من اللافت ان الجبهة اللبنانية مع اسرائيل هي وحدها دون سواها من الجبهات الأخرى المتاخمة للدولة العبرية. ومع بدء العدوان الاسرائيلي على المناطق الفلسطينية، رفع حزب الله وتيرة المواجهة مع الجيش الاسرائيلي في مزارع شبعا، وهو المكان الذي يحظى بتغطية شرعية لبنانية على أساس انها أرض لبنانية محتلة ومسموح المقاومة فيها، كما يحظى على تغطية عربية في ضوء قرارات قمة بيروت التي دعمت حق لبنان في المقاومة، بالاضافة إلى شيء من التفهم الدولي للأسباب عينها، حتى ان اسرائيل توافق ضمناً على حصر المواجهة داخل هذه المنطقة. في مقابل فتح الجبهة اللبنانية في مزارع شبعا، كان لابد من ضبط الحركة على طول «الخط الأزرق» وهو الخط الذي رسمته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الاسرائيلي من لبنان في العام 2000، فقام الجيش اللبناني بمنع الفلسطينيين من التسلل إلى اسرائيل عبر الحدود اللبنانية، كما قام بتفكيك بعض قواعد للصواريخ كانت معدة للاطلاق. وتبدو الجبهة على الحدود اللبنانية مفتوحة ومضبوطة في آن ـ مفتوحة في مزارع شبعا أمام حزب الله، ومضبوطة على طول الحدود بوجه الجميع ـ وتبدو هذه اللعبة شديدة الخطورة وتتطلب حسابات دقيقة للحيلولة دون اعطاء اسرائيل أي ذريعة تستفيد منها، ودون انفجار غير محسوب. في هذا السياق صرح وزير الخارجية الايراني كمال خرازي من بيروت ان بلاده ينتابها «القلق»، ودعا إلى التحلي بدقة النظر وضبط النفس كي لا نعطي اسرائيل ذريعة لتوسع دائرة حربها. وفي موازاة الكلام الايراني، أوضح الرئيس اللبناني اميل لحود بأن «لا خيار أمام الفلسطينيين سوى المقاومة واستمرار الانتفاضة» وحدد الرئيس اللبناني بصورة جلية قواعد المواجهة مع اسرائيل حين أكد في مجلس الوزراء منذ أيام قليلة ان أي تحرك عبر الخط الأزرق غير مقبول، أما بالنسبة إلى الوضع في مزارع شبعا فهذه الأراضي لبنانية ومن حق لبنان استرجاعها بكل الوسائل المتاحة». التنبيه الايراني يتقاطع مع التأكيد اللبناني ويلتقي مع الموقف السوري، والكل يعرف ان من يريد ان يفتح جبهة يعطي العدو حق الرد، وكل البراعة بأن لا يفقد المبادر زمام المبادرة. في خضم هذه اللعبة لابد من متابعة دقيقة للموقف الاسرائيلي، فمن الواضح ان اسرائيل تحاول الفصل بين لبنان وسوريا وايران من جهة وما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة أخرى. غير ان العديد من الرسائل الاسرائيلية المعلنة والضمنية تدل على ان الجيش الاسرائيلي يعد خطة تقوم على توجيه ضربات عسكرية تنسي اللبنانيين حلاوة طعم الانتصار عليه، وتدمر القدرة الصاروخية لحزب الله، وتكسر «توازن الرعب» القائم في الوقت الحاضر. اللعبة على الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية مفتوحة، والكل يسير على خط رفيع فوق الهاوية، وفي اعتقادي ان التحذيرات الاسرائيلية ستتواصل، والحذر اللبناني ضروري، لكني لا أتوقع رداً اسرائيلياً غير تقليدي في الوقت الراهن. في كل حال الأمور مرهونة بما يحدث في الداخل الفلسطيني، ولا شيء يدل على ان ارييل شارون مستعد للبحث في حل سياسي كما تريد واشنطن، ولا شيء ينبئ بأن واشنطن مصممة على فرض حل معين على ارييل شارون، والقصة الأكبر تتمثل بالفظائع البربرية التي أقدمت عليها اسرائيل والتي تبدأت تتكشف فصولها يوماً بعد يوم في جنين ونابلس ورام الله وغيرها. إلى متى سيستمر هذا الوضع وكيف سينتهي؟ الجواب عند جورج بوش الذي مازال يصف ارييل شارون بأنه «رجل سلام» في حين ان رئيس الحكومة الاسرائيلية مصمم على ان يكون «رجل حرب» بامتياز. بدورها الجبهة الأمريكية ـ الاسرائيلية مفتوحة ومضبوطة في آن، ولكن لا أحد يعرف إلى أي حد؟