أشعر بالفخر العظيم، والاعتزاز النابع من صميم القلب وحشاياه على كل ما يجري في فلسطين، فالألم الممض الذي أشعر به إنما يعطي مرارة لثمار الزيتون المباركة، ويجعلها أكثر قرباً من تراب الوطن وثراه وعبقه، والدماء الزكية الطهور التي تسيل على أرض فلسطين إنما هي ضريبة الدم في معركة التحرير. ومن لهيب هذه الحالة العاطفية الجرارة والجارفة والحارقة، يصعد الأمن المتلهف على الديمومة، وعلى العناد، للسير في معركة التحرير حتى الوصول للهدف، والمتأمل المؤمن بهذه الأمة لا يريدها ان تكون هبة عاطفية، ردة فعل على أعمال إجرامية، أو مجرد نزوة يستطيع ولاة الأمور اطفاءها منعاً للاحراج، بل يريدها مستديمة، مستدامة، دائمة، لا تلين ولا تكن حتى يتحقق النصر المؤزر للشعب الفلسطيني، وللأمة العربية. ووسط زيارات المغرمين بالمكوكات، والزيارات البندولية والبحث عن حلول أمنية، تبرز حقائق هامة في الوطن العربي نتيجة التجارب البطولية الدموية في فلسطين وما حولها من دول عربية من المحيط إلى الخليج، وهذه الحقائق لابد ان يعيها العقلاء، ويدركها المهتمون بمستقبل الأمة. الحقيقة الأولى ان الحرب تدور بارادة الشعب والقواعد الأساسية وادارتها، وليس صحيحاً ان الرئيس عرفات غائباً، ولكنه سجين مرتهن، وقدرته على المناورة من عرينه المحاصر محدودة. ولكن الشعب استمر في المعركة، وأبلى بلاءً حسناً ملحمياً، ولهذا فإن الارادة الفلسطينية لم تأت من ثبات الرئيس عرفات فحسب، ولكن ثبات الرئيس عرفات ازداد شكيمة وعمقاً من ثبات الشعب. وبالمقابل فإننا نرى بشكل واضح ان حالات الاحتجاج في الوطن العربي عبرت عن غضب على اسرائيل، واستعداد لتحمل نتائج ذلك الغضب رضي الرؤساء أم لم يرضوا، وبمعنى آخر فإن الشعوب تقول ان لها ارادة لا يستطيع القادة السياسيون ان يجسدوها، ومن هنا فإن الشعب العاقل لا يطالب بتغيرات سياسية، ولا بانقلابات، بل يطالب الرؤساء العرب أن يقفوا على الحياد، يسمحون للناس بممارسة دورهم، بينما يقومون هم بتفسير أنفسهم للقوى العظمى، وهذه بداية لاستفاقة العملاق من سهوته، ولكنها لا تنسى ان دور القيادات أساسي، ولا يمكن الاستغناء عنه. والحقيقة الثانية هي ان المجتمع المدني ومؤسساته في الوطن العربي سواء كانت أحزاباً أم نقابات، عوملت في بعض الأقطار العربية على انها مؤسسات عصيان مدني، وبينما يستطيع رئيس وزراء ما ان يحاضر في الحفاظ على الوطن، فإنه في الواقع يريد ان يتبنى عملهم، بل ويقوم به نيابة عنهم، فهو المتبرع، وحكومته هي السخية، وان على الناس ان يكونوا مواطنين صالحين ساكتين كأعجاز نخل خاوية، يسمعون إلى محاضراته المتلفزة، ويكتفون بذلك كفاحاً ونضالاً، وليخبرنا الرئيس إلى أين ستذهب الطاقة المخزنة لدى الناس في عصر العولمة والاتصالات والفضائيات؟ وهل نسي ان المعلومة تصل للجميع فوراً، وان نقص المعلومات صار أخطر من نشرها لأن غيابها يفتح المجال لملئها بالفراغ من أي جهة في عصر كفاية المعلومات الذي يكره الفراغ؟ كان على الرئيس ان يتعامل مع الأمر من منطلق سياسي استراتيجي، لا من منطلق أمني، أليس هذا ما نقوله لاسرائيل وشارون؟ والحقيقة الثالثة انه لا حلاً سلمياً للقضية الفلسطينية، فقد وصلت المفاوضات العربية الاسرائيلية الى المفصل الذي كانت تؤجل مواجهته، وهو الأرض المحتلة عام 1967 في فلسطين، والقدس، واللاجئين ومن ثم المستوطنات والمياه وغيرها، وهل ترون ان في اسرائيل حالياً ومستقبلاً وسيلة لاقناع اليمين أو اليسار باعادة الحقوق العربية، انني شخصياً لا اعتقد ذلك، ولا أرى سوى النضال وسيلة للوصول إلى الحق الفلسطيني. وإذا كانت المعركة ستكون طويلة الأجل، فإن علينا ان نتصدى لبعض الأسئلة الصعبة؟ ومثالاً على ذلك هو «ماذا سيكون موقف الأردن ومصر حيال المطالب العربية بقطع الاتصالات كلها مع اسرائيل؟» قد نستطيع رد ذلك المطلب بحجة ان الدول المعتدلة تستطيع مساعدة الأشقاء بالحفاظ على علاقتها مع اسرائيل، وقد نستطيع تبرير ذلك بأن قطع العلاقات يعطي شارون المبرر بالهجوم على دول الجوار، وتنفيذ مخططاته بالترانسفير، أو نقل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية بالوسائل العسكرية، وكل هذا صحيح، ولكن إذا طال أمد المعركة داخل فلسطين، فهل نضمن ألا يغير شارون رأيه، أو لا يختلق الاعذار لذلك، وهل تضمن ان بعض الدول العربية لا تدبر أحداثاً تؤدي إلى ذلك؟ ومن الواضح ان ملك الأردن، الملك عبدالله الثاني، يواجه ظروفاً في غاية التعقيد، وهو يبذل جهداً كبيراً للتوفيق بين التناقضات التي يواجهها والدوائر المفرغة التي تدور حول الأردن بقصد أو نتيجة لتطور الأمور بسرعة؟ وقد كان انجازه الاعلامي مع المحطات الأمريكية الهامة (مع دان راذر من «سي بي اس»، وكاثي كوريك من الـ «ان بي سي، وكريستيان أمانبور من الـ «سي ان ان» موفقاً جداً، ورؤياه محددة. ونراه أيضاً يسعى مع الملكة رانيا لتقديم العون الانساني على فعل الأردن الايجابي نحو الشعب الفلسطيني، ولكن سياسات الحكومة جلبت على الأردن الكثير من الشكوى في هذا الزمن الصعب، ولا اعتقد ان هذا ينطلق مما قاله أحد الاعلاميين دفاعاً عن الأردن بأنه رغيف شعير مأكول مذموم. فهذا ادعاء لا يستند إلى أي حقيقة، لأن الفلسطيني يشعر بذلك أيضاً، ولكن هذا ليس وقت المهاترات والرد على قناة «الجزيرة» بهذا الأسلوب، بل هو وقت التفكير في المستقبل بعقل ذكي وروح ايجابية وثابة. إذا كان العمل المستقبلي في الأردن هو ما قامت به حكومة علي أبو الراغب، فيا ويلنا في الأردن، وبكل بساطة، ان جهود الملك عبدالله الثاني، والأردن المرابط الهمام، ومؤسساته المدنية، وشعبه الذكي العاقل يستحقون التقدير أكثر بكثير مما نسمعه من رئيس الوزراء وبعض وزرائه الذين ذكرونا بالأيام التي نود نسيانها من تاريخ الأردن، وهي ولله الحمد قليلة. ان التماسك الحقيقي والوحدة الوطنية تستند إلى تفهم الحكومة ان للشعب آمالاً وأشواقاً يجب ان يسمح لها بالحركة الفاعلة الايجابية، وإذا كان هنالك مثيرون للشغب، فلتقم الحكومة بدورها بمنع هؤلاء من الشغب، وليس عن طريق منع التعبير، وإنها سياسة خاطئة في هذا الزمن الصعب.