أطلق التزامن ما بين معاودة حزب الله لعملياته في مزارع شبعا «اللبنانية» المحتلة، وبين حرب شارون ضد الشعب الفلسطيني، صفارة الانذار «الدولية» من مخاطر فتح جبهة جديدة، تهدد بحرب اقليمية، ولم تكتف واشنطن، وتل أبيب كما الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة عن اطلاق التحذيرات ـ وآخرها تحذير نائب الرئيس الأمريكي «القاطع» ديك تشيني ـ للرئيس السوري بشار الأسد مباشرة بمسئوليته عن أي تطور دراماتيكي في الوضع. ولقد ادعت اسرائيل التي وجهت بدورها تحذيراً شخصياً للأسد «ضبط النفس» وترك الفرصة للدبلوماسية كي تحول دون فتح هذه الجبهة، في الوقت نفسه الذي استدعت الاحتياط ونشرت قوات كثيفة منه على «الحدود الشمالية»، وناقشت خططاً لتوغل في جنوب لبنان، وضرب أهداف سورية. وفي المقابل لم تهدأ جبهة المزارع، بل وصلت بعض الصواريخ المحدودة في اشارة رموزية سياسية إلى بعض المستوطنات الحدودية التي عادت إلى قضاء أيامها في الملاجئ، وإلى المرابض الاسرائيلية في هضبة الجولان السورية المحتلة. فليس أمراً خالياً من الدلالة ان تشتد الهجمات بعد كل اتصال وتحذير من قبل قادة الجيش الاسرائيلي أو نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أو غيره، ليصل عدد الصواريخ والقذائف التي رميت إلى أكثر من ألف قذيفة وصاروخ، والمهم هنا ليس العلاقة الاستراتيجية المعروفة بالمعنى الحرفي ما بين سوريا وحزب الله وايران، وتغطيتها السياسية الرسمية اللبنانية الداعمة، بل في ان كل هجمات حزب الله تتم كما كانت تتم الهجمات السابقة عبر غرفة عمليات مشتركة ما بين سوريا وحزب الله. وربماسمحت هذه الغرفة أو غضت النظر في اشارة رموزية أخرى، عن حكاية «الصواريخ المجهولة» و«توقيف» بعض المقاومين الفلسطينيين، أو رد هذه «الصواريخ» إلى عناصر مقاومة فلسطينية «غير منضبطة»، في الوقت نفسه الذي يسود فيه تفاهم فلسطيني ـ لبناني مقاوم في اطار تلك الاستراتيجية، على حصر المقاومة بحزب الله، انطلاقاً من حق المقاومة الوطنية اللبنانية بمقاومة المحتل في الأراضي اللبنانية المحتلة، التي يقول السوريون واللبنانيون خلافاً للأمم المتحدة وواشنطن انها أراض لبنانية محتلة. ولقد تمكنت دمشق وبيروت من التفاهم حول هذه النقطة انطلاقاً من ان الخط الأزرق هو خط الانسحاب وليس خط الحدود، وان الدول هي التي ترسم خطوط الحدود ما بينها وليس الأمم المتحدة التي تصادق على ما تتفق عليه الدول. وليست المشكلة هنا ما بين دمشق وبيروت اطلاقاً في لبنانية أو سورية المزارع، بل في التوافق الاستراتيجي على استخدامها عنصراً مفهوماً من ناحية القانون الدولي وأساليب عمل الدبلوماسية، لادارة الصراع مع اسرائيل، في اطار وحدة الجبهة اللبنانية ـ السورية، ونفوذها في العمق الفلسطيني عبر العلاقة مع حركتي حماس والجهاد ونويات حزب الله الفلسطيني، فضلاً عن المنظمات الوطنية الراديكالية الفلسطينية، فالطوق الشامي الممكن حول اسرائيل قد اقتصر فعلياً على المثلث السوري ـ اللبناني ـ الفلسطيني الراديكالي، والذي يرتكز على العمق الاستراتيجي الايراني ـ العراقي، ولا يحتاج استكماله سوى إلى اتفاق استراتيجي مع السلطة الفلسطينية، في حين ان هذا الاتفاق قائم مع الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. من هنا ليس مصادفة ان تضع دمشق في حسبانها الاحتمال الأسوأ وهو توسع الحرب الاسرائيلية ـ الفلسطينية إلى حرب اقليمية، تشكل سوريا طرفها العربي الأساسي المقابل، وان يترافق استدعاؤها للاحتياط مع الاستدعاء الاسرائيلي، ومع مرابطة عدة ألوية عراقية على الحدود السورية ـ العراقية لهذا الغرض بالذات، ومع تخبئة أسلحة حزب الله من غير طراز «الكاتيوشا» إلى حين الضرورة الاستراتيجية. وربما تندرج اعادة الانتشار السورية في هذا السياق، وان كان التبرير الرسمي السوري ـ اللبناني لها بأنها تطبيق لما نص عليه اتفاق الطائف، إذ يتيح ذلك في ظل اطمئنان دمشق وبيروت لعلاقتهما الاستراتيجية سحب ذريعة «الوصاية» العسكرية السورية. ورغم ان هناك ارادة «دولية» حازمة في الوقت الراهن للحيلولة دون ذلك، وابقاء العمليات في حدود ضيقة في ظل عدم الاستجابة السورية ـ اللبنانية للجمها، فإن كلاً من اسرائيل ودمشق تضعان في الحسبان احتمال الحرب الاقليمية، ولو كانت نسبتها في اطار الفيتو الدولي الراهن واحداً بالمئة، كما تضعان احتمال ضربة جديدة للبنية التحتية الاسرائيلية والسورية. غير ان مثل هذه الضربة يمكن ان تطور الأمور كاحتمال في اتجاهات دراماتيكية، قد لا يستطيع التفوق العسكري الاسرائيلي حسمها في ظل التقديرات الاسرائيلية التي سبق لحكومة باراك ان نشرت خطوطها الأساسية في الربع الأخير من عام 2000 حول رد الفعل السوري، فالتوازن العسكري السوري التقليدي مع اسرائيل هو اليوم صاروخي، وليس غير ذلك، غير ان هذا يشمل لدى دمشق وتل أبيب الاحتمالات «الأسوأ» في صيغة «اليوم اشتباكات وربما حرب غداً». في حين ان دمشق لا تفكر تكتيكياً إلا في خطة وقائية دفاعية وليست هجومية، ومن هنا تأكيدها «دبلوماسيا» انها لا تعمل لفتح جبهة ثانية، إذن لماذا تقف دمشق خلف استعار العمليات في المزارع؟ انه ببساطة ترسيخ الحق بالمقاومة، التي لو تخلت عنها دمشق لتخلت عن كل أوراقها وهنا يكمن لغز «الحكاية».