بيان الاربعاء: منذ بداية القرن العشرين، لم يبخل الفلسطينيون بتقديم التضحيات الجسيمة على مذبح استقلالهم وتحررهم من نير الاستعمار، وقابلهم على الجانب الآخر المعادي كرم اسرائيلي، منقطع النظير بغطاء بريطاني ـ امريكي بارتكاب مجازر مروعة بحقهم من أجل القضاء على تواجدهم من الخارطة البشرية وبالتالي دثر قضيتهم العادلة في غياهب ادراج الامم المتحدة. وامام حجم المؤامرات الكبيرة التي تعرض لها هذا الشعب المسالم على مدى الاعوام المئة الماضية، اضطر الفلسطينيون لاتباع اساليب نضالية شتى للدفاع عن حق تواجدهم على الخارطة الدولية واقناع العالم بعدالة قضيتهم، وقد اختلفت نوعية الاساليب النضالية التي اتبعها الفلسطينيون حسب الظرف السياسي لكل حقبة زمنية عاشها النضال الفلسطيني حتى جاء عام 1948 وهو عام النكبة، حيث استفاق الفلسطينيون على واقع مرير عانوا خلاله الشتات والتشرد في الدول العربية المحيطة بفلسطين التي استوعبت اعدادا كبيرة منهم كلاجئين نصت قرارات الشرعية الدولية منذ ذلك التاريخ على حقوقهم بالعودة والتعويض. ورغم معاناتهم في رحلة الشتات التي فرضت عليهم بغطرسة القوة الاسرائيلية المدعومة بدهقنة سياسية بريطانية امريكية غربية، الا ان الفلسطينيين انخرطوا في صفوف العديد من حركات المقاومة العربية التي كانت تقاتل من اجل استقلالها وسيادتها وتحديدا في عدد من الدول العربية التي لجأوا اليها كلاجئين، حتى جاء عام 1965 وهو التاريخ الذي شهد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي ضمت تيارات سياسية متعددة التقت على هدف واحد وهو تحرير فلسطين بواسطة الكفاح المسلح الذي تم التعبير عنه على ارض الواقع من خلال العمليات الفدائية الفلسطينية التي كانت تنفذها مجموعات فلسطينية مسلحة تجتاز حدود دول الطوق وصولا الى الاهداف الاسرائيلية المنوي ضربها داخل الاراضي المحتلة. شكلت نكسة عام 1967 واحتلال القوات الاسرائيلية لكامل الاراضي الفلسطينية ضربة محطمة لآمال الفلسطينيين بتحرير وطنهم، انبثق عنها واقع سياسي مرعب عززته تيارات فلسطينية متعددة طالما نادت بضرب المصالح الغربية والاسرائيلية في مساحات العالم المختلفة للتعريف بالقضية الفلسطينية وفرضها على الاجندة الدولية وتغيير نظرة العالم المنحازة لاسرائيل وهي الفترة التي اصطلح على تسميتها فلسطينيا بالعمل الدعائي المسلح. ولقد جاء اغلاق الحدود العربية امام العمل الفدائي الفلسطيني في كل من الاردن وسوريا ومصر باستثناء لبنان حتى عام 1982 التي كانت تعد ساحة اساسية لشن هجمات فلسطينية ضد القوات الاسرائيلية، لتتجسد مطالب التيارات الفلسطينية المتشددة كفعل على ارض الواقع بضرب المصالح الغربية والاسرائيلية سواء في الدول الغربية او العربية. وقد شهد عام 1969 بداية جريان هذا السيل الجارف من العمل العسكري الفلسطيني الخارجي ضد الاهداف الاسرائيلية والغربية حينما اقدمت مجموعة العمل الخارجي بزعامة وديع حداد التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على اختطاف ثلاث طائرات غربية وارغامها على الهبوط في قاعدة عسكرية اردنية في مدينة المفرق شمال الاردن، ليستفيق العالم بعد وقت قليل من المحاولات التي بذلت لاقناع الخاطفين بتسليم انفسهم على هول الصدمة، حينما اقدم الخاطفون ردا على رفض اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية تلبية مطالبهم على تفجير الطائرات الغربية الثلاث وهي رابضة على مدرجات القاعدة العسكرية الجوية الاردنية ومغادرة الخاطفين الى دولة عربية اخرى. منظمة ايلول الاسود وتتالت العمليات العسكرية الفلسطينية في ساحات العالم المختلفة فيما بعد حتى فترة اوائل السبعينيات التي شهدت تصاعدا ملفتا لمثل هذا الاسلوب من العمل العسكري بعد ان اقدم عدد من قياديي حركة فتح «ابو حسن سلامة، ابو داود، صلاح خلف ابو اياد، كمال عدوان، كمال النجار،.. الخ» على تأسيس منظمة ايلول الاسود التي انبثقت من واقع سياسي محبط عاشه الفلسطينيون جراء ارغامهم على مغادرة الاراضي الاردنية التي كانت تشكل بالنسبة اليهم ركيزة اساسية لعملهم العسكري ضد القوات الاسرائيلية، وتوالت فيما بعد العمليات العسكرية التي قامت بها هذه المنظمة في ساحات العالم المختلفة وطالت ايضا دولا عربية ومسئولين فيها تركز معظمها على الاردن والمسئولين فيها اغتيال رئيس الوزراء الاردني الاسبق وصفي التل، محاولة اغتيال السفير الاردني في بريطانيا الذي يتولى حاليا رئيس مجلس الاعيان الاردني زيد الرفاعي، مهاجمة واقتحام العديد من المنشآت والمصالح الاردنية داخل العاصمة عمان. وكانت اصخب العمليات العسكرية الخارجية التي نفذتها منظمة ايلول الاسود واحدثت دويا دوليا غير مسبوق حينما داهمت مجموعات فلسطينية مسلحة مقر البعثة الرياضية الاسرائيلية الى اولمبياد ميونيخ واحتجازهم كرهائن قبل ان تقرر السلطات الاسرائيلية والالمانية مهاجمة الخاطفين لتخليص الرهائن اسفر عنها مقتل عدد كبير من الرياضيين الاسرائيليين وغالبية الخاطفين، ليقوم فيما بعد بسنوات قليلة جهاز الموساد الاسرائيلي بتشكيل مجموعة خاصة لاغتيال جميع مسئولي منظمة ايلول الاسود في دول العالم المختلفة باستثناء «ابو داوود» الذي نجا في بروكسل من محاولة اغتيال اسرائيلية بعد ان زرع المهاجمون بجسده عشرات الطلقات. ومثلت حقبة السبعينيات حتى اوائل الثمانينيات فترة ذهبية للعمل العسكري الفلسطيني الخارجي باستهداف المصالح الاسرائيلية والامريكية والغربية وفي بعض الاحيان العربية وقامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة وديع حداد خلال هذه الفترة من اجل تعزيز نشاطها الخارجي باقامة علاقات وطيدة مع منظمات مسلحة غربية واسيوية مثل الجيش الجمهوري الايرلندي، الجيش الاحمر الياباني، منظمة بادرمانيهوف الالمانية، منظمة ايتا الاسبانية، منظمة 17 نوفمبر اليونانية منظمات ايطالية متطرفة، ثوريين امميين عالميين مثل كارلوس والجيش الارمني السري.. الخ، وافتتح لهذا الغرض معسكرات تدريب انتشرت بين سوريا ولبنان واليمن والسودان، وبدأت تخرج مجموعات متمرسة من هذه المعسكرات ونشرها في دول مختلفة لضرب المصالح الامريكية والاسرائيلية في اي مكان من العالم واقدمت مجموعة تابعة للجبهة الشعبية ـ وديع حداد ـ بقيادة الفنزويلي كارلوس ويعاونه انيس النقاش في اواسط السبعينيات على اختطاف وزراء الاوبك الذين كان من بينهم وزراء نفط عرب ابرزهم انذاك وزير النفط السعودي «اليماني». لتتوالى بعد ذلك العمليات الخارجية، في مطار عنتيبي في اوغندا واحتجاز وزراء عرب في السودان، واختطفت مجموعة من الجيش الاحمر الياباني بقيادة كوزواوكاموتو طائرة العال الاسرائيلية وارغامها على الهبوط في مطار اللد، وضرب العديد من المطارات الغربية «مالطا، فالتيا، باريس». اتهام الفلسطينيين بالارهاب وقد ارعب الفلسطينيون العالم بعملياتهم هذه التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، واستغلت اسرائيل رفض المجتمعات الغربية اسلوب العمل العسكري الخارجي الذي انتهجته الفصائل الفلسطينية المتشددة لتلصق بحركة النضال الفلسطيني تهمة الارهاب، بما انعكس بالسلب على مجريات القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وبدا ان هذا الاسلوب الذي كان يراد منه اسماع العالم صوت الفلسطينيين وتعريفه بعدالة قضيتهم وكأنه السيف المسلط على رقاب الفلسطينيين في دول العالم المختلفة بحيث حد هذا الامر من نشاطاتهم السياسية الفعلية لكسب تعاطف الدول الغربية المؤثرة في القرار الدولي، هذا عدا عن الخلافات الحادة التي ولدها هذا الاسلوب من العمل العسكري بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية المعتدلة، وبرزت اصوات فلسطينية فاعلة طالبت بوقف هذا العمل. ومع تصاعد رفض بعض التيارات الفلسطينية والمحيط الرسمي المؤثر العربي لاسلوب العمل العسكري الفلسطيني الخارجي اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة عشر عام 1997 قرارا رفض فيه هذا النمط من العمليات لم تلتزم به كافة الوان الطيف السياسي الفلسطيني، لكن كان له تأثيرا ملحوظا على نوعية وحجم العمليات العسكرية الخارجية التي تم تنفيذها بعد هذا التاريخ، ولكن في المقابل صعدت الثورة الفلسطينية من عملها العسكري واحصرته بالاهداف الاسرائيلية داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة وابتكرت اساليب متعددة لانجاح عملها العسكري ضد الاسرائيليين في الاراضي الفلسطينية مثل الطيران الشراعي والمناطيد وارسال مجموعة مسلحة من دول مشاطئة للبحر المتوسط «عملية القدس التي نفذتها جبهة التحرير الفلسطينية بزعامة ابو العباس» بعد الخروج من بيروت وانطلقت من ليبيا ليرسل فيما بعد مجموعات تابعة له الى ايطاليا لكي تستقل باخرة «اكيلي لارو» في طريقها الى ميناء اشدود في فلسطين المحتلة ولكن عامل الصدفة هو الذي ادى الى كشف افراد المجموعة الذين سارعوا الى اختطاف الباخرة بما عرف على الصعيد العالمي باختطاف باخرة «اكيلي لارو». هكذا اذن ومنذ عام 1997 بدأ العمل العسكري الفلسطيني الخارجي بالتراجع وان شهدت هذه الفترة وحتى اواسط الثمانينيات بعض العمليات الخارجية التي لاقت رفضا من دائرة القرار الفلسطيني وبعض التيارات الفلسطينية الاخرى، بما يمكن القول ان نهاية الثمانينيات كانت بمثابة اندثار حقيقي لهذا الاسلوب من ابجدية الخارطة السياسية الفلسطينية وان كانت الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الغربية وبضغوط اسرائيلية واضحة حاولت في اواسط الثمانينيات من اتهام الفلسطينيين بالعديد من العمليات المسلحة التي شهدها العالم مثل محاولة الزج بمنظة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة ـ بزعامة احمد جبريل في حادثة تفجير طائرة «بان ام» الامريكية الغامضة فوق بلدة لوكيربي الاسكتلاندية... الخ تيار سياسي براجماتي وشهد العام 1991 وهو العام الذي انعقد فيه مؤتمر مدريد للسلام بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية تحت مظلة الوفد الاردني حتى اللحظة التي اعلن فيها عن مفاوضات اوسلو السرية واتفاق غزة ـ اريحا اولا بين الفلسطينيين والاسرائيليين شهد بروزا قويا للتيار السياسي البراجماتي الفلسطيني الذي امسك بكافة مناحي الاوضاع السياسية لاسترجاع الحقوق الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس عبر المفاوضات السياسية المباشرة مع الاسرائيليين برعاية امريكية روسية وغطاء عربي، قابله على الجانب الاخر غياب حقيقي للتيارات الفلسطينية المؤمنة بالكفاح المسلح سواء في الساحات الخارجية او داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة او عبر الحدود العربية وهي المرحلة التي اصطلح المراقبون على وصفها بأن الفلسطينيين وضعوا جميع بيضاتهم في سلة السلام الامريكية، وكاد هذا الوصف ان يسود في الساحة الفلسطينية من حتى بدأت المنظمات الاسلامية الفلسطينية حركتي حماس والجهاد الاسلامي بتنفيذ اسلوب جديد لم تعهده الساحة الفلسطينية من قبل من العمل العسكري الفلسطيني حينما بدأت سرايا الاستشهاديين بتفجير انفسهم وسط تجمعات اسرائيلية، وهو امر ادى الى احداث شرخ وخلافات حادة بين الفلسطينيين هدد في كثير من الاوقات بنشوب حرب اهلية فلسطينية بعد ان بدأت اجهزة السلطة الفلسطينية بمطاردة الاجنحة العسكرية للمنظمات الاسلامية واعتقال كوادرها. وقاد التيار السياسي البراجماتي الفلسطيني دفة المفاوضات مع اسرائيل على مدى العشر سنوات الماضية وفق استراتيجية مفادها ان السلام هو خيار الفلسطينيين الوحيد والتي اصطدمت بخيبة امل على صخرة الصلف والرفض الاسرائيلي للاقرار بالحقوق الفلسطينية الثابتة والمشروعة والمدعومة بانحياز امريكي سافر ظهر جليا في مفاوضات كامب ديفيد الثانية. العودة الى الانتفاضة المسلحة وبفشل مفاوضات كامب ديفيد جراء رفض الجانب الاسرائيلي التسليم بالحقوق الفلسطينية والغطاء الامريكي اللا محدود للدولة العبرية واللامبالاة الاوروبية، لم يجد الفلسطينيون خيارا اخر امامهم سوى العودة الى انتفاضتهم التي فجرها زيارة السفاح شارون للمسجد الاقصى. وتميزت انتفاضة الفلسطينيين الثانية التي اطلق عليها تسمية انتفاضة الاقصى بطابعها العسكري الذي تصاعد مع مرور الوقت جراء ردة الفعل العسكرية العنيفة التي انتهجتها حكومة باراك وازدادت شراستها الدموية مع مجيء شارون الى سدة رئاسة الوزراء الاسرائيلية بحيث ارتكز الردع الفلسطيني للآلة العسكرية الاسرائيلية الفتاكة على تنفيذ العمليات الاستشهادية في قلب التجمعات الاسرائيلية في كافة الاراضي الفلسطينية والعمق الاسرائيلي وضرب التجمعات الاستيطانية والاهداف العسكرية الاسرائيلية. لكن ومع شراسة الاجراءات والعمليات العسكرية التي عمد رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون في الاونة الاخيرة الى اتخاذها من خلال الزج بمئات الدبابات والاف الجنود الاسرائيليين لاعادة احتلال المدن الفلسطينية ومارافق ذلك من حصار غير مسبوق للرئيس الفلسطيني ما اشعر الفلسطينيين بالاهانة، وعمليات اعدام بدم بارد للمدنيين الفلسطينيين برزت اصوات مؤثرة في الساحة الفلسطينية تطالب بالعودة الى فتح ساحات خارجية ضد اهداف اسرائيلية وامريكية في دول العالم المختلفة وادخال هذا الاسلوب في اساسيات الردع الفلسطيني للعدوان الاسرائيلي الى جانب العمليات الاستشهادية والنشاطات العسكرية والفلسطينية الاخرى التي تنفذها المقاومة الفلسطينية داخل الاراضي الفلسطينية وكذلك برزت دعوات عربية وفلسطينية رسمية طالبت بفتح الحدود العربية لامداد الفلسطينيين الذين تحاصرهم الدبابات الاسرائيلية في المدن الفلسطينية بالسلاح واشير الى هذ الامر بوضوح لاول مرة في مقررات قمة بيروت العربية. ولان الاشارة الى معاودة الفلسطينيين الى انتهاج ضرب المصالح الاسرائيلية الامريكية في ساحات العالم الخارجية تحظى باهتمامات اجندة الامن الغربية والامريكية تحديدا، وان العواصم الغربية ستكون الميدان الاكثر ترجيحا لتنفيذ مثل هذه العمليات بما يؤدي ذلك الى حالة من فقدان الامن وعدم الاستقرار داخل المجتمعات الغربية التي ذاقت ويلات هذا العمل في فترة سابقة فان تلويح الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالعودة الى هذا الاسلوب فعل فعله داخل اروقة اجهزة الاستخبارات العالمية التي باتت بحاجة ماسة لمعرفة فيما اذا كانت نار الانتقام الفلسطيني ستطال عواصمها.