يعد مؤلف هذا الكتاب واحداً من أهم الضباط الميدانيين الذين عملوا في صفوف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث التحق بادارة العمليات التابعة للوكالة، في 1976 وتواصل عمله حتى عام 1997 في الشرق الأوسط، وقضى بعض الوقت في طاجيكستان والهند، فضلا عن أوروبا. وتعلم اللغة العربية وزاول نشاطه في شمال العراق وبيروت والرباط والخرطوم. وبعد أن تقاعد كتب مذكراته التي يضمها هذا الكتاب عن حياته في جهاز المخابرات الأمريكية ليتزامن صدوره مع مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر الدامية. وعلى الرغم من ان المؤلف يوجه انتقادات مرة الى السياسة الأمريكية ووكالة المخابرات ومسئوليها، إلا أنه من الواضح أن يتحدث من زاوية أمريكية بحتة، وبعقلية جاسوس أمريكي متعصب، يصر على ترديد المزاعم الرسمية الأمريكية، وأضاليل اعلامها، الذي كثيرا ما يقلب الحقائق الى النقيض، وخاصة بالنسبة لنضال شعوب الشرق الأوسط والوطن العربي بشكل خاص. لدى القاء النظرة الاولى على كتاب «لا ارى شراً» الذي نناقشه يلفت النظر امر مهم للغاية هو ما جاء في المقدمة التي كتبها الصحافي الأمريكي البارز سيمور هيرش للكتاب في 24 نوفمبر 2001، والتي يقول فيها ان وصف بوب بير الدقيق (بوب هو اسم الدلع لروبرت) للحياة في المخابرات الامريكية بعد الحرب الباردة وجه ضربة قاسية لسمعة وكالة فشلت في حماية امريكا عندما احتاجت الى الحماية، غير ان مآخذ المؤلف على البيروقراطيين الجبناء والمسئولين اللامبالين في البيت الابيض سوف تبدو حقيقية في نظر جمهور خاص جداً يتمثل في عشرات العاملين المتميزين والناجحين الذين تقاعدوا مبكراً في السنوات الماضية. وقد تحدث هيرش مع عدد منهم نساء ورجالاً في شهور ماضية، ووجد انهم ـ مثل بير ـ تفور مشاعرهم بالغضب والالم والاحباط، وهم مثله ايضاً يؤكدون ان احداً لم يسمح لهم بالقيام بعملهم بالشكل الصحيح. ويذكر كاتب المقدمة ان «مجتمع المخابرات مازال ـ بعد نحو ثلاثة اشهر من الهجمات الارهابية في 11 سبتمبر، عاجزاً عن معرفة المسئولين عنها، او كيف كان القتلة يعملون، او اين كانوا يتدربون، او لصالح اي الجماعات يعملون، او ما اذا كانوا سيضربون مرة اخرى. يتساءل سيمور هيرش في تقديمه للكتاب: «هل كان ذلك من انجاز اسامة بن لادن وشبكته «القاعدة»؟ وهل نفذوه بأنفسهم كما ظلت ادارة بوش تزعم ذلك طول الوقت، ام كانت هناك جماعة ارهابية واحدة على الاقل متورطة كما يشير روبرت بير؟» ويرد هيرش على تساؤلاته بقوله: «لا نعلم شيئاً ولكني اراهن ان الحقائق عندما تظهر سوف تدعم احساس بير بأن المسئولية عن تلك الهجمات على امريكا لا تقع على عاتق جماعة تنطلق من احد كهوف افغانستان فقط». ويستطيع القارئ ان يلاحظ امراً اخر يشير اليه مؤلف الكتاب وهو ان مذكراته خضعت لرقابة مجلس رقابة في وكالة المخابرات المركزية الامريكية، اذ يتحتم على كل موظف في الوكالة ان يوقع ـ عند تعيينه اتفاقاً يسمح للوكالة بمراقبة اي شيء يكتبه للنشر. وقد وضع روبرت بير أشرطة سوداء على السطور والكلمات التي حذفتها الرقابة من كتابه. وفي مقدمة المؤلف نفسه يؤكد ان احداث سبتمبر لم تكن نتيجة خطأ واحد بل سلسلة من الاخطاء. ويقول بير «لقد خذلنا البريطانيون والالمان والفرنسيون وغيرهم، ولكن فوق ذلك كله نحن الذين خذلنا انفسنا». ويرى بير ان امريكا لم تكن لديها المعلومات التي تحتاجها ولا وسائل جمعها، ثم يتحدث عن تراخي الوكالة قائلاً ان الامريكيين كانوا يحصلون على اموال كثيرة تجعلهم لا يشعرون بالقلق اذ الحياة طيبة، والمحيطات على الجانبين هي كل ما يحتاجونه من حماية، وفوق هذا البحر من الذاتية يعوم البيت الابيض ومجلس الامن القومي وقد تحولا الى قلعتي التجارة حيث ترجح كفة مصالح الشركات الضخمة مصالح حماية المواطنين الامريكيين في وطنهم وفي الخارج. وركبت الـ «سي. آي ايه» الموجة. وعندما جاء يوم 11 سبتمبر 2001، ظهرت نتائج هذا الاهمال الجسيم امام عيون العالم اجمع. ذكريات عراقية يعود المؤلف الى ذكرياته وعلى وجه التحديد يوم 3 مارس 1995 في محافظة صلاح الدين بشمالي العراق حيث كان يقوم بمهامه التجسسية على العراق من تلك المحافظة العراقية ومعه ضابط سابق في القوات الامريكية الخاصة برتبة ميجور يدعى توم ويعمل مع ال«سي آي ايه» بناء على عقد خاص. ويقول المؤلف: «على الرغم من الضجة الصحافية المبالغ فيها فقد كانت حرب الخليج عام 1991 في اقصى احوالها، اشتباكاً محدوداً بين قوات التحالف ضد القوات العراقية لطرد جيشه خارج الكويت ومعاقبته على غزوها، ولكن لم يكن الهدف الاطاحة به، مما جعل حلفاءنا العرب، المدركين لفراغ القوة في المنطقة، يشعرون بالقلق. وعندما ثار الاكراد العراقيون ضد الرئيس العراقي الذي اضعفت قوته، اخذ الاكراد يتوسلون الى الامريكيين لمساعدتهم وبدلاً من ذلك تراخينا بينما دفع الرئيس العراقي بطائرات الهليكوبتر لقصف المعارضين له». ويرى المؤلف ان طوفان الاكراد الهاربين الى تركيا وايران هو وحده الذي جعل الرئيس الامريكي جورج بوش يفرض منطقة حظر الطيران، مما سمح للأكراد باستعادة كردستان، غير انهم كانوا يفتقرون الى سلطة مركزية حقيقية، وسرعان ما اندفعوا الى حرب اهلية وصلت الى حد قصف بعضهم البعض بالمدفعية الثقيلة يوماً متواصلاً او يومين. وفي منتصف فبراير تحول القتال واصبح وحشياً، وفجرت احدى السيارات المفخخة في سوق مزدحمة بالناس، مما ادى الى مقتل اكثر من مئة شخص، وقامت امرأة بتفجير نفسها بحزام متفجرات في بناية بالقرب من مسكن المؤلف، وما لبث ان قام الحزبان الكرديان الاساسيان بخوض معارك التحام ضد بعضهما على بعد لا يزيد على ميل من منطقة صلاح الدين. وفي الايام القليلة الاخيرة، لم يعد الأكراد وحدهم الذين اتجهوا الى معارك الابادة، بل بدا وكأن العراق كله يتجه الى الشيء نفسه، فقد اعلن الرئيس العراقي حالة الطوارئ القصوى في جيشه يوم 28 فبراير، والغاء الاجازات كافة، واستدعاء الاحتياطي للمرة الاولى منذ انتهاء حرب الخليج، وفي اليوم التالي الاول من شهر مارس قامت ايران بالشيء نفسه وارسلت المدرعات الى الحدود العراقية، ثم قامت فرقة تركية بالتحرك في اتجاه تلك الحدود، وبذلك بدا وكأن اكبر ثلاثة جيوش في الشرق الاوسط تقف على حافة الصدام. قصة برقية وهنا يتناول المؤلف قصة برقية وردت اليه من البيت الابيض، ووجه العجيب في ذلك ان بير لم ير الرئاسة الامريكية تبعث برسائل مباشرة الى عملاء المخابرات المركزية، وقد وردت اليه الرسالة عبر قنوات خاصة بالـ «سي آي ايه»، من مستشار الرئيس الامريكي للأمن القومي، توني ليك، وكان مفروضاً ان يسرع روبرت بير بتسليمها في ذلك الصباح الى منشق عراقي في الشمال، المهم ماذا تقول الرسالة؟ يقول النص بالحرف: «العمل الذي خططتم له لنهاية هذا الاسبوع تمت تسويته بالكامل، ونحن نعتقد بوجود احتمالات كبيرة لفشله، واي قرار بالمضي فيه يكون على مسئوليتكم». ويقول المؤلف ان البرقية حملت ايضاً أمراً له بالابراق الى واشنطن بعد تسليم الرسالة. وتوجه بير الى مكان يبعد تسعة اميال عن خطوط المواجهة العراقية وخلفه جبال كردستان التي تكسوها الثلوج. ووجد نفسه مستغرقاً في التفكير في عبارة «تمت تسويته»، ويقول: اذا كان الرئيس العراقي قد عرف حقاً كم اصبح قريباً من الاطاحة به لدفعه ذلك الى الاستماتة في الدفاع عن نفسه بدلاً من ارسال طابور مدرع الى شمال نهر الزاب لكي يبحث عن بير ورفاقه من عملاء المخابرات الامريكية. وكان «العمل» الذي تشير اليه البرقية هو «القيام بانقلاب ضد الرئيس العراقي، وكان موعده سيحل خلال اقل من ست وثلاثين ساعة. ويعرب المؤلف عن دهشته لموقف البيت الابيض ويؤكد ان واشنطن كانت تعلم بمشروع خطة الانقلاب قبل اكثر من شهر منذ نهاية يناير، وهو وقت كان يكفي ويزيد لطلب التأجيل او الالغاء قبل ذلك، ويؤكد بير مرة اخرى انه قام بنفسه بشرح الانقلاب للمسئولين في واشنطن، التي كانت تعرف ايضاً ان تنفيذ الانقلاب لن يجري بهدوء، اذ كان من المفروض تنفيذ جلبة فرعية قبل الخطة، وقد اردنا بالفعل ان يقوم الرئيس العراقي بنشر دباباته في الشوارع في الساعات السابقة على موعد الانقلاب، ولكن واشنطن تجاهلت كل ما شرحه جاسوسها، بل وتركت الاستعدادات للتنفيذ تجرى وكأنها قد اعطت الضوء الاخضر للانقلاب، ويتعجب المؤلف «كيف تجيء واشنطن في ذلك الوقت الضيق وتتصرف على هذا النحو، بعد استحالة قيام الضباط المؤيدين للانقلاب بادارة ظهورهم للعملية». وظل بير يتساءل: «لماذا؟ ولم كل هذا التأخير؟ وقد كان مجلس الامن القومي يعلم بكل شيء كما كان مارتن إنديك مساعد ليك لشئون الشرق الادنى على علم بالخطة، وقام إنديك بنفسه بتفويض وكالة المخابرات المركزية، الامريكية بانشاء قاعدة للعمل السري في شمال العراق، وهي التي يتولى المؤلف رئاستها في ذلك الوقت، بل وعندما حاولت وزارة الخارجية الاعتراض على انشاء تلك القاعدة قام مارتن انديك باحباط محاولاتها. وكان انديك ايضاً يعرف كغيره في مجلس الامن القومي المتابعين للوضع في العراق، ان مهمة القاعدة كانت (ثم شريط اسود من الرقابة) المنشقين العراقيين على الاطاحة بالرئيس العراقي. ويسهل على القارئ ان يضع كلمة «مساعدة المنشقين» بدلاً من الشريط الاسود. ولو كان مجلس الامن القومي لا يحب فكرة الانقلاب لكان عليه الغاؤها في اواخر يناير عند اقتراحها اول مرة. وخطر في بال بير ان يهاتف مارتن انديك عبر هاتف الاقمار الصناعية المؤمن الذي تحتفظ به خلية المخابرات ولكنه تذكر ان رقمه ليس معه، وحتى لو كان معه الرقم فلن يتلقى رداً لأن موظفي المجلس لا يتلقون مكالمات من قواعد الـ «سي آي ايه» في ميادين العمل. عندئذ قام بطلب مكتبه من واشنطن وهو مكتب مجموعة العمليات العراقية وهي الوحدة المتفرعة عن القيادة والمسئولة عن (مرة اخرى شريط اسود بدلاً من كلمات محذوفة بواسطة الرقابة) الرئيس العراقي (وربما كانت العبارة الناقصة تفيد بمسئولية المجموعة عن اغتيال او تصفية او تنحية الرئيس العراقي). ورد الضابط المنوب على الهاتف قائلاً: «ألا تعرف ان حالة الطوارئ القصوى اعلنت في الجيش العراقي؟». ورد عليه بير بقوله: «المفروض ان يحدث ذلك، فهذا جزء من الخطة، ولكن ماذا عن الجزء الآخر.. الجزء السري؟!» ولم يشأ بير ان يفصح على الهاتف بأكثر من ذلك عن الانقلاب. وخرج روبرت بير من المكالمة بنتيجة هي: «ان من الواضح ان حرباً اخرى مع الرئيس العراقي ليست جزءاً من خطط توني ليك، مستشار الرئيس الامريكي للأمن القومي. لقد قرر هذا واقتنع به، وهو لا يريد ان يسمع شيئاً اخر في هذا الموضوع». اصل الحكاية ويرجع المؤلف الى الشهور السابقة على شهر مارس 1995 لكي نعرف اصل حكايته ففي 21 يناير من ذلك العام وصل روبرت بير وفريقه من علماء المخابرات الامريكية، الى شمال العراق، ولا علم لهم بوجود اي شخص يريد الاطاحة بالرئيس العراقي، ولكن كان العراق في رأي رئيس ذلك الفريق هو المكان المثالي لمحاولة تجنيد ضباط بالجيش العراقي، وكان اول عمل مقرر لهم بعد عبورهم الحدود هو مقابلة ضابط عراقي رفيع الرتبة في زاخو وهي مدينة صغيرة استولى عليها الاكراد في مارس 1991. وكان هذا الضابط ـ الى ان هرب الى الشمال في نوفمبر 1994 ـ مستشار في رئاسة الجمهورية. وقد داعبت الآمال المخابرات الامريكية، اذ ربما كان هذا الرجل يعرف شيئا عن مواقع اخفاء صواريخ سكود، والاهم من ذلك الرؤوس البيوكميائية ـ وعندما سأله بير ان يتحدث قليلا عن استراتيجية الرئيس العراقي بالنسبة للسلاح، ابدى الضابط دهشته من السؤال وقال انه لا يعرف شيئا عن ذلك، اما الرئيس العراقي وزوج ابنته حسين كامل وعدد قليل من المحيطين بالرئيس العراقي فهم وحدهم الذين يعرفون أين خبئت. وهنا سألهم الضابط العراقي قائلا: «هل تريد الولايات المتحدة بقاء الرئيس العراقي في الحكم؟!».. ويردد المؤلف: ها قد عدنا مرة اخرى!! وهو يرى ان الضابط كان يلمح الى نظرية المؤامرة القديمة، التي عرقلت كل شيء حاولت واشنطن فعله في العراق، والتي تشير الى ان الولايات المتحدة حافظت سرا على بقاء الرئيس العراقي في السلطة. ويقول المؤلف انه سمع ذلك من كل عراقي قابله، بل الى حد ان البعض اصبح يتساءل عن سبب عدم القضاء عليه في نهاية حرب الخليج الثانية، بل الوصول الى حد السماح له بالاحتفاظ بطائرات هليكوبتر ليستطيع بها تحطيم اي عصيان شعبي، ونشأ كذلك سؤال عن سماح الولايات المتحدة له بتهريب كميات من النفط عبر دول حليفة لواشنطن مثل تركيا والأردن. ويزعم المؤلف كذلك ان الشائعات ايضا بررت محاولة الرئيس العراقي اغتيال الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش الاب اثناء زيارته للكويت عام 1993. وازاء سيطرة نظرية المؤامرة على بعض العقول، فان المؤلف لم يجد اجابة على سؤال الضابط العراقي الا بقوله: «نحن نريد الاطاحة بالرئيس العراقي ولكن الشعب العراقي هو الذي يبقيه في الحكم طيلة هذه السنوات». ويستمر المؤلف في روايته عن الضابط العراقي الذي لم يذكر اسمه ويقول انه طلب منه الخروج، وعندما اصبحا في الشارع قال له انه ارسل الى الشمال من قبل مجموعة ضباط عسكريين ينوون التخلص من الرئيس العراقي، وانهم يحتاجون الى معرفة ما اذا كانت الولايات المتحدة سوف تقف في طريقهم أم لا. واضاف الضابط العراقي قائلا: «هناك طلب ثان اذ نريد من الولايات المتحدة ان تؤمن لنا الاعتراف الدبلوماسي، وإلا نشب صراع على السلطة وحرب أهلية». وصمت الضابط الكبير وكان واضحا انه ليس مفوضا بأن يقول أكثر مما قاله. وقال له بير: «سوف تحتاج واشنطن لمعرفة التفاصيل، مثل المشاركين» ورفع الضابط يده ليسكته، قائلا له: «من فضلك احصل أولا على اجابة من واشنطن وسوف نتكلم عن التفاصيل فيما بعد!». ويذكر المؤلف ان الجنرال كان يعقد اجتماعا مع رئيس الاركان التركي في أنقرة وأن طائرة هليكوبتر عسكرية تركية كانت في انتظاره على الجانب الآخر من الحدود، وكان هذا الضابط ينوي التحدث مع الأتراك حول الانقلاب وقال له الضابط: أعرف ما تود السؤال عنه ولكن يبدو انك لا تطرحه من باب اللياقة، نعم نحن نعرف ماذا نفعل ونعلم العقوبة في حالة الفشل. لقد رأيت بنفسي مدى احكام الأمن الخاص بالرئيس العراقي. ولقد قدمت تقارير اليه خلال الحرب ثلاث أو أربع مرات، هل تعلم كيف كنت أنا ـ وأي شخص غيري ـ نقابله؟ كانت الأوامر تجيء بالتوجه الى ناصية شارع معين في بغداد والانتظار هناك، وعلى الشخص الانتظار ساعتين أو ثلاث ساعات، وأخيرا تأتي سيارة وتقترب منك وتتوقف ويطلب منك الصعود الى المقعد الخلفي والاستلقاء على أرضية السيارة، ثم توضع بطانية فوق رأسك حتى لا ترى شيئا. وقد تظل السيارة تتجول في المدينة نحو ساعة على الأقل من دون أن تكون لديك فكرة عن مكانها ثم تتوقف السيارة حيث يكون الرئيس العراقي في الانتظار أمام منزل عادي جدا ربما يكون قد تم الاستيلاء عليه لمرة واحدة فقط، وعندما ينتهي الاجتماع، تأخذك السيارة نفسها بالطريقة ذاتها، ولن تعرف أبدا أين كنت. ان التدابير الأمنية حوله محكمة ولكننا نعرف نقاط ضعفها. واضاف الضابط العراقي قبل انصرافه: «كل ما نطلبه من واشنطن أن تكون صريحة معنا، ولا بد ان نعرف ما اذا كانت تريد اسقاط الرئيس العراقي أم لا؟ ولا شيء أكثر من ذلك، سأعود من أنقرة بعد يومين أو ثلاثة وآمل أن اتلقى الرد عندئذ». وقام بير بارسال برقية الى واشنطن بمجرد دخوله الى بيته آملا أن تحمل هذه المسألة على محمل الجد ذلك لأن هذا الضابط لا يشير فقط الى عملية انشقاق على الرئيس العراقي، بل ينتمي ايضا الى عائلة بارزة سياسيا في جنوب الفرات، والامر الأهم في نظر المؤلف الجاسوس انه كان مسلما سنيا مثل الرئيس العراقي نفسه. وبعد اسبوع من رسالة عميل المخابرات الامريكية، حول النوايا التي كشف عنها الضابط العراقي بعثت قيادته ردا خاطفا من بضع كلمات تقول: «هذه ليست خطة» واعتبر بير رد الفعل هذا غريبا فقيادته لم تطلب حتى معلومات اضافية أو تبدي تشجيعا ما. وذهب لرؤية الضابط العراقي بعد عودته في منزل في وسط منطقة صلاح الدين في نهاية مجموعة من الشوارع الضيقة الموحلة وجلس الاثنان واحتسيا الشاي الذي قدمته زوجة الضابط، وقرر بير الا يطلعه على حقيقة الرد حتى لا يفقد ثقته فذكر له أن واشنطن لم ترفض فكرة الانقلاب ولكنها تريد فقط مزيدا من التفاصيل مثل اسماء الضباط المشاركين، وعندما ذكرت للضابط انني لم أتلق ردا حول مسألة الانقلاب تجهم وجهه، فقد كانت اللجنة السرية للضباط تأمل في الحصول على رد خلال 24 ساعة ولم يقتنع الضابط بأن واشنطن عاجزة عن ان تتخذ موقفا من أمر بهذه الأهمية خلال ساعات. برق ورعد كان العمود الفقري للانقلاب مكونا من ثلاث وحدات قتالية هي اللواء 76، وفرقة المشاة 15، والفرقة الميكانيكية الخامسة. وبينها قوة نيران تكفي لقهر أي وحدة قتالية مؤيدة للرئيس العراقي بما في ذلك فرقة الحرس الجمهوري، وكذلك كان هؤلاء الضباط يتوقعون ان يتحركوا بسرعة نحو الرئيس العراقي قبل أن يكون لدى قواته المؤيدة له الوقت للتنظيم والانتشار، اذ تبدأ الخطة خاطفة كالبرق، وتصل كالرعد قبل ان يستطيع أي شخص فعل أي شيء. وكانت هناك وحدة رابعة مهمة جدا وحاسمة بشكل مطلق بالنسبة لنجاح الانقلاب، وهي وحدة الدبابات الملحقة بمدرسة صلاح الدين للمدرعات والتي كان موقعها خارج تكريت تحت قيادة كولونيل يقوم بتشكيل رأس حربة للانقلاب، وبمجرد تلقيه الأمر من اللجنة السرية بالتحرك يقوم بالاستيلاء على اثنتي عشرة دباب بطواقمها من المدرسة ويقودها الى مجمع صدام السكني في «عوجة» وهناك يحتجزه مدة تكفي لوصول الوحدات الثلاث الاخرى وتوجه الضربة الحاسمة. وقد اختيرت عوجة القرية الصغيرة شرق تكريت لتكون الركن الاثير لدى الرئيس العراقي الذي كان يعرف كل واحد فيها، وكان ملجأه اذا حدث شيء ما في العراق، وهو يرتبط بها كثيرا لأنه ولد فيها. وبعد وصوله الى السلطة قام ببناء مجمع متوسط في القرية يتمتع بوسائل دفاع جيدة. وكانت خطة اللجنة السرية تقضي بتحرك لصرف الانظار بعيدا عن العوجة، وربما يحدث التحرك الهامشي في بغداد، ثم انتظار وصول الرئيس العراقي الى القرية قبل ان يدفع الضابط المعني بدباباته الى الطريق. وعلى الرغم من اعتماد اللجنة على فكرة توجه الرئيس العراقي الى القرية الا انها احتاطت للأمر ولم تترك شيئا للصدف فكلفت اللجنة واحدا من الطاقم الأمني الداخلي في الرئاسة باخطارهم بمجرد مغادرة الرئيس العراقي في طريقه الى القرية. تأليف: روبرت بير، عرض ومناقشة: صلاح عويس