تمكنت مجموعة من الصحفيين أمس من التسلل الى مخيم جنين والتقطوا أول الصور التي تكشف حجم القتل والدمار الذي نفذته قوات الاحتلال ضد كل ما في المخيم من بشر وحجر. والقسم الصغير من المخيم الذي تمكن الصحفيون من الدخول اليه عصر الجمعة كان عبارة عن اطلال وركام يسودها صمت القبور بعد ان قبع ما تبقى من سكانه داخل ما تبقى من منازلهم خشية اي طاريء جديد. وكانت رحلة الوصول الى المخيم محفوفة بالمخاطر تضمنت التفافات وعبورا في اراض زراعية قبل دخول الحي المعروف بالجبل الغربي داخل المخيم. في هذا الحي الذي وصل اليه الصحفيون كان الصمت المطبق يخيم على المكان وآثار القصف والدمار بادية على البيوت وعلى الازقة حيث توزعت السيارات المحروقة او المسحوقة بجنازير الدبابات. وتحاصر الدبابات المخيم من جميع الاتجاهات. فقد تجمعت امام وادي برقين نحو عشرين دبابة اضافة الى نحو عشرين دبابة اخرى على المدخل الغربي للمخيم وعلى سفح الجبل الغربي. وكانت نحو 30 دبابة اخرى من فرقة «ناحل» العسكرية التي احتلت مدينة جنين تستعد للمغادرة «للقيام بمهمة جديدة» حسب ما قال احد الجنود. كما انتشرت نحو مئة دبابة على طول الشارع الرئيسي بين جنين وحيفا وكانت تطلق عواصف من الغبار والاتربة مثيرة زمجرة مثيرة للرعب. ولم تفتح تمام ماهر زهدي (40 عاما) باب بيتها الا بعد ان تأكدت بأننا صحافيون وسمعتنا نتكلم العربية. وقالت «منذ اليوم الثاني لاجتياح المخيم احتلوا بيتي واخذوا زوجي وامرونا بترك البيت قبل ان يجمعونا وكنا نحو 27 شخصا في غرفة واحدة لحوالي خمسة ايام من دون حليب اطفال ولا طعام». وتابعت «وبعد قصف المخيم بكثافة طلبوا منا بواسطة مكبرات الصوت مغادرته فغادرناه تحت القصف الا انني تمكنت من التسلل يوم الجمعة وعدت الى بيتي مع اطفالي الاربعة». واضافت تمام «وضعوا السواتر على نوافذ منزلي وكانوا يمارسون القنص منه على المقاتلين الفلسطينيين... لقد قلبوا بيتي رأسا على عقب وزرعوا الخوف والرعب في نفوس اولادي الذين ما كانوا يريدون العودة». وتشجعت زهرية محمود خضر (63 عاما) بوجودنا كصحافيين نتكلم العربية لاقتيادنا في ازقة المخيم ومشاهدة المنافذ التي فتحها الجيش داخل المنازل كسراديب للمرور من شارع الى شارع ومن حارة الى حارة. واحضرت زهريه شظايا قذيفة وقالت «هذا الصاروخ قتل ابني في الاجتياح الاول. وعند وصول الجنود الى بيتنا اشبعوا زوجي ضربا وهو بين الحياة والموت حاليا في المستشفى». وفجأة سمعت زخات من الرصاص قال فتيان كانوا تجمعوا عند احدى زوايا الشارع ان ثمة اطلاق نار في الحارة الشرقية للمخيم. وكانوا يلهون بخيوط بلاستيكية رفيعة قالوا انها تسقط عند اصابة الصاروخ هدفه وقد امتلأت المنطقة منها. وقال عبد الله صالح (25 عاما) «لقد احتلوا بيتنا واحتجزونا في غرفة واحدة مع نحو 55 شخصا وكنا ننام مع كلابهم ومع من اعتقلوهم من الشبان». وتابع صالح «اول ما قام به الجيش الاسرائيلي كان قصف خزانات الماء في المخيم» واشار الى اوعية ماء جمعت فيها مياه ملوثة ظهرت ديدان صغيرة فيها. واكد ان «المخيم كان لا يزال يتعرض للقصف حتى الخميس». اما مدينة جنين المجاورة للمخيم والتي تخضع لحظر التجول منذ الثالث من الشهر الجاري فبدت خالية من سكانها ومخيفة. وقال احمد محمد خليل (70 عاما) الذي التجأ الى مسجد القاضي في المدينة بعد ان قصف منزله في المخيم «ان شقيقتي يسرى (63 عاما) قتلت بقذيفة في منزلها في اليوم الثاني للاجتياح وقد تركنا جثتها في البيت. وهل كنا قادرين على حملها معنا؟». وقالت فريال حسين مضامن التي وقفت في منطقة واد برقين «ان القذائف اخترقت بيتي وهجرت منه قسرا من قبل الجيش» واشارت بيدها الى حيث تجثم الدبابات عند مدخل بيتها مضيفة «لقد اطلقوا قذيفة على بيت صديقتي عفاف دسوقي التي هربت الى الشارع لكن قذيفة اخرى اطلقتها الدبابة قتلتها في الشارع ولا اعرف اين هي جثتها». وشاهد الصحفيون عدداً من الجثث في الجبل الغربي من مخيم جنين لكن السكان افادوا بأن اعدادا كبيرة لا تزال تحت الركام في وسط المخيم وفي جورة الذهب وحارة الدمج والشواحين حيث تركزت الاشتباكات والمواجهات. واقتادت احدى النساء الصحافيين والمصورين الذين تواجدوا عند مدخل المخيم لتريهم جثة قالت انها مرمية امام بيتها. الا ان دبابة تقدمت مهددة واعلن جندي بمكبر للصوت ان «هذه المنطقة منطقة عسكرية مغلقة». وامام الدبابات سارت شاحنة تبريد قال احد السكان انهم ينقلون فيها الجثث الى «المقبرة السرية» التي لا يعرفون مكانها. ـ الوكالات