رغم كونها انتصاراً آخر للصهيونية، من حيث الاعتراف بحقيقة وجود اسرائيل وشرعية هذا الوجود إلا ان الدولة العبرية رفضت مبادرة السلام العربية التي اطلقتها قمة بيروت الأخيرة والسبب هو خوف الاسرائيليين من الحضارة العربية. هذا ما يراه رجل القانون والخبير الاسرائيلي د. جاي بنجور في مقال نشرته صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية قال ما نصه: بكبت وبمرارة، بل حتى بعداء تظاهري، استقبلنا مبادرة السلام العربية التي صودق عليها، الشهر الماضي، في بيروت، كما لو أن هذه المبادرة هي مؤامرة ضخمة جاءت للقضاء على الحلم الصهيوني، ولذلك فإنها لا تستحق حتى مناقشتها شعبيا. هذا هو انعدام الثقة المطلق ب«الآخر» وخوفنا منه، وهو نتاج مئة عام من عسكرة وعمليات صهيونية. لكن هذه المبادرة بالذات يمكنها أن تشكل الانتصار البديل للصهيونية، كون العالم العربي كله، بما فيه العراق وسوريا، يعترف لأول مرة، بأن إسرائيل هي حقيقة يجب الاعتراف بها وبحقها في الوجود، ويوافق على إنهاء الصراع التاريخي معها، في وقت تنسحب فيه هي الى حدود 1967، الى حدود من العقلانية والقومية، دون التورط الرهيب مع الفلسطينيين، ومن خلال الانفصال الدموغرافي عنهم، ودون الوصاية اليهودية التي تلتهمنا بكل فم. يمكن ان يشكل ذلك انتصارا مضاعفا للصهيونية: مقابل العرب، من جهة، ومن خلال عودة الصهيونية الى تعريف ذاتها، كحركة تعالج قضايا اليهود، لا قضايا اليهودية، وتعالج وجود إسرائيل، لا الخلود اليهودي. والشعور بالتفويت الهائل للفرصة لا ينبع من مقاييس أمنية وحسب، وانما من مقاييس ثقافية أيضاً. فالإسرائيلي غير مستعد لمواجهة الحضارة العربية، وهو يخشاها، مثلما يخشى العرب الحضارة الاسرائيلية. لم تنظر إسرائيل على امتداد تاريخها بعين الجدية الى مسألة كيف ستبدو علاقات السلام بينها وبين بقية الدول العربية، فإسرائيل تتحدث عن السلام مع الشرق وقلبها الغرب. إننا نتحدث عن السلام مع العرب بغية السماح لنا بأن نكون أوروبيين. وبالإضافة الى ذلك، فالمواجهة معروفة. ويمكن تفصيلها لفرق وكتائب وألوية، غير أن السلام يبقى من عالم آخر، العرب هم عالم آخر، وهذا ما تواصل إسرائيل التعنت في رفض التعامل معه. فهذه ليست مسألة النظرة الى العربي الآخر، بل هي مسألة هويتنا المستقلة، التي مازالت غير معرفة. وخلافاً الى إهدار فرص أخرى، فالمبادرة العربية لم تتلاش بعد. وهي ما زالت عبارة عن تحد لأصحاب القرار الإسرائيلي الشجاع، من حيث الأولويات السياسية علاوة على كونها تعريفاً ذاتياً للثقافة الإسرائيلية.