لم يكن الأمر مصادفة أن أخترتُ «جنين» إسماً للمركز الذي أطلقته منذ سنوات وأدير أعماله من العاصمة الأردنية ومن أراضي السلطة الفلسطينية بشكل جزئي ومتقطع وأقصد: مركز جنين للدراسات الإستراتيجية. بدأت حياتي العملية، ولم أكن قد بلغت الثامنة عشرة من العمر، مدرساً في مخيم جنين. كنت أدرّس اللغة العربية (قبل ذهابي لجامعة دمشق ودراستها هناك) وكذلك اللغة الإنجليزية أيضاً (والتي كان يجب أن تكون تخصصي في جامعة دمشق. خطأ إداري منع ذلك). لم أكن أتوقع أن يأتي يوم يصبح فيه هذا المخيم «أسطورة العرب». والفضائيات العربية والأجنبية تتحدث عن الصمود أمام قوات الجيش الرابع في العالم، والذي غيّر قادة الحملة ثلاث مرات لفشلهم في الإقتحام، فيما لم تصمد جيوش العرب عام 1967م أمام هذا الجيش الذي لم يكن بهذه القوة والتسليح وإمتلاك كافة أصناف الدمار إستثماراً لأحدث تكنولوجيات العالم لم تصمد سوى لبضع ساعات، وباقي الأيام الستة: أيام الحرب كانت إستكمالاً للإنسحاب. حرب الديلوكس ونزهة الدبابات، كما يسمونها في أدبياتهم السياسية والعسكرية، أراهن أن الجيش الإسرائيلي لو تكبّد خسائر مماثلة في مواقع أخرى من أراضي السلطة، لسقطت حكومة شارون على الفور ولحدثت تفاعلات واسعة في المجتمع الإسرائيلي. لم يحن الوقت بعد لفتح الملف على مصراعيه. هذا أمر محّرم لا يمكن الخوض فيه قبل أن تهدأ الجنازات وتنغلق بيوت العزاء. هناك حديث لم يحن أوانه وحديث لم يحضر أهله، كما يقول أحد الأئمة «قُلْ كلمتك وامشِ» شعار أخلاقي بحت ولا علاقة له بالسياسة ولهذا فإنني لست من أنصاره. وأعود للمخيم لأستذكر أنه، مثل كل مخيمات اللجوء، كان منارة للعمل الوطني والقومي في الخمسينيات والستينيات. كان النشطاء الفلسطينيون يعتقدون أن العمل في إطار الأحزاب القومية واليسارية وربما الإسلامية ـ التي كانت ضئيلة الحجم والتأثير في ذلك الزمان ـ هو المدخل لتحرير فلسطين، لكن العديد من نشطاء المخيم، في وقت ما من عقد الستينيات، إندفعوا منذ زمن مبكر للعمل في إطار التنظيمات الفلسطينية الناشئة آنذاك. لا أعرف إذا كنت أذيع سراً حين أكتب أن العملية الفدائية الأولى لتنظيم «شباب الثأر» قد إنطلقت من شباب في مخيم جنين عام 1964م وقبل إنطلاق حركة فتح. كنا نحن القوميين العرب نؤمن بعدم توريط أية دولة عربية ـ وخاصة مصر ـ في حرب مع إسرائيل دون أن تكون مستعدة لها. ولهذا أنشأت الحركة ـ حركة القوميين العرب ـ تنظيماً فدائياً يقوم بالتنسيق مع «القاهرة» في شن هجماته المسلحة، وكنا نرفع التاءات الثلاثة: توقيت، تنسيق، توريط. أي أنه لا بد من التنسيق مع زعامة مصر الناصرية حتى توقّت المعركة، ولا تتورط قبل الأوان. لكنها تورطت قبل الأوان، وإذا كان لدينا مؤرخون شجعان: يعلمون الناس ويزيلون الإلتباس، كما تقول صيحة المصلح العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي، فإن واجبهم، والرائد لا يكذب أهله، أن يراجعوا وقائع تلك الحرب: حرب 1967م وهل ما حدث قدر لا مفر منه. أسترق السمع بدقة متناهية لأسماء شهداء المخيم، واكتشف دون صعوبة، انهم أبناء أو أحفاد أولئك النشطاء الوطنيين: القوميين وغيرهم، الذين تعرفت إليهم في بداية حياتي العملية والنضالية، ودخلت معهم السجون والزنازين حين أطلقنا المظاهرة الأكبر في ذلك المخيم وتلك المدينة الباسلة مطالبين بالإنضمام للوحدة الثلاثية: وحدة مصر وسوريا والعراق والتي لم تتم على أية حال. حين حدثت مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982م أقمنا الدنيا ولم نقعدها لتوثيق المذبحة وكانت الفضيحة أن الكتاب الأهم عن تلك المجزرة قد أصدره كاتب يساري يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والفرنسية وهو: أمنون كابليوك ـ واليوم فإن العديد من الأصدقاء من داخل وخارج الوطن الفلسطيني يطالبون بتوثيق ما حدث هناك في عشرة أيام هّزت العالم. في عصر التكنولوجيا المتقدمة، يمكن التفكير في وسائل عديدة لمثل هذا التوثيق ولأفضل السبل لأكبر تأثير ممكن على العالم بأسره في عصر القرية الكونية الكبرى: عصر تدفق المعلومات الأسطوري: عصر الجيل الثالث من أجيال حقوق الإنسان: جيل الإخاء الإنساني الذي شاهدنا معالمه على كل فضائيات العالم وفي كل الشوارع الفسيحة في عواصم القارات الخمس، ضد الإجتياح الإسرائيلي.