يعد مؤلف هذا الكتاب واحداً من أهم الضباط الميدانيين الذين عملوا في صفوف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث التحق بادارة العمليات التابعة للوكالة في 1976 وتواصل عمله حتى عام 1997 في الشرق الأوسط، وقضى بعض الوقت في طاجيكستان والهند، فضلا عن أوروبا. وتعلم اللغة العربية وزاول نشاطه في شمال العراق وبيروت والرباط والخرطوم. وبعد أن تقاعد كتب مذكراته التي يضمها هذا الكتاب عن حياته في جهاز المخابرات الأمريكية ليتزامن صدوره مع مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر الدامية. وعلى الرغم من ان المؤلف يوجه انتقادات مرة الى السياسة الأمريكية ووكالة المخابرات ومسئوليها، إلا أنه من الواضح أنه يتحدث من زاوية أمريكية بحتة، وبعقلية جاسوس أمريكي متعصب، يصر على ترديد المزاعم الرسمية الأمريكية، وأضاليل اعلامها، الذي كثيرا ما يقلب الحقائق الى النقيض، وخاصة بالنسبة لنضال شعوب الشرق الأوسط والوطن العربي بشكل خاص. مر أسبوعان بعد اجتماع روبرت بير، رئيس وحدة المخابرات الأمريكية في شمال العراق في يناير 1995، مع ضابط رفيع الرتبة بالجيش العراقي لم يذكر المؤلف اسمه، ولكنه استمع اليه وهو يبلغه بتفاصيل خطة انقلاب ضد الرئيس العراقي تقوده لجنة سرية من الضباط العراقيين. وبعد اسبوعين من هذا اللقاء اعطاه الضابط العراقي أسماء القادة العسكريين الأربعة الذين من المقرر ان يقودوا وحداتهم المشتركة في الخطة، والمهام الموكلة الى كل وحدة منها. ويقول بير ان الضابط رسم له شجرة العائلة لكل من هؤلاء القادة، وشرح له الروابط القائمة بينهم، كذلك ذكر له أسماء الضباط الذين سيشكلون الحكومة العسكرية المؤقتة، وكان ثلاثة من أعضاء الحكومة المقترحة لا يعلمون شيئا عن المحاولة الانقلابية، ولا يعرفون ان الاختيار قد وقع عليهم. وكان من المقرر الا يخبرهم أحد ان تكون دبابات الانقلاب في الطريق، وأسرع روبرت بير بإرسال رسالة الى قيادته في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بكل تلك التفاصيل حيث تم فحص المعلومات عن أسماء المشتركين الموجودة في قاعدة المعلومات بالوكالة، ولكن واشنطن لم تذكر شيئا عما اذا كانت تريد هذا الانقلاب ام لا. وفي اواخر فبراير جاءه الضابط العراقي الكبير في منزله، وقد أحبطه صمت واشنطن، وكان قد طلب في لقائه الأخير مع المؤلف ان يسأل رؤساءه عن امكانية إرسال طائرة امريكية مقاتلة في الموعد والمكان المحددين لتحلق فوق وسط العراق كإشارة الى لجنة الضباط الى ان الولايات المتحدة تدعم الانقلاب. ويذكر مؤلف الكتاب انه لم يعتن بإبلاغ رؤسائه بذلك الطلب في حينه ويبرر ذلك بقوله انه اذا كانت واشنطن غير عازمة على الاعتراف بالانقلاب، فإن رؤساءه سوف يسخرون من فكرة تحليق قوة جوية. وبعد ان شرب الاثنان الشاي فاجأه الضابط الكبير بطلب آخر قائلا له: «ان الأكراد سوف يفسدون كل شيء. وأرجوك ترتيب هدنة بينهم. وسوف تكون الهدنة اشارة الى ان امريكا جادة في الإطاحة بالرئيس العراقي». الانقلاب الذي فشل رأى ضابط المخابرات انذاك ان الضابط العراقي كان على حق، فعلى الرغم من أن الاكراد لم يكن لهم دور في خطة الانقلاب، في البداية، على الأقل، فإنهم بالتأكيد قد يفسدونها إذ كانت الحرب الأهلية بينهم قد انتشرت في جميع أنحاء الشمال العراقي في منتصف فبراير 1995. وكانت ايران وتركيا على وشك التدخل، وكان هناك اغراء لا يقاوم كي «يدس الرئيس العراقي انفه في خيمة الأكراد» على وجه السرعة. وفي ذلك الوقت كان حزبان رئيسيان يتنافسان على الساحة الكردية، وهما الحزب الكردي الديمقراطي، واتحاد كردستان الوطني، وظلا يتقاتلان من دون الاستجابة الى دعوات الهدنة. ولما زادت مشاعر اليأس بينهما، كان كل حزب منهما يفكر في دعوة الرئيس العراقي وجيشه الى التدخل في الشمال. ويذكر مؤلف الكتاب أن ذلك كان يمثل كارثة بالنسبة لواضعي خطة الانقلاب، لأن القوات المشاركة في تنفيذ الخطة لم تكن لتستطيع رفض الأوامر بالتوجه الى كردستان، وأي شبهة لتمرد في هذا المجال كانت ستستدعي ردا ساحقاً من قبل الرئيس العراقي. ويقول المؤلف روبرت بير: «ان الضابط العراقي الكبير أوضح له بجلاء ومنذ البداية ان اللجنة العسكرية السرية تحتاج الى استمرار الأمر الواقع على ما هو عليه حتى الدقيقة الأخيرة، ذلك لان الخطر لن يحيق بانقلاب اللجنة فحسب، بل ان عودة الجيش العراقي الى الشمال، ولو ليوم واحد، سوف تشكل انتصارا رمزياً مؤكداً للرئيس العراقي، وسوف يفترض العراقيون فورا ان الولايات المتحدة قد أعطت سرا الضوء الأخضر للرئيس العراقي، وأنها تريد بقاءه في السلطة». وفي نهاية الأمر، فشلت محاولة الانقلاب وهرب الضابط العراقي الغامض الى دمشق ومنها الى لندن. ويقفز المؤلف في مذكراته من موضوع الى موضوع اخر، بل يلجأ احيانا الى التوقف عن سرد كثير من تفاصيل واقعة ما، ويتركها معلقة، وينتقل الى موضوع اخر، ثم يعود مرة اخرى الى الموضوع السابق وهكذا. على اي حال يقفز بير الى قصة النفط مقابل الغذاء ويقول ان هذا البرنامج خفف من المعاناة داخل العراق بحيث اوقف موجة الهروب من جيشه، ويقول المؤلف انه اذا ارادت أمريكا ان تطيح بالرئيس العراقي الان، فان عليها ان تخوض حربا، لا ان تدعم انقلابا. ويعود المؤلف الى بداية فرض الحظر على تصدير النفط العراقي، ففي الشهور التي سبقت حرب الخليج الثانية فرضت الأمم المتحدة حظرا كاملا على النفط العراقي، وحظراً على جميع الصادرات العراقية بما في ذلك النفط، بالطبع. ومع ذلك نشأت على الفور عمليات تسريب لخرق الحصار، بدأت باستخدام مراكب نقل البضائع في الخليج التي كانت تخترق الحصار في الليل. وسرعان ما بدأ فتح طريق بري عبر البلاد الى تركيا. وقامت شاحنات الخضروات في نقل النفط من كركوك في خزانات مموهة ومثبتة باللحام في شاسيه السيارات. وبحلول عام 1995 اشارت التقديرات الى أن الكميات المهربة الى تركيا بلغت مئة الف برميل يوميا. وكان لابد من مرور النفط عبر قطاع كبير من كردستان يقع تحت سيطرة الحزب الكردي الديمقراطي، وكان مسعود البارزاني يقتطع نصيبه من النفط من كل شاحنة. ويرى المؤلف ان النفط المهرب كان في الوقت نفسه يمثل شريان حياة بالنسبة للرئيس العراقي، الذي استخدم عوائده لتمويل اجهزة مخابراته وقوات الحرس الجمهوري الخاصة. والواقع أنه قد بدا ان الجميع استفاد من التهريب باستثناء جلال الطالباني لان طريق التهريب لم يكن يمر في منطقة نفوذه. وبعد ان ملأ البارزاني جيوبه بأموال النفط، اصبحت عمليات التهريب تمثل خطرا على استقرار شمال العراق. ويقول رجل المخابرات الامريكية، ان واشنطن كانت على علم كامل بعمليات التهريب، ولكنها اغمضت عينيها وتظاهرت بأنه لا وجود له، بل إنها لم تبذل أي جهد للاعتراض على ذلك لدى تركيا، لا من خلال وزارة الخارجية الأمريكية، او السفير الامريكي في أنقرة، وكانت مجرد مكالمة هاتفية كفيلة بوقف تلك العمليات وكان جانب من المشكلة يتمثل في عدم رضا الأتراك عن الأحوال التي اعقبت حرب الخليج الثانية. وكانت امريكا قد وعدت تركيا بأن تكون الحرب خاطفة وحاسمة، ولكنها لم تشر أبدا الى احتمال فرض حصار لا نهاية له على العراق، ولا الى الأضرار التي ستلحق بالاقتصاد التركي. وزادت المشكلة تعقيداً بسبب البيروقراطية اذ ان السفارة الامريكية في أنقرة تخضع للادارة الاوروبية، في وزارة الخارجية الامريكية، وبالتالي فان تهريب النفط، والرئيس العراقي والمنشقين العراقيين، والأكراد المنقسمين، من نصيب مكتب الشرق الأدنى، وبذلك انصب كل اهتمام السفارة في أنقرة على اسعاد الأتراك، واذا قالوا انهم يحتاجون الى نفط رخيص لمصافي البترول لديهم فالتهريب يوفر لهم ما يحتاجونه. ويعلق المؤلف على هذا بقوله: «انني لا أستطيع ان أفهم السبب في عدم تدخل البيت الأبيض اذ كان كل ما عليه ان يفعله هو ان يطلب من السعودية بيع مئة الف برميل لتركيا بسعر منخفض، وكان مؤكدا ان تقوم تركيا بمنع عمليات التهريب في هذه الحالة، ولكن بدا الامر وكأن البيت الابيض يريد ان يجري وراء المال. وبالطبع، كان لذلك مغزاه بالنسبة للعراقيين، ذلك ان امريكا ـ عندما تغمض عينيها عن النفط المهرب ـ تدفع بذلك المعارضة الكردية، الى التقاتل، حتى ولو ساعدت الرئيس العراقي على دفع نفقات قوات الحرس الجمهوري. ومرة أخرى يتعين على القاريء الانتباه الى ان مؤلف هذا الكتاب ظل نشاطه في وكالة المخابرات الامريكية متركزاً على محاربة ما يسمى بالإرهاب بالمفهوم الامريكي، وخاصة بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين عامة، ذلك أن السياسة الامريكية المنحازة للعدو الصهيوني والمعادية لكل نضال عربي من أجل الوطن لاتزال مستمرة في تضليل العالم ووصم المناضلين العرب بأنهم ارهابيون، غير ان ما يهمنا من هذا الكتاب هو انه يفضح مواقف امريكية كثيرة وسياسات مشبوهة. في بيروت نعود الان الى قصة اخرى تبدأ مع المؤلف بعد أن قضى ثلاث سنوات في الهند امضاها في التجسس لحساب واشنطن ومحاولة تجنيد عدد من العملاء من هناك، ثم نقل لينضم الى شبكة المخابرات الامريكية في لبنان. وهو يبدأ مذكراته عن نشاطه في لبنان بيوم 18 ابريل 1983 ولكنه يعود فيذكرنا بتفاصيل كثيرة معروفة عن حادث تفجير السفارة الأمريكية في بيروت، ويقول انه لم تكد تمضي اربع وعشرون ساعة حتى اندفعت أسراب من محققي الـ «إف. بي. آي»، والـ «سي. آي. ايه»، الى العاصمة اللبنانية، وكانت المشكلة التي واجهتهم هي ان الانفجار لم يترك شيئاً لكي يفحصوه، فقد مزق الانفجار سائق السيارة المفخخة تمزيقا مروعا، ولم يعد هناك اثر للمفجر الذي استخدم مما دعاهم الى افتراض ان صانع القنبلة وضع كمية صغيرة من المتفجرات داخل المفجر للتأكد من نسفه اثناء الانفجار. وتعتبر اجهزة التفجير مهمة مثل توقيع الانسان، ويهتم الخبراء دائماً بالبحث عنها. وازداد الغموض عندما عجز خبراء الطب الشرعي التابعين للإف.بي.آي عن اخذ عينة عشوائية من الانقاض لكي يتوصلوا الى تركيبة المتفجرات وهل هي من نوع «سيمتكس»؟ ام آر. دي. إكس؟ ام سي ـ4؟.. ولم يستطيعوا ان يكونوا فكرة عن ذلك غير انهم في النهاية وجدوا مسحة من مادة تسمى بي. إي. تي. إن، ولكن معظم المتفجرات العسكرية تحتوي على بعض منها، ولم يضف ذلك شيئاً لحل لغز المتفجرات، واشار احد التفسيرات الى احتمال وجود خزانات ملئت الى نصفها بمادة الاسيتلين، واحاطت بالمتفجرات لا لتنشيط قوة التفجير وزيادة قدرتها التدميرية، بل وايضاً لضمان محو آثار المتفجرات مع السائق وجهاز التفجير، اما بالنسبة للشاحنة نفسها فقد عثر رجال مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية على قطعة من الشاسيه وتتبعوا عن طريقها المشتري الاصلى في تكساس، ولابد ان شخصا ما اشتراها بعد ذلك مستعملة وشحنها الى الخليج، ولكن انقطعت آثارها بعد ذلك، ولم يستطع رجال المباحث معرفة كيفية وصولها الى بيروت ولا من هو مالكها. ويذكر المؤلف في النهاية ان رجال المباحث الفيدرالية الامريكية ووكالة المخابرات المركزية وعملاءها من اللبنانيين انتشروا في الضواحي الجنوبية من بيروت وفي وادي البقاع بمعاونة المخابرات اللبنانية، ولكن الجميع عادوا بخفي حنين من دون العثور حتى ولو على إشاعة او خيط يهتدون به. واعلنت ثلاث جماعات مسئوليتها عن الانفجار، ولكن وكالة المخابرات الامريكية لم تكن متأكدة حتى من وجود هذه الجماعات. ويذكر المؤلف انه كان في تونس يدرس اللغة العربية هناك، عندما جاءت انباء التفجير الذي نزل عليه كالصاعقة، ويقول بير انه «ظن في البداية» ان جماعة فلسطينية راديكالية ربما تكون وراء التفجير وان المسألة لن تستغرق اكثر من بضعة اسابيع لاعتقال البعض وافتضاح الخطة، ولكنني كنت مخطئاً ولم تكن لدي أية فكرة عن ان مشكلة الكشف عن العملية لن تحل على المستوى الرسمي، وانها سوف تصبح همي الشاغل مدى حياتي. ويترك المؤلف هذا الموضوع ليعود الى ذكرى قديمة لها اهمية انعكست على عمله في الشرق الاوسط فيما بعد يقول بير :اثناء السنة الاولى من دراستي للغة العربية في واشنطن دي. سي نشأت صداقة بيني وبين طالب فلسطيني شاب، ولكنه لم يكن يعرف انني اعمل في وكالة المخابرات المركزية. وكان يعاونني في دراسة اللغة العربية واعاونه انا في اللغة الانجليزية، وتسكعنا سويا في جورج تاون وعرفني على المطبخ العربي. وعندما تقرر نقل روبرت بير الى بيروت اخبره الشاب العربي بأن له اخاً يعيش هناك، واعطاه اسمه وعنوانه اذا احتاج الى مساعدة. ويطلق المؤلف اسم «خالد» على هذا الاخ. وقد اتصل به بعد وصوله لبنان بوقت قصير، وعرف المؤلف بعد ذلك انه عضو في إحدى جماعات المقاومة. وما لبث بير ان عرف عنوان مكتب «ابو نضال» السري الذي كان على رأس قائمة المطاردين لدى المخابرات الامريكية. ويقول المؤلف انه هو الذي قام بمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن مما ادى الى قيام اسرائيل بغزو لبنان يوم 6 يونيو 1982. وقام رجل المخابرات بمراقبة البناية التي يوجد بها المكتب ولاحظ وجود حارس مسلح يجلس في مدخلها بحيث تصعب رؤيته من الخارج، وكانت بناية سكنية من ثلاثة طوابق، وخطط لاستئجار شقة في بناية مجاورة لها تلتصق حوائطها بذلك المكتب، ثم يقوم بحفر فجوة في الحائط المشترك بين الشقة والمكتب بشرط الا تصل الفجوة الى نهاية الحائط من داخل المكتب، ويضع ميكروفونا في الفجوة بحيث يستطيع سماع ما يدور في داخل المكتب بمساعدة جهاز يقوي الصوت، وبلمسة واحدة يدير جهاز تسجيل. وعندما عرض الخطة على رئيسه في بيروت رفض خوفا من إثارة حساسيات سياسية وقال له ان هذا البلد مهم للولايات المتحدة، وانه يتحاشى القيام بعملية تتسم بالمخاطرة. ويعود مؤلف الكتاب بنا مرة اخرى الى موضوع نسف السفارة الامريكية. في بيروت قائلا ان السفارة الامريكية ـ رسمياً ـ كانت مستمرة في التحقيقات، اما من الناحية غير الرسمية فان الموضوع مات، ولم يظهر شيء بعد عمليات الاعتقال التي قامت بها السلطات اللبنانية، وقام رجال المباحث الامريكية باغلاق ما جمعوه من موقع الانفجار في اكياس من البلاستيك ووضعوا ما امكنهم العثور عليه من بقايا السيارة في صندوق وعادوا الى امريكا لكتابة تقريرهم. واستمرت السلطات اللبنانية في تحقيقات من دون ان تتوصل الى معرفة شخصية السائق او مالك السيارة او نوع المتفجرات التي استخدمت ـ وبعد ستة اشهر اصدروا تقريرا نهائياً سيئاً تضمن اتهامات لا تسندها براهين او دلائل، وذات دوافع سياسية، ضد اعداء الرئيس اللبناني امين الجميل، سوريا وإيران ومنظمة فتح بقيادة ياسر عرفات، وثلاث منظمات فلسطينية اخرى، بل وحاول التقرير ايضاً ان يربط بهم منافسي الجميل المسيحيين حتى دون ان يقدم اقل دليل. ولم يلق التقرير اهتماماً يذكر من احد. وقد تزايدت الهجمات على القوات متعددة الجنسية، واقتصرت في البداية على الكمائن والقناصة، ولكن في 23 اكتوبر 1983 ـ بعد مرور ستة اشهر وخمسة ايام على نسف السفارة الامريكية ـ تكبدت الولايات المتحدة اسوأ خسائر عسكرية في زمن السلم، فقد قام سائق انتحاري بقيادة شاحنة مليئة بالمتفجرات واندفع بها من خلال البوابة الرئيسية لمبنى حوّله مشاة البحرية الامريكية الى ثكنات لهم، ولقي مئتان وواحد واربعون جنديا مصرعهم، كذلك ومرت ثكنة فرنسية بشاحنة مفخخة قتلت ثمانية وخمسين، واضطرت ادارة ريجان الى نقل جنود المارينز الى السفن الرابضة امام الساحل اللبناني، ومن هناك الى امريكا، وبحلول شهر ديسمبر 1983 لم تتظاهر واشنطن حتى بدعم اتفاق 17 مايو الذي سبق ان وقع برعايتها من اجل اعلان هدنة بين اسرائيل ولبنان. وفي 6 فبراير 1984 انهارت الحكومة المركزية اللبنانية بشكل كامل ونشأ تحالف بين الميليشيات المسلمة في غرب بيروت، وبدأ لبنان يصبح منطقة شديدة الخطورة. ويعود المؤلف مرة اخرى الى عملية تفجير مقر المارينز فيقول: «بعد اربعة ايام من الانفجار قرر رجال حكومة ريجان انه لا فائدة من مطالبة اللبنانيين بإعادة فتح ملفات التحقيق، وبعد مرور نحو سنة ظل الامريكيون عاجزين عن معرفة اي جديد عمن وراء هذا التفجير، وسرعان ما اختفى مدبروه، وربما للأبد..