بيان الاربعاء: تدرك الولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية التي يضفيها موقع وموارد منطقة الخليج على دول مجلس التعاون الخليجي ومن ثم العلاقات معها. وليس مستغربًا أيضًا أن تدرك دول الخليج حقيقة الميزات الاستراتيجية، التي تتمتع بها المنطقة وتسيطر على الجزء الأكبر فيها لتقيم علاقات قوامها النفع المتبادل والذي يمكن أن يصل إلى حد الشراكة الاستراتيجية فيما بينهما والتي يصعب قطع أواصرها إلا في ظل حدوث متغيرات معينة يحرص الجانبان على إزالة كل بواعث ومسببات انطلاقها ونموها. بيد أن الأمر لا يسلم من ظهور توترات في العلاقات بين الطرفين، ولم تكن هذه التوترات وليدة ظروف وأحداث جاءت في فترة تاريخية معينة، وإنما كانت شكلاً من أشكال المناورة أو على وجه التحديد المساومة بين الطرف الأمريكي من ناحية والخليجي من ناحية أخرى للوصول إلى مستوى ودرجة من التوافق المصلحي تقضي بحصول كل طرف على الحد الأقصى من المكاسب والتقليل إلى أكبر حد ممكن من الإحساس بالخسارة تبعًا لمنظور كل طرف في معادلة التفاعل التي نحن بصدد دراستها. بمعنى آخر فقد عملت كل من الولايات المتحدة ودول الخليج على إحداث أكبر قدر ممكن من التوازن في مستوى العلاقات بينهما طوال نصف قرن مضى، ونجحا في الحفاظ على مستويات عليا من الاستقرار في التفاعلات البينية. لكن ذلك لم يمنع من وجود موجات من الفتور في العلاقات تتفاوت حدتها ودرجتها بين فترة وأخرى وتتباين كذلك دوافعها وتأثيرها وطرق حلها لإعادة مسار العلاقات إلى طبيعته. وقد تكون هناك أمور كثيرة قد تغيرت من عام 1991 وحتى الآن، لكن منطقة الخليج، كانت ومازالت، في بؤرة اهتمام واشنطن التي انصرف اهتمامها إلى الشأن الداخلي إبان ولايتي الرئيس كلينتون خلال العقد الماضي. وبدا أن السياسة الأمريكية آنذاك قد كانت من الافتقار إلى الرؤية فيما يتعلق بمدى إمكاناتها أو بمحاولة استشراف شكل المنطقة بعد 5 أو 10سنوات من منطلق تأمين المصالح الأمريكية والخليجية. ثلاثة مستويات ويبدو أن الافتقار إلى هذه الرؤية فيما عدا بعض الملامح التي تتبدى هنا وهناك هو السبب الرئيسي في إثارة التباين في المواقف بين دول الخليج والولايات المتحدة تجاه بعض القضايا الجوهرية الشائكة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، هذا فضلاً عن التغيرات التي شهدتها المنطقة ودفعت الطرفين: الخليجي والأمريكي، إلى مراجعة بعض مواقفهما إزاء عدد من القضايا. غير أن ذلك الاختلاف لم يمس جوهر المصالح التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول: ويشمل المصالح الحيوية والتي توصف بالاستراتيجية الأساسية والتي من غير المرجح أن تتغير في المستقبل المنظور، فأهداف الولايات المتحدة ناحية هذه المصالح ثابتة وذلك على سبيل المثال فيما يتعلق بأمن الطاقة وحاجة واشنطن لنفط الخليج والتي ترتبط مباشرة بالكيان الأمريكي ككل، بنيانيًا ووظيفيًا والحؤول دون وجود دول معادية ومواجهتها إن لزم الأمر، وحماية إسرائيل كحليف استراتيجي لواشنطن في المنطقة انطلاقًا من التزامها السياسي، ومكافحة «الإرهاب» الذي تتعرض له المصالح الأمريكية في المنطقة وحلفاؤها من الدول الخليجية فضلاً عن إسرائيل. المستوى الثاني: ويتضمن المصالح المهمة وتتعلق باستقرار أسعار النفط في الأسواق العالمية وعدم إتاحة الفرصة لأي طرف للتلاعب في سعر الطاقة أو استخدام النفط بشكل عام كسلاح سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن ارتباط ذلك بأمن الخليج والذي يقضي بردع أي محاولة لتهديده أو التأثير عليه سلبًا من جانب أي طرف، وإحداث درجة من الاستقرار تقلص من فرص التورط العسكري للولايات المتحدة في المنطقة وذلك عبر دعم عملية السلام بين العرب وإسرائيل ودعم استقرار الدول الحليفة الأخرى بالمنطقة ذاتها. المستوى الثالث: ويضم المصالح المفيدة وتتلخص في عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي لدول المنطقة بما يتوافق مع هيكل النظم المتبعة في الولايات المتحدة خصوصًا والغرب عمومًا. وتنطلق هذه الرؤية الأمريكية في دعم هذا النوع من الإصلاح، سياسيًا واقتصاديًا، من الرابط الموجود بين تشابه عمليات التطور ليبراليًا ورأسماليًا وبين تبني المواقف نفسها وتغليب القناعة لدى الغير بأن النظم المتبعة في الغرب ستساعد الآخرين على تحسين حياتهم مباشرة وتقدم أملاً وفرصًا حتى لأكثر المواطنين فقرًا. لكن، وبالرغم من ذلك، فإن التقارب الأمريكي الخليجي يثير عدة إشكاليات لعل أبرزها الجدل حول التواجد الأجنبي في منطقة الخليج، هذا فضلاً عن التحامل الدعائي الأمريكي ضد الإسلام والمسلمين والذي ظهر عقب اندلاع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة وتفجير برجي مركز التجارة العالمي وجزء من مبنى وزارة الدفاع «البنتاجون» على يد مجموعة يشتبه في انتمائها لدول إسلامية ومنها الاتهامات التي تم توجيهها إلى المملكة العربية السعودية. هذا بالإضافة إلى إشكاليات أخرى ناجمة عن هذا التقارب في ظل المأزق الذي قد تشعر به واشنطن من جراء إضعاف حلفائها في الخليج لموقفها من سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران اللتين تسعيان إلى تحسين علاقاتهما بجيرانهما الخليجيين، وخاصة أن تلك السياسة أثبتت إخفاقها في أحايين كثيرة. التواجد العسكري الامريكي وعمومًا فإنه يمكن تأكيد أن المقدرات الاستراتيجية الكثيرة التي تملكها الأقطار العربية وبالذات الخليجية التي تملك ثروة نفطية لا بأس بها، فضلاً عن الدور الذي تقوم به واشنطن على المسرح العالمي كقوة عظمى وكزعيمة للدول الصناعية والحضارة الغربية - يمثلان في الحقيقة قوى الجذب بين الطرفين الخليجي خاصة والعربي عامة من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. ولذلك لم يكن هناك بد أمام الولايات المتحدة من أن تلعب دورًا في شئون المنطقة بهدف تسييرها وفق مصالحها ودون التأثير في حقيقة انفرادها بالدور الرئيسي والفعلي في إدارة وتوجيه الشئون الدولية وبما يمكنها في النهاية من التفاعل مع كل المستجدات التي قد تطرأ وتعرقل تنفيذ توجهاتها. وفي هذا الإطار لوحظ اتجاه الولايات المتحدة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي إلى الاحتفاظ بقوات عسكرية كبيرة في الخليج وتطوير تواجد هذه القوات، ولوحظ أيضًا التطور في صيغة التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل والذي زاد من تعنت الأخيرة في ممارساتها مع الشعوب والدول العربية سواء في مواجهة الانتفاضة في الأراضي المحتلة أو في مماطلاتها بالنسبة لمبادئ التفاوض السلمي على مسارات التسوية المختلفة. وقد زاد هذا الدعم الأمريكي لإسرائيل من حقيقة الانطباع السائد بأن تحالفهما معًا يحتل أولوية عن التحالف الأمريكي ضمن القضايا الشائكة التي قد تعترض سبيل إقامة «شراكة» استراتيجية بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة. وهنا ينبغي التأكيد على مجموعة محاور الارتكاز التي تنتج فهما افضل لاسباب الخلاف بين امريكا ودول مجلس التعاون الخليجي من ناحية بعض القضايا ذات الصلة بالعلاقات الثنائية، منها: ـ من الصعوبة أن تلتزم الولايات المتحدة بسلوك «الدولة الصديقة» على الدوام مع دول الخليج العربية الست وذلك لتباين أهدافها والتزاماتها إزاء دول مجلس التعاون بالمقارنة بأهدافها والتزاماتها الأخرى تجاه قضايا الشرق الأوسط الأخرى. فالتزام واشنطن بأمن إسرائيل يجعلها لا تتردد في إغضاب الأطراف العربية إذا تطلب الأمر ذلك. ـ لا يمكن القبول باستمرار «عدم التكافؤ» في العلاقات الخليجية الأمريكية، ولا يمكن الارتضاء باستمرار «الخلل» في موازين القوى بين كافة الأطراف المعنية بأمن المنطقة، دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران والولايات المتحدة، تحت دعاوى «الاستقرار المؤقت أو النسبي» الحاصل حاليًا. ومن ثم فإن هناك حاجة لإقامة نظام متوازن طويل الأمد يضمن لدول الخليج سيادتها ووحدتها وأمنها واستقرارها. ـ شهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ 1999 وحتى عام 2001 جملة من التطورات على الساحة الخليجية كان فحواها الرغبة الأمريكية المتواصلة في زيادة ارتباط المنطقة بمنظومة أمريكية أمنية دفاعية، وتردد دول الخليج في الانضمام لها إلا وفق اشتراطات معينة، وتحسن العلاقات الخليجية الإيرانية، لا سيما على صعيد عقد - أو التباحث في عقد - اتفاقات أمنية، وغير ذلك الكثير خاصة على صعيد عملية التسوية السلمية، الأمر الذي بدا فيه نوع من التباين في وجهات النظر بشأن المواضيع الأكثر حساسية التي تدور بين دول الخليج الست والولايات المتحدة والعراق وإيران. احتمالات التغيير كشف هذا الوضع عن احتمالات حدوث تغير جوهري في معادلات التفاعل في الفترة المقبلة، ويؤكد ذلك ما تردده وكالات الأنباء بين فترة وأخرى بشأن التواجد العسكري الأمريكي وإمكانية سحبه وليس فقط التخفيف منه. فضلاً عن أفكار المجموعة الاستراتيجية العسكرية التي أحاط بها نفسه الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن الذي بدأ مهام الرئاسة بتوجهات متشددة جديدة كان أبرز مظاهرها حادثة طائرة التجسس الأمريكية على مقربة من سواحل الصين والعمل على تطبيق برنامج مظلة الصواريخ الاستراتيجية والتشدد في الخطاب الموجه نحو بغداد وطرد 50 دبلوماسيًا روسيًا فضلاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها التي لا تزال مستمرة حتى الآن. وفي ضوء هذه الاحداث جميعها يمكن تحليل قضايا العلاقات الشائكة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الست، ويمكن البدء اولا باستقرار اسعار النفط والعلاقات الاقتصادية الامريكية. لقد تبين عند دراسة محددات العلاقات الخليجية الأمريكية مدى ما يحتله النفط من مكانة في مصير ومستقبل العلاقات الثنائية بين الجانبين، وتوصل التحليل في منتهاه إلى حقيقة لا يمكن إنكارها تتعلق بما أشار إليه بعض الخبراء الخليجيين بأن القادم من الأحداث في الخليج له علاقة وثيقة بالنفط الذي أثر ومازال يؤثر في مسيرة دول الخليج التنموية وفي علاقاتها الدولية ونسيجها الاجتماعي ومستقبلها الاقتصادي. فدول الخليج ستظل تعتمد على النفط في معظم دخلها لسنوات عدة مقبلة، والأمر لا يعتمد على الإنتاج النفطي فحسب بل على كمية هذا الإنتاج وعلى سعره. رباط النفط لقد ارتبطت سياسة الولايات المتحدة بالمنطقة طوال الفترة الماضية التي تزيد على نصف قرن بإنتاج واحتياطات دول الخليج النفطية، وارتبطت الأخيرة بالولايات المتحدة عبر شركات إنتاج وتسويق وتكرير هذا المنتج، فضلاً عن حماية إمداداته وضمان تدفقه بأسعار مناسبة للدول الغربية المستهلكة وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولم يكن باستطاعة أي من الطرفين: دول الخليج والولايات المتحدة تجاهل حقيقة الاعتماد المتبادل التي كرسها تركز إنتاج واحتياطيات هذه المادة خليجيًا والارتباط الحيوي الأمريكي بها. لكن واقع المتغيرات الجديدة التي تفرضها صدمات النفط في الأسواق العالمية ارتفاعًا وهبوطًا تدفع إلى القول بضرورة بحث الأسباب المؤدية لذلك والتي تدفع بدورها إلى إعادة نظر استراتيجية في علاقة دول الخليج بهذه المادة والاستعداد للمتغيرات التي يمكن أن تؤثر في هذه المادة مستقبلاً. وقد زاد النفط في الخليج من المأزق الاقتصادي الذي تعيشه المنطقة، فبالرغم من مساهمة العائد النفطي منذ بداية اكتشافه وحتى الآن في خطط التنمية والتي حققت قفزات نوعية هائلة ، لاسيما على صعيد البنى التحتية ومعدلات التنمية البشرية المتقدمة - فإن الحقيقة تؤكد أن هذه التنمية هي تنمية مشوهة لاقتصاد تابع مصاب بواحدية مصدر الدخل المتأتي من النفط والذي يصل إلى 95% من إيراداتها. ويزيد من وقع هذا الأمر أن عمليات التبادل التجاري بين دول الخليج الست وغيرها، وخاصة الولايات المتحدة، تتركز في الصادرات النفطية مما يجعلها عرضة دائمًا للتقلبات والخضوع للتداعيات الناجمة عن الخلل في الميزان التجاري مع الغير، حيث تصل الصادرات إلى أكثر من 99%. وقد رتب هذا الوضع عددًا من الانعكاسات كان أبرزها الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للدخل ومن ثم للإنفاق الأمر الذي يترتب عليه الانكشاف للخارج. فمعدلات النمو الاقتصادي تتغير في هذه الدول تبعًا للتغير في حركة عائداتها النفطية مما يزيد من إمكانية التعرض لموجات متعاقبة من الرواج والركود. ويرتبط بهذا الانكشاف والتبعية للخارج قضايا من قبيل الاستقلال الثقافي والأمن الاجتماعي والعسكري وسبل توفير متطلبات الغذاء والدواء والاحتياجات التكنولوجية المستوردة من الخارج وذلك بحكم الاعتماد شبه الكلي على الأسواق الخارجية لتلبية المتطلبات الأساسية للحياة اليومية. الحلقة الاضعف وعلى الرغم من التداعيات المترتبة على كل ذلك على الاقتصاد الخليجي، فقد حُمّلت دول الخليج الست بمسئولية ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية والحصول على سعر يناسب الدول المستهلكة ودون إلحاق الضرر باقتصاداتها. وهذا عكس الواقع، فالسعودية وحدها ومعها الدول الخليجية الأخرى المنتجة للنفط بمنظمة الأوبك استطاعت تعويض توقف الإنتاج والصادرات الكويتية والعراقية إبان أزمة الخليج الثانية، وتمكنت الكويت وعقب تحريرها من مفاجأة أسواق النفط بقدرتها غير المنتظرة على استعادة سريعة للغاية لإنتاجها النفطي ونجاحها في إطفاء حرائق آبارها النفطية في زمن قياسي، ونجحت دول الأوبك الخليجية في التعامل مع الأزمات النفطية التي كانت تنتج عن بعض التوترات في المنطقة. ولم يقتصر دور الدول الخليجية المنتجة للنفط بمنظمة الأوبك على مجرد تعويض نقص الإنتاج في ظل ظروف معينة سادت المنطقة بين فترة وأخرى، إذ كان لها دورها الذي لا يُنكر في الحصول على سعر عادل لبرميل النفط بحيث لا ينخفض إلا في حالات محدودة إلى دون مستواه الحقيقي إلا في حالات محدودة، بمعنى آخر فقد ألزمت دول الخليج النفطية وعلى رأسها السعودية بقية الدول الأخرى المنتجة للنفط سواء بمنظمة الأوبك أو خارجها بعدم تجاوز الحصص المقررة لها حتى لا تنهار الأسعار ورغم أنها أخفقت في بعض الأزمات فإنها حققت نجاحًا في بعضها الآخر، مما أثار ردود فعل غاضبة من جانب الولايات المتحدة التي اضطرت في عقد التسعينيات الفائت، وخاصة في أواخر هذا العقد، إلى إطلاق آلتها الإعلامية لتندد بمحاولات رفع الأسعار في منظورها ودشنت رحلات مكوكية لمسئوليها النفطيين وعلى رأسهم وزير الطاقة والتجارة إلى دول الخليج لبحث سبل الوصول إلى ما اعتبرته واشنطن من جانبها سعرًا عادلاً لخام النفط تستطيع من خلاله إعادة تزويد مخزونها الاستراتيجي بما يحتاجه. على صعيد آخر يشكل النفط الجزء الأكبر من مضمون التبادل التجاري بين دول الخليج من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، لذلك فكثيرًا ما تنتقد العلاقات الاقتصادية بين الجانبين لقصورها على النفط الناضب بالأساس والمتعرض بشكل مستمر لهزات السوق و لإخفاق دور عمليات التبادل التجاري المحدودة تلك في توسيع وتعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول. ويلاحظ في هذا الإطار ارتفاع قيمة الصادرات الخليجية إلى الولايات المتحدة لتركزها في النفط بالأساس، وتبلغ قيمة هذه الصادرات بالنسبة للسعودية 1800مليون دولار سنويًا و 1400 و214 و264 و670 و 205 ملايين دولار بالنسبة لكل من الكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان على التوالي. أما الواردات فهي بالترتيب كالتالي 615 و1170 و393 و170 و2900 و 217.6 مليون دولار. ولا شك في أن زيادة الصادرات وبمعدل أكبر من الزيادة في معدل نمو الواردات تعد عاملاً إيجابيًا في تحسن الميزان التجاري، إلا أن اعتماد الصادرات الخليجية وبنسبة كبيرة على النفط يقلل من أهمية الاعتماد على هذا المؤشر في تقييم التقدم الاقتصادي والاجتماعي ورصد التطور المستقبلي، ذلك لأنه ليس بمقدور الدول التي تمتلكه التحكم في تحديد أسعاره دومًا. وتبدو حقيقة الخطر الناجم عن ذلك بالنظر إلى تذبذب أسعار النفط في الأسواق العالمية وانخفاضها في معظم الفترات مما يؤدي إلى هبوط واضح في مؤشر التبادل التجاري الخليجي الأمريكي، وإلى ارتفاع أسعار الموارد المستوردة من البلدان الصناعية المتقدمة وبنسب أكبر من الزيادة في أسعار المواد المصدرة من البلدان العربية والواقع يؤكد أن السعر الحقيقي للبترول اليوم يقل عن مستواه السائد أثناء حرب أكتوبر، حيث استطاعت الدول المستهلكة حرمان الدول المنتجة من المكاسب التي تحققت في السبعينيات، ونجحت الأولى في تكوين مخزون هائل من المادة الخام استطاعت به تقويض الميزة الاستراتيجية التي تملكها دول الإنتاج الخليجية بالأوبك. وفي المقابل لم تتوان دول الغرب وبعد أن فرضت ضريبة الكربون على كل برميل نفطي أن ترفع من أسعار الكثير من المنتجات المطلوبة بدول الخليج والذي جسد حقيقة قدرة الغرب والولايات المتحدة على استرجاع فوائض النفط التي حصلتها دول الخليج من بيع نفطها عبر بيع منتجات أخرى كثيرة تمتلئ بها أسواق المنطقة. ضعف الاستثمار الامريكي ولا شك أن ذلك الوضع يقلل كثيرًا من فرص تحقيق كسب في المواقف السياسية للدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، حيث أخفقت دول الخليج في تحقيق ثمرة تسخير إمكاناتها لخدمة قضاياها. فقد أشار تقرير مصرفي حول العلاقات الاقتصادية الأمريكية الخليجية - إلى إمكانية قياس أهمية البعد التجاري في العلاقات ما بين الطرفين من خلال عدة اعتبارات من أهمها: أن دول مجلس التعاون الخليجي تمثل كيانًا اقتصاديًا واحدًا، وأنها تحتل المرتبة الـ 15 من بين أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وأن الأخيرة تعد ثاني أكبر شريك تجاري لدول المجلس، وهي أكبر مصدر منفرد لما تستورده دول المجلس، وتقوم واشنطن حاليًا باستيراد ما مقداره 11 مليون برميل من النفط الخام ومنتجاته يوميا منها حوالي 1.8 مليون برميل من دول المجلس. وقد شكل النفط على مدى السنوات الخمس الأخيرة نسبة تتراوح ما بين 76-86% من واردات الولايات المتحدة من دول المجلس، وهناك ما بين 56-71% من صادرات الولايات المتحدة إلى دول المجلس من السلع المصنعة والمواد الغذائية الأخرى، الأمر الذي جعل الميزان التجاري بين الطرفين يميل للصالح الخليجي؛ حيث يوجد عجز تجاري في جانب الولايات المتحدة لا يقل عن ملياري دولار سنويًا كان من المتوقع أن يزيد مع هبوط الصادرات الأمريكية إلى دول مجلس التعاون إلى رقم قياسي يقدر بمبلغ 9مليارات دولار عام 2000. وبالرغم من ذلك فإن جدوى وقيمة العلاقات الاقتصادية التجارية الخليجية مع واشنطن لم توظف بالشكل الأمثل لخدمة القضايا السياسية الخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية بشكل عام. بل إنه يمكن القول إن جدوى وقيمة تلك العلاقات لم تدفع بالحوار الاقتصادي الخليجي الأمريكي إلى الأمام بدليل أن الجولة العاشرة للحوار التي عقدت في واشنطن في أكتوبر عام 2000 لم تفلح في إزالة المعوقات التي تواجه السلع الخليجية في طريقها إلى السوق الأمريكية ولم تفلح أيضًا في رفع قيمة الاستثمارات الأمريكية في دول المجلس والتي لا تزال قليلة بالمقارنة بحجم الاستثمارات الخليجية في السوق الأمريكية.. هذا بالرغم من أن جولات الحوار تلك بدأت منذ عام 1985 ولم تسفر في نظر الكثيرين عن النتائج المنتظرة، فتبعًا لتقرير استعرضه وزراء المال والاقتصاد بدول الخليج في اجتماعهم الأخير الذي عقد بالرياض في أكتوبر من عام 2001 حول المفاوضات مع المجموعات والتكتلات الاقتصادية الدولية - أبدت دول التعاون استياءها وخيبة أملها لعدم استجابة الجانب الأمريكي للخطوات الإيجابية التي اتخذتها دول الخليج الست في سبيل حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة الغش التجاري وبراءات الاختراع ضمن «قائمة الملاحظات» الأمريكية التي تقلل من إمكانية تفعيل الشراكة الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، واعتبرت دول الخليج في اجتماع المراجعة النصفي الرابع مع الولايات المتحدة أن «قائمة الملاحظات الأمريكية» سبق أن رفعت بعض دول الخليج منها ثم أعيدت وأنه على الجانب الأمريكي عدم التركيز على حالات قليلة يتم الإخلال فيها بحقوق الملكية الفكرية ويصعب السيطرة عليها، وأن مثل ذلك يحدث في أماكن كثيرة من العالم ومن ثم فإنه لا يجب تعميم مثل هذه الحوادث وألا تكون سببًا في وضع دول المجلس على قائمة الملاحظة.