ياسر عرفات هو حاكم عظيم في نظر الاسرائيليين. فهو محاصر في مكتبه منذ اكثر من اسبوعين. كل مباني سلطته، بما فيها السجون واجهزة الامن، مهدمة، مقتحمة، فارغة من أي شخص. كل رجاله مشتتون ومختبئون. اتصالاته الهاتفية خاضعة لمزاج الجيش الاسرائيلي وللأجهزة التي تشوش الاستقبال لديه. تزويد المياه الجارية مقطوع في مكتبه، ولا مكانته أو سنه ولا العدد الكبير من الاشخاص معه يكفي لاصلاح الخلل، أي الضرر الذي ألحقته الدبابات والجرافات العسكرية الاسرائيلية لشبكة المياه في نطاق مكتبه. ومع ذلك، فانه مسئول اليوم ايضا عن العمليتين الارهابيتين الفتاكتين الاخيرتين - احداهما نفذتها منظمة اسلامية - معارضة والثانية كتائب شهداء الاقصى لفتح. أي انه لو أراد لكان منعهما، برأي اسرائيل. مثل هذه الرؤية تجاه الحاكم الفلسطيني ما كان لها ان تترسخ هكذا لولا الموقف الاحتقاري تجاه الجمهور الفلسطيني، لولا فرضية العمل القائلة بأن الحديث يدور حول قطيع لا يحتاج الا الى عصا الراعي. احتقار عميق كهذا وجد تعبيره في مواقف الناطقين العسكريين الاسبوع الماضي، والتي ادعت بأن الفلسطينيين هم الذين لم يرغبوا في اخلاء جثث موتاهم (وتقديم المساعدة للجرحى) من مخيم اللاجئين وذلك لاعتبارات غريبة تتعلق بالدعاية. الاسبوع الماضي تحدثوا في اسرائيل عن وسائل الحذر الاخلاقية والانسانية التي اتخذت في الحرب في مخيم جنين للاجئين، وذلك لغرض منع ايقاع الأضرار بالمدنيين. والدليل هو الجنود الذين سقطوا في جنين ما كانوا ليسقطوا لو ان الجيش الاسرائيلي ألقى على المخيم قنبلة واحدة او اثنتين وأنهى الموضوع. بهذا القول تكمن فرضية اخرى عن الفلسطينيين: انهم لا يقتلون من مجرد صواريخ تطلق عليهم من المروحيات ومن مجرد قاذفات الدبابات ومجرد نار الرشاشات، وهم لا يخافونها. انهم لا يقتلون ولا يخافون الا قنابل القصف التي تلقيها عليهم الطائرات الحربية، وهذا ما لم يفعله الجيش الاسرائيلي. نحو ثلاثة عشر ألف شخص يعيشون في المخيم في مساحة نحو كيلومتر مربع واحد، 42 في المئة منهم أطفال. 4.5 في المئة من السكان فوق سن 65 وحتى لو فرضنا ان ليس 90 صاروخا ألقيت عليه كل يوم على مدى اسبوع بل 20 فقط، ولو فرضنا ايضا ان ليس 10 دبابات أطلقت وقصفت دفعة واحدة بل اثنتين فقط، أوليس من المعقول الافتراض بأن مدنيين قتلوا ايضا وليس فقط «مخربون في جيوب المقاومة»؟. الجيش الاسرائيلي لم يصور ولم يسمح بتصوير نتائج القصف الجوي ونار الدبابات. وما نجحت في تخليده طواقم التلفزيونات الاجنبية - الجثث (في نابلس اساسا)، ألم أقارب القتلى، الجرحى الكثيرين، المدنيين الذين قتلوا بالنار بينما كانوا عند مداخل منازلهم، سيارات الاسعاف المخرمة بالرصاص، كل هذه على أي حال لا تبث ولا يجري الحديث عنها في وسائل الاعلام لدينا، أو انها تحشر في بضع ثوان من البث. حاكم كلي القدرة حتى في شروط شخصية تحت انسانية من الحصار، مع رجاله المحصنين ضد الرصاص وخدمات طبية واسعاف تخون وظيفتها كل لحظة - هذه هي الصورة التي انكب الناطقون العسكريون والسياسيون على اغراق الجمهور الاسرائيلي بها. بغية النجاح في المعركة الحربية والسياسية ينبغي التعرف على العدو. نقاط ضعفه ونقاط قوته، ثغراته وقدراته، آلامه وأفراحه. وبدلا من ذلك فان العدو يعرض فقط كحشد وحيد البعد، جاهل وعديم الاحساس والتفكير. أفلا يمكن ان تكون الاكاذيب التي تبثها السلطات الاسرائيلية عن الفلسطينيين في عهد الحرب لا تعبر الا عن استخفافها هي بالجمهور الاسرائيلي، وعن الفرضية السخيفة بأنه سيواصل بلع هذه الاكاذيب؟ وانه سيكتفي دوما بالشروحات الاستخبارية ويتخلص من الشروحات الاجتماعية التاريخية والسياسية، ولهذا فانه لن يسأل لماذا يكون الكثير من الفلسطينيين يرغبون في الانفجار والتفجير، وكيف حصل ان مئات آلاف الفلسطينيين يصمدون في ظروف لا تطاق من القصف وحظر التجول المتواصل بدون ماء وكهرباء وغذاء؟
