لا يزال الرجوب يرفض الحديث عن المسائل العملياتية في صدد هجمات المقاتلين الفلسطينيين التي قادها من تونس، مع انه يعترف بمعارضته القديمة لاستهداف المدنيين ومعظم عمليات حركة فتح بين عامي 1988 و1993، كانت موجهة ضد الجنود الاسرائيليين والمستوطنين الصهاينة. والفلسطينيون ينظرون الى المستوطنين باعتبارهم مقاتلين وهو ما يرفضه الاسرائيليون بقوة. لكن الرجوب تحدث عن عملية واحدة ظلت تفاصيلها سراً، حتى الآن، وهي محاولة اغتيال ارييل شارون عام 1992. ومع ان شارون حينها كان وزيراً للاسكان الا انه كان اكثر المطلوبين لمحاولات الهجوم منذ عام 1982 بعد هجومه على بيروت واخراج ياسر عرفات منها. يقول الرجوب ان قادة فتح لتحقيق رغبتهم هذه حينما عرض اسرائيلي اسمه رفائيل ابراهام خدماته على مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في اليونان، كان ابراهام هذا يعاني من ديون كبيرة ولديه اعداء كثر في اسرائيل وطلب المال مقابل خدماته واصبح الرجوب الضابط المسئول عن توجيه هذا العميل ويقول في هذا الصدد: «تعرف ما يمكن ان نقوم به لدى استخدام عميل اسرائيلي فنحن نستطيع تنفيذ اي عملية نريدها وان نرسله الى اي مكان».حينها اعترض الرجوب على اقتراحين من اقتراحات ابراهام: هجوم على اسرائيليين في دولة ثالثة او عملية لقتل مدنيين داخل اسرائيل واخيراً تم الاتفاق على استهداف مسئول اسرائيلي، وطبعاً كان شارون الاختيار الاول. والتقى الرجوب ابراهام عدة مرات، مرة في اليونان ومرة واحدة على الاقل في تونس وبمشاركة قادة اخرين من منظمة التحرير رسموا خطة لارسال ابراهام الى اسرائيل ليقوم بقتل شارون اما بقنبلة او ببندقية. ويقول الرجوب: «اعتقد انها كانت اكثر الخطط التي رسمناها جدية» بعد ذلك بثلاث سنوات تبين كم من السهل على اسرائيلي ان يخترق الامن الاسرائيلي حينما استطاع المتطرف اليهودي ايجال عامير ان يقتل اسحاق رابين، رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك لكن في حالة شارون تم تسريب معلومات الى المخابرات الاسرائيلية من عميل لها في تونس قال الرجوب ان اسمه «عدنان ياسين» وحينما وصل ابراهام الى تل ابيب وجد ضباط المخابرات في انتظاره ليعتقلوه في المطار. ويبدو ان اسم الرجوب موجود في كل مكان في قرية الدرة التي شهدت مولده ففي تلك القرية اشار صبي عمره 11 سنة واسمه الرجوب الى منزل قائد حماس المحلي في القرية، نايف الرجوب، الذي لديه وجهات نظر مختلفة جذرياً عن اخيه، فيما يتعلق بالعلاقة مع اسرائيل ومستقبل فلسطين. قبل عشر سنوات اعتقد جبريل الرجوب ان قتل ارييل شارون سيفيد القضية الفلسطينية كثيراً لكن منذ عام 1994 كان يقوم هو وثمانية آلاف رجل يتولى رئاستهم في الأمن الوقائي بتنفيذ مهمة منع الهجمات على الاسرائيليين والضرب على ايدي الرجال الذين يحاولون فعل ما سعى الرجوب لفعله حتى توقيع اتفاقيات اوسلو، والبعض يقول ان رجاله قاموا بتعذيب مواطنيهم الفلسطينيين لكن الانتفاضة غيرت المعادلة وأضعفت من وضوح الخط الفاصل بين المعتدلين والمتشددين الا ان جبريل الرجوب لا يزال يركز ناظريه بقوة على اوسلو، ويقول السفير الامريكي السابق في تل ابيب مارتين انديك: «خلال الانتفاضة كان ينتهج خطاً مغايراً جداً لكل المسئولين الامنيين الآخرين. لم يسمح لرجاله ابداً ان يشاركوا في اعمال عنف. نايف الرجوب اصغر من جبريل بخمس سنوات واكثر منه ليناً وطيبة في محياه يقول انه كان ابن 12 عاماً حينما حكم على اخيه جبريل بالمؤبد وما يتذكره عن تلك المرحلة هو الزيارات المؤلمة لأخيه في السجن وحزن العائلة من قضاء جبريل لحياته وراء القضبان وبعد ايام من اعتقال جبريل اتى الجنود برفقة فصيلة تفجير لنسف منزل الرجوب وهي العقوبة التي كثيراً ما ينفذها الاسرائيليون ضد اهالي الفلسطينيين الذين يشاركون في هجمات عليهم. يقول نايف ان شقيقه كان محقاً حين قاتل الاسرائيليين ومضى للسجن لكنه مخطئ الآن وترى حماس ان صفقة اوسلو كانت بيعاً لفلسطين لانها اعترفت بسيطرة اسرائيل على معظم فلسطين، وبالنسبة لها فإن القتال الذي اندلع في سبتمبر 2000 دليل على ان الصلح مع اسرائيل مستحيل. وسألت نايف عن رأيه بالاعتقالات في صفوف مقاتلي حماس، التي قامت بها قوات الأمن الوقائي في وقت سابق فقال: «انني غير راض عنها، وقد قلت له ذلك، لكني قلته بأدب» لكن حماس اكثر وضوحاً في موقفها، ففي منشور وزعته في رام الله قبل الاعتداءات الاخيرة اتهمت حماس جبريل الرجوب بسجن الناس عشوائياً وسحق الديمقراطية يقول نايف: «اذا ما اراد ان يكون رئيساً لفلسطين فسأجد ان من الصعب جداً بالنسبة لي ان انتخبه». ويضيف ان الخلاف السياسي بينه وبين اخيه هو مشكلة جدية وذات عواقب وخيمة لكنه يعود ويروي قصة تؤكد قوة رباط الدم على الرغم من السياسة ففي احدى المرات ولحماية نايف، كذب جبريل على ياسر عرفات. في مارس 1996 وبعد سلسلة من العمليات الاستشهادية التي قامت بها حماس قالت المخابرات الاسرائيلية لعرفات ان احد مديري التفجيرات يختبئ في منزل نايف فما كان من عرفات الا ان اتصل هاتفياً بجبريل وأمره بأن يعتقل أخيه. كانت تلك مرحلة تزعزع أوسلو بعد أربعة أشهر من اغتيال رابين. وأراد عرفات أن يظهر لإسرائيل انه يمارس القمع. اما الرجوب المقتنع بأن ليس لأخيه دور في هذه الهجمات فقال لعرفات ان اخيه موجود في الحجز منذ عشرة أيام، ولا يمكن ان يكون له اي علاقة بالهجمات، ثم أرسل جبريل رجاله بعد ذلك للقبض على نايف، قبل أن يطلق سراحه اليوم التالي. ويقول نايف: «قال للرئيس هذه القصة ليجنبني الشبهات».لكن جبريل الرجوب يعرف ان لديه التزامات اعمق بكثير من القرابة. فقد أصبح واضحاً للكثيرين انه اكثر من اي مسئول فلسطيني آخر يناويء حماس ونهجها المتشدد وهجماتها الاستشهادية ضد اسرائيل. وقد قال وهو ينحني فوق مكتبه: «التفجيرات الانتحارية والعنف لن يخدم القضية الفلسطينية. ان المقاومة ضد الاسرائيليين شيء والهجوم على الناس لمجرد أنهم يعيشون على الجانب المقابل شيء آخر». وبدأ التوتر يظهر على وجه جبريل، لقد كان ضد اي عصيان ملح منذ البداية. ففي اجتماع مع قيادة فتح بعد عشرة أيام من بداية الانتفاضة ذكر جبريل أربعة اشياء يجب تفاديها: تسليح الانتفاضة، الهجمات داخل اسرائيل، استخدام الاراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية للانطلاق في الهجمات، واشتراك فروع الأمن الفلسطيني في القتال. ومع الأيام تجاوزت الاحداث هذه التوصيات واحدة تلو الأخرى. وهي حقيقة يعترف جبريل الرجوب أنها كلفت الفلسطينيين ثمناً سياسياً. ان المسئولين الفلسطينيين لا ينتقدون الانتفاضة علنا أبداً. وهذا ما يجعل الرجوب مختلفا عنهم. ويعتقد الاسرائيليون بأنه اذا ما تسلم السلطة فسيكون مفاوضاً صعباً، لكنه سيلتزم بالاتفاقيات حرفيا. يقول أمنون شاحاك رئيس اركان الجيش الاسرائيلي سابقاً والذي تفاوض مع الرجوب في خصوص الأمن أواسط التسعينيات: «انه رجل صلب الا انه لا يقوم بألاعيب. وما إن يتقدم بتعهد فإنه يحترم ما تعهد به حتى حينما لا يكون من السهل عليه احترامه». كما يبدو ان الاسرائيليين والامريكيين يفضلونه على عرفات. يقول ادوارد ووكر المساعد السابق لوزير الخارجية الامريكي لشئون الشرق الأدنى: «انه رجل في غاية الحسم، ولا أعتقد أن عرفات مثله. عرفات يحاول تجنب اتخاذ القرارات الصعبة، لكن الرجوب ليس كذلك». ويعتقد بعض المحللين ان الرجوب ما كان ليرفض ما عرضه بيل كلينتون على عرفات في كامب ديفيد 2 مثلما رفض عرفات. ولمن لا يعرفه يبدو جبريل الرجوب رجلا نهما، أكولاً، وخلال اكله يشغل يديه الاثنتين، ففيما تمتد الواحدة إلى الطبق تكون الاخرى تعمل على حشو فمه بقطعة من الخبز. وقد قال شريك سابق له في احدى الزنزانات خلال سجنه ان السجناء يأكون عادة وكأن الطعام سيسحب من امامهم في أي لحظة. بعد الغداء يصطحب جبريل الرجوب ضيوفه الى غرفة جلوس كبيرة مفروشة بالارائك والسجاد. وفيها كان قد أجرى محادثات مع جورج تينيت، رئيس الـ «سي. آي. آيه» وانتوني زيني المبعوث الامريكي للشرق الأوسط. وأحضر له نادل العصير والقهوة. وفيما يدخل سائقه الغرقة يقول: «هذا الرجل اصيب حينما هاجم الاسرائيليون بيتي العام الماضي». ويقال له ان الاسرائيليين ذكروا ان القصف في تلك الحالة كان بطريق الخطأ وان الجنود كانوا يردون على نيران بندقية من المنطقة ولم يقصدوا اصابة بيتك. لكن هذا اغضبه. وقال: «لقد أرادوا قتلي. ان آرائي تبدو معقولة بالنسبة لمعظم الاسرائيليين، ولهذا فإن امثال ارييل شارون يرون في تهديدا لهم. ان من المناسب أكثر لهم ان يواجهوا فلسطينيين متشددين، فالعالم بذلك يصبح اكثر بساطة لهم». في صباح يوم ذلك الهجوم، اجتمع الرجوب مع صحافيين اسرائيليين في مكتبه. وسأله أحدهم لماذا يا ترى هو المسئول الامني الفلسطيني الوحيد في الضفة الغربية وقطاع غزة الذي لم يتعرض لهجوم من جانب الاسرائيليين؟ ربما كان السؤال استفزازياً للرجوب ويوحي بأنه مقرب اكثر من غيره من الاسرائيليين، ولكنه رفض التعليق عليه. بعد ذلك بساعات أصابت قذيفة دبابة اسرائيلية منزله. وفي الخارج اصبحت سيارته مطرزة بالرصاص، وهو دليل كما يقول على ان الاسرائيليين كانوا يحاولون قتله وهو يقول: «اذا لم يقتلوني في البيت، فسيقتلوني في السيارة. لكنه دخل سيارة اخرى وأسرع مبتعداً ليعرف ما الذي يفعله الاسرائيليون. خرج الرجوب من الحمام، حيث كان يغتسل قبل لحظات من انفجار القنبلة، وليست عليه سوى منشفة تحيط بوسطه وسئل « هل كان عندك وقت لتلبس قبل الخروج من البيت؟». رد قائلا: «ألبس؟» ثم ضحك. كانت ضحكته الأولى منطلقة، وعريضة. وقال «لبست ومشطت شعري ووضعت عطراً». ثم توقف حينما شد انتباهه شيء هو تاريخ ذلك الهجوم الاسرائيلي وكان 20 مايو الماضي. وفي ذهنه تاريخ يطابق هذا اليوم. وهو تاريخ يعني الكثير له. 20 مايو كان اليوم الذي خرج فيه جبريل الرجوب من السجن. عن «إسكواير»