربية في بيروت يمكن من تجاوز حجر العثرة الاساسي بين اسرائيل وسوريا في العقد الاخير. في النقاشات التحضيرية طلب السوريون ان تلتزم اسرائيل قبل المفاوضات بانسحاب كامل الى حدود الرابع من يونيو 1967. والثمن الذي يطلب من اسرائيل دفعه لم يتغير ولكن قرارات الجامعة العربية خلقت فرصة جديدة لتحديد المقابل. في النقاش مع سوريا سيتم تفصيل التسويات السلمية والتطبيع (بما في ذلك تحقيق المصالح الامنية لاسرائيل وازالة الشك بصدد طبريا)، على غرار ما حصل في حينه مع مصر. العقد الاخير دفع الاسرائيليين والفلسطينيين الى اعتراف بقيود قوتهما في تحقيق أحلامهما بالقوة واستعداد الطرفين لتنازلات مؤلمة. من هنا بات من الواضح تماما انه ستقام دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل على معظم اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كامب ديفيد وافق الفلسطينيون على ان يبقى 80 في المائة من المستوطنين في الكتل الاستيطانية التي ستضم الى اسرائيل شريطة ان يتم اخلاء باقي المستوطنات. والجدل هو، عمليا، كميا (حول حجم الكتل الاستيطانية) وليس مبدئيا. ومجال الجدل يتراوح بين 2-3 في المائة من مساحة الضفة والقطاع (حسب الاقتراح الفلسطيني) وبين 10-11 في المائة (حسب المطلب الاسرائيلي). ومن الجدير بالذكر ان الفلسطينيين يوافقون على الاستجابة تقريبا لكل المطالب الامنية الاسرائيلية، ومن ضمن ذلك تجريد دولتهم من السلاح. رئيس الحكومة محق في سعيه لتسوية مرحلية بعيدة المدى تضمن مجالا أمنيا. ان التسوية المرحلية التي نقترحها تستمر عدة سنوات. وفي اطارها تقام دولة فلسطينية منزوعة السلاح على 65 في المائة من الضفة الغربية والقطاع، ويتصل شطراها معا بشارع جسر وأنفاق او سكة حديد بادارة فلسطينية. وتواصل اسرائيل في المرحلة الانتقالية السيطرة الامنية على 35 في المائة من الارض في السلسلة الجبلية الوسطى، غور الاردن والقدس، والدولة الفلسطينية المستندة على قرارات الامم المتحدة الجديدة وعلى اطار دولي (يضم رؤساء الولايات المتحدة وروسيا وكذلك ممثلو الجامعة العربية والرئيس المصري والملك الاردني) تكون مسئولة عن منع الارهاب ووقف التحريض. تبدأ اسرائيل وفلسطين والجامعة العربية والمجتمع الدولي بمجموعه فورا في اقامة وتفعيل صندوق دولي لتأهيل اللاجئين في الدولة الفلسطينية وفي اماكن وجودهم وفي دول مختلفة في العالم. في الشطر العربي من شرقي القدس تقام بلدية القدس التي تدار في المرحلة الانتقالية بموجب القوانين الاسرائيلية ومثل البلديات العربية في اسرائيل. بالمقابل تبدأ اسرائيل والفلسطينيون في المفاوضات لتحديد المكانة الدائمة للبلدة القديمة على اساس نظام خاص يكون فيه عناصر فصل ووحدة. وبذلك يتم تقديم حل بلدي، في المرحلة الانتقالية، وسياسي، في التسوية الدائمة لـ 200 ألف فلسطيني في الأحياء العربية للمدينة. وسيتقلص النقاش فقط على كيلومتر واحد، وهو منطقة البلدة القديمة، من بين 120 كيلومتراً في منطقة القدس كلها. في التسوية المرحلية المقترحة يتم اخلاء عدد من المستوطنات المعزولة في الضفة، وتجميد اقامة مستوطنات جديدة واخلاء كل المستوطنات في قطاع غزة، وهكذا تحظى اسرائيل بفترة اختبار تستطيع فيها تحديد ما اذا كانت المبادرة قد فشلت أم نجحت. والفشل في المجال الامني يمكن اسرائيل من اعادة دراسة خطواتها بدون ان يستبق ذلك أي تنازل جوهري (كل التنازلات في اطار التسوية المرحلية تخدم مصلحة اسرائيل، بدءاً من اخلاء المستوطنات في قطاع غزة، التي تحولت الى عبء أمني، وحتى الفصل عن السكان العرب في القدس الذين بوتيرة تكاثرهم الحالية سيصل عددهم بعد 25 سنة الى اغلبية 55 في المائة في عاصمة اسرائيل).