رغم المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال في جنين فإن الكيان الاسرائيلي لايزال يرتعد من رد الفعل الذي تختزنه المقاومة الفلسطينية للأيام المقبلة، ولذلك يمضي كبار المعلقين الصحافيين في الصحف الاسرائيلية، الى التحذير من اعطاء الفلسطينيين فرصة لتذوق «طعم النصر الذي حققوه بصمودهم»، ويحضّون حكومة العدو على اقناع وزير الخارجية الأمريكي الزائر بأن مهمة «الابادة» لم تنته بعد وتحتاج لوقت أطول. ومن قبل ذلك ما كتبه المعلق العسكري المعروف اليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت احرونوت» في مقال كتبه يوم 10/4 الماضي، بينما ذهب كاتب آخر في الصحيفة نفسها وفي العدد نفسه الى الاعتراف بوضوح بأن «جنين تحولت الى اسطورة أخرى ترمز الى القتال الفلسطيني العنيد». وفي مقاله خلص فيشمان الى انه «إذا كان سقوط جنود الاحتياط ال13، في جنين، سيشير إلى الاتفاق على إنهاء عملية «الجدار الوقائي» فسرعان ما ستذوب كل إنجازات العملية، وسيختزن الوعي الفلسطيني طعم الانتصار، وسيكون موعدنا، خلال فترة قصيرة، مع حرب أكثر مرارة». واستهل الكاتب مقالته بالقول «وقف القتال الآن، والخروج من المدن وتخفيف الضغط على الإرهاب، مع ظهور باول في المنطقة ـ سيضمن عودتنا، عاجلاً، إلى الأماكن ذاتها، مع ما يرافق ذلك من نيران أكثر كثافة، وسقوط عدد أكبر من الضحايا. ولن تبقى هذه هي «شجرة صنوبر صغيرة» (الاسم الأولي للحرب في لبنان)، بل ستصبح «شجرة صنوبر كبيرة جداً». وستكون حرباً ذات أهداف أكثر وضوحاً: تدمير السلطة الفلسطينية وطرد قادتها. وتعتبر حملة «السور الوقائي» المرحلة قبل الأخيرة في السلم الذي تنتظرنا مثل هذه الحرب، في قمته. ويمضي في القول: يوم الاثنين الماضي، طرحت خلال جلسة عقدتها القيادة العامة للجيش، لتقييم الأوضاع، إمكانية إستخدام الطائرات الحربية في سبيل تسريع السيطرة على أوكار المقاومة الأخيرة في مخيم جنين للاجئين. وسرعان ما أسقط هذا الاحتمال عن جدول الأعمال، بسبب التخوف، إضافة إلى أن أعمال التدمير في مخيم اللاجئين أصبحت كبيرة جداً، وأن صور القصف الجوي ستبدو سيئة للغاية، بحيث ان ثمن تقليص الجدول الزمني للعملية بمساعدة الطائرات الحربية ، يمكنه أن يزيد من الخسائر. ولذلك واصلوا عملية التطهير في مخيم جنين بمساعدة قوات المشاة. وصباح يوم الثلاثاء، بعد ساعات قليلة من إنتهاء جلسة التقييم ذاتها، وقع ما تخوفوا منه جداً، وما نجحوا بمنعه، حتى ذلك اليوم: لقد دخل جنود المشاة من قوات الاحتياط إلى كمين محكم، في حلبة مزروعة بالعبوات تسيطر عليها نيران القناصة. ويعتقد أن استشهادياً تواجد في المكان وقام بتفجير العبوات بين الجنود. وقتل بعض الجنود بنيران القناصة وليس بفعل العبوات. إنه أمر مؤلم جداً، محبط جدا. لقد كانت هذه هي آخر جيوب المقاومة في المخيم. وتذكرنا هذه الحادثة بما سينتظر الجيش الإسرائيلي إذا كان ينوي البقاء لفترة طويلة داخل المدن الفلسطينية. ففي الحرب داخل منطقة مأهولة لا يسقط غالبية الضحايا في المراحل الاولى من عملية السيطرة والاحتلال ـ حيث تصل اليقظة إلى قمتها ـ وإنما في مرحلة التطهير، مرحلة التواجد داخل المنطقة. الحرب في جنين تتواصل منذ اسبوع. خصمك ينظم صفوفه، يدرس خطواتك ويكتشف نقاط ضعفك، فيما تفقد أنت بعض اليقظة، ويسودك الشعور بأن الأمر يقارب على النهاية. ويعتبر هذا الفاصل الزمني شديد الإشكالية ويستدعي المزيد من مثل هذه الحوادث. وهناك مسألة أخرى تتعلق بالقتال الذي يديره لواء سلاح المشاة الاحتياطي داخل منطقة مأهولة. لا توجد في سلاح المشاة الاحتياطي، اليوم، اي وحدة ـ مهما كانت مختارة ـ إجتازت التدريبات المطلوبة للقتال داخل منطقة مأهولة، بالمستوى المطلوب من وحدات سلاح المشاة النظامية. ويضاف إلى ذلك، ان جنود الاحتياط لم يمروا بتجربة المهارات الجديدة التي مر بها الجيش النظامي خلال الإنتفاضة، على مدار السنة والنصف سنة المنصرمتين. مثال على ذلك، الحرب داخل منطقة مأهولة من خلال التنسيق مع طواقم المروحيات الهجومية والدبابات وإستخدام جهاز المخابرات على مختلف أنواعه. إنها شبكة مهنية مركبة جدا، ولا تكفي فترات الاستكمال القصيرة التي يجتازها رجال الاحتياط، لجسر فوارق المعرفة والتجربة. ولذلك يوصي الجيش بتركيز تدريب رجال الاحتياط على «القتال التقليدي»، وإقامة لواءين خاصين بضمان الأمن الراهن وخوض حرب العصابات في المناطق، إضافة إلى الألوية النظامية. وقد تم حتى الآن تحضير جانب من هذه القوات. ولو كان الجيش يحرص أكثر على عدم تسريح المرشحين للتجند بمثل هذه البساطة، لكان يمكنه الآن، وبكل تأكيد، إستكمال تشكيل اللواءين، وبالتالي، التوفير في استخدام رجال الاحتياط لهذه المهام. من السهل جداً الوقوع في الإغواء الآن، وإتخاذ قرار بتخفيض الضغط ـ وتقليص عدد المصابين مرة واحدة. ذلك أن وصول وزير الخارجية الأمريكي يوفر فرصة لإظهار التصرفات الجيدة. لكن فرصة قيام باول بإحضار بضاعة ما يمكن أن يوافق عرفات على شرائها، هي فرصة ضعيفة جدا. يحاول الأمريكيون، الآن، حل مشكلتين: في المقاطعة في رام الله، وفي كنيسة المهد، في بيت لحم. إنهم على إستعداد لتحمل مسئولية إخراج المطلوبين بأنفسهم ونقلهم إلى دولة ثالثة، او على الأقل، إلى قطاع غزة، لكنهم لا ينجحون، حتى الآن، حتى ببيع هذه المبادرة لعرفات. إذا زار باول المنطقة، وعاد إلى البيت غداً، وتركنا مع الشيكات التي لا رصيد لها، والتي سيوزعها عرفات، ومع الأسطورة الجديدة ل«جنين جراد» (على وزن ستالينجراد، المدينة الروسية التي قاومت الاحتلال النازي بصلابة). وسندفع نحن ثمن هذه الاسطورة، في الأيام القريبة، عندما تبدأ صور الدمار في المخيم بالوصول إلى أنحاء العالم. وفي هذه الأثناء، يعترف الشاباك، أيضا، انه رغم كل الاعتقالات والتحقيقات، لا يمكن بعد القول بأننا نجحنا في توجيه ضربة جوهرية إلى قواعد الارهاب. فهذه القواعد لم تفجر بعد. التقارير الميدانية تقول ان المطلوبين الكبار إنتقلوا إلى المناطق القروية. ولم يتم العثور على «المدافع الثقيلة» للارهاب في حي القصبة، في نابلس، أيضًا. يجب الخروج للبحث عنهم في الطبيعة. في اليوم الأخير يلاحظ تنظم جهات إرهابية جديدة تماما، بهدف تنفيذ عمليات داخل إسرائيل والمناطق ـ رغم مطاردتها. وهذا دليل آخر على أن هذه العملية، وصلت من حيث الانجازات، إلى ثلث الطريق، فقط». انتهى مقال فيشمان، ولا ينتهي سيل المقالات الاسرائيلية التي تعترف بوضوح بالاستبسال الذي أظهره المقاتلون الفلسطينيون في جنين لتجعل من المعركة «اسطورة». وها هو الكاتب والمعلق السياسي روفي سيكيد يشير بوضوح في مقاله في يديعوت احرونوت الى «مقدرة الصمود والمحفزات العالية لدى الفلسطينيين، التي جعلت محاربة الجيش الاسرائيلي مخيم اللاجئين صعبة وخطيرة». ويقول سيكد في مقاله المنشور يوم 10/4: «تحول مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين، في الأيام الأخيرة، الى أسطورة فلسطينية أخرى، الى رمز القتال الفلسطيني العنيد، تحت شعار «النصر أو الموت». ولا تعتبر مقدرة الصمود والمحفزات العالية لدى الفلسطينيين، السبب الوحيد الذي يجعل محاربة الجيش الاسرائيلي في مخيم اللاجئين صعبة وخطيرة الى هذا الحد، فالثمن الباهظ الذي دفع خلال أيام الحرب الثمانية، جاء، أيضاً، بسبب الظروف المادية في المخيم. فعلى مساحة أكثر من نصف كيلومتر مربع بقليل، يعيش قرابة 18 ألف نسمة، منهم الكثير من الأولاد، في بيوت صغيرة لا تتجاوز ثلاثة طوابق وفي منطقة توجد فيها طرق يصعب جداً، تسميتها شوارع، اضافة الى الكثير من الأزقة المعقدة والضيقة التي تشبه المتاهة. وتحتم هذه الظروف المحاربة من بيت الى بيت، وأحياناً، من غرفة الى غرفة، وكل ذلك، من خلال محدودية الاستعانة بنيران السلاح الجوي والمدفعي، لقد استعد المخربون جيداً للمعركة، في الشهر الأخير كان المخيم كله عبارة عن مختبر واحد وكبير لانتاج المواد المتفجرة، وكان أحد سكان المخيم قد قال، قبل ثلاثة أسابيع، ان المخيم تحول الى مصنع كبير، يعمل فيه كل ولد في ال14 من العمر، وكل امرأة بانتاج العبوات الناسفة، وان الانتاج يتم في المنازل، وفي الأزقة، وفي شوارع وساحات المخيم. لقد زرع الفلسطينيون العبوات في كل زاوية، على المداخل وفي الأزقة وعلى أعمدة الكهرباء، وفي السيارات المتوقفة، وفي البيوت، وخاصة تلك التي قدروا بأن الجيش الاسرائيلي سيدخلها. وتم جمع الأسلحة والذخيرة من كل أرجاء منطقة جنين، واستدعي المطلوبون من كل قرى المنطقة للمشاركة في المعركة، وقامت كل عائلة، وكذلك اللجنة القومية الاسلامية، التي تقود الانتفاضة في المخيم، بتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية والماء والأدوية. وتقرر قبل بدء المعارك، توحيد القوات، فتحولت فتح وحماس والجهاد الى قوة واحدة تعمل تحت اسم «المقاومة الفلسطينية».