كشفت دراسة نشرتها صحيفة «يديعوت احرونوت» حول العمليات الاستشهادية في الاراضي الفلسطينية، ان هذه العمليات أصبحت ظاهرة تثير الرعب في صفوف الاسرائيليين وانها لن تتوقف ولن تحسم بعملية عسكرية، وتضمنت الدراسة اعترافاً اسرائيلياً بأن الفلسطينيين لم تخفهم العمليات العسكرية الاسرائيلية. والدراسة التي نشرتها الصحيفة للدكتور نعومي بدهنسور من مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا وتتناول شخصية الاستشهادي الفلسطيني وقد خلص فيها الى القول ان العمليات الاستشهادية ليست مشكلة عسكرية وان الجيش الاسرائيلي لن يحلها وتوقع أن تحدث عمليات أخرى جديدة في الشوارع خلال أيام معدودات. ودراسة بدهتسور التي أجراها تنشر للمرة الاولى اثارت اهتمام ديوان رئيس الحكومة الاسرائيلية حيث شكل طاقما خاصا لشئون العنف والانتحاريين. وهو يضم ممثلين عن الاجهزة الامنية سيتولى تحديد ورسم خطوط شخصية الاستشهادي وتدارس مصادر الدافعية الموجودة لديه وما الذي يتوجب عمله لاعتقاله من قبل ان يضع الحزام الناسف على جسده. ويدرس اعضاء الطاقم سبب انضمام هذا العدد الكبير من السنة المسلمين الذين يعتبرون معتدلين نسبيا ـ على حد وصفهم ـ الى دائرة الاستشهاديين، وكيف يمكن معالجة البنية التحتية للارهاب وكيف حدث ان قام عربي اسرائيلي متعلم وميسور الحال وصاحب عائلة في الانضمام الى دائرة الانتحاريين وما العمل في مواجهة التعاون الآخذ في التعزز بين المنظمات المختلفة مع الجمع بين الايديولوجيا وعالم الجريمة. وتقول الدراسة ان الامر بدأ قبل تسع سنوات تحديدا في السادس عشر من ابريل 1993 حين قام طاهر النابلسي من الجهاد الاسلامي من نابلس بتفجير نفسه في سيارة مفخخة بين باصين في غور الاردن، واثارت العملية التساؤلات عند ذوي الشأن بما في ذلك هل هي عملية واحدة عابرة أم انه استيراد لهذا الاسلوب من لبنان. وخلال السنوات السبع التي تلت ذلك حتى سبتمبر 2000 سجلت 30 محاولة للقيام بعملية استشهادية 24، منها نفذت، بما في ذلك سلسلة العمليات الفظيعة في فبراير ومارس 1996 بعد اغتيال المهندس يحيى عياش. منذ بداية الانتفاضة في سبتمبر 2000 وحتى ديسمبر 2001 سجلت 48 عملية استشهادية، خلال الاشهر الاربعة الاولى من السنة تضاعفت الارقام وسجلت في شهر ابريل 153 محاولة لعملية استشهادية 102 منها نفذت وتم ضبط 51 قبل ان يقوموا بقتل انفسهم وقتل غيرهم. ويقول بدهتسور ان العملية الانتحارية تعتمد على «القنبلة الذكية»، القنبلة التي تستطيع ان تختار التوقيت الملائم للانفجار، ومن هنا يأتي اختيار التنظيمات لهذا الاسلوب كسلاح نموذجي. واستخدام سلاح الانتحار ليس جديدا في العالم الحديث، والفلسطينيون لم يبتدعوه رغم انهم موجودون في المرتبة الاولى في العالم، وقال يورام شفيتسر ان الظاهرة بدأت في لبنان في مطلع الثمانينيات. وأضاف شفيتسر رغم الصورة الشائعة القائلة بأن المنفذين هم متدينون متشددون الا ان نصف العمليات الانتحارية في لبنان بين اعوام 1983 ـ 2000 نفذت على يد تنظيم لبناني علماني يسمى الحزب القومي السوري بما في ذلك الفتاة اللبنانية ابنة السبعة عشر ربيعا التي تقول الاسطورة انها كانت تحب ضابطا سوريا فقامت بقيادة سيارة مفخخة وسط قافلة من الجنود الاسرائيليين. في عام 1987 انتقلت العمليات الى «النمور السود» في سريلانكا. والامر الذي يميز الانتحاريين في الأراضي الفلسطينية هو حجم الظاهرة، العميد احتياط داني ريشف الذي كان ضابط استخبارات في الضفة ولبنان يعترف ان الروح التطوعية والاخلاص لم يكونا عند الاكراد والتاميل مثلما يوجد عند الفلسطينيين». في اواسط التسعينيات كان مطلوب من الخليل يتوجه الى اريحا ويجلس على مقهى طالبا القهوة ويقول انه بحاجة لانتحاري، فتكون لديه قائمة طويلة خلال نصف ساعة. مخرب اسمه محمد شريف سافر الى رام الله لأخذ حزام ناسف لتنفيذ عملية في القدس استبدل في اللحظة الاخيرة على يد انتحاري متطوع غير معروف أصر على تنفيذ العملية بدلا عنه وقد فجر نفسه لاحقا في باص بجانب ثانوية رينيه كاسين. وحسب المختصين هناك 600 متطوع انتحاري في الضفة قد سجلوا اسماءهم للقيام بعمليات، ومثلهم في قطاع غزة، في لبنان كان عدد الانتحاريين هو عنق الزجاجة أما عند الفلسطينيين فعنق الزجاجة هو القدرة على اعداد الحزام الناسف، وادخال الاشخاص الى داخل اسرائيل. واعترف بان اتباع اسلوب الاغلاق والحصار هو السبب الرئيسي وراء ظاهرة الانتحاريين، فهذا الاسلوب حول الفلسطينيين كلهم الى خلية لانتاج الارهاب، اغلاق المناطق أهان الفلسطينيين ونغص حياتهم وفي نفس الوقت أعاق المنظمات الوقائية من العمل على الارض وهكذا نجحت اسرائيل خلافا لكل النظريات الداعية الى الفصل بين السكان والمقاومين ـ في توحيد صفوف الفلسطينيين. الخلاص الوحيد حسب رأي الاخصائيين من هذه المشكلة يكمن في التسوية السياسية ووجوب التوصل الى وضع يهبط فيه حجم العمليات الاستشهادية، فالشعب الاسرائيلي يستطيع تحمل عمليتين في السنة، الا انه لا يتحمل عمليتين في الاسبوع الواحد. ويقر بدهتسور قائلاً ان الاعتقاد بامكانية ضرب البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية مسألة لم تعد ممكنة اليوم، والعملية العسكرية الاخيرة لن تحل المشكلة ان لم تترافق معها عملية سياسية.
