«من اجل تجهيز انتحاري واحد أنت لا تحتاج لاكثر من عشرة اشخاص أما من أجل اعتقاله فأنت تحتاج الى الف جندي». العبارة لوزير خارجية اسرائيل شيمون بيريز، قالها تعليقا على الحشود العسكرية الضخمة، التي شاركت في اجتياح المدن الفلسطينية في الايام العشرة الماضية، ويقترح معلق اسرائيلي، بعد الاجراءات الامنية الاخيرة، ان يضيف بيريز الى عبارته قوله: «ان هذا الانتحاري يحتاج متى انطلق لانجاز مهمته، الى عشرة آلاف جندي لمنعه من الوصول الى هدفه». الاستشهادي و..الامبراطورية هذا الحوار الاسرائيلي، بعد نصف قرن على الاحتلال يكشف عن شيء جديد بالتأكيد ومخيف، وليس لاسرائيل وحدها.. إن الامبراطوريات، على مر التاريخ، كانت تقوم على القوة، والجيوش هي الوجه السافر لهذه القوة، ولكن فجأة تخرج فتاة في السابعة عشرة من عمرها لا تملك سوى حزام من المتفجرات تلفه حول خصرها وتستنفر عشرة آلاف جندي لمواجهتها، وعندما يتكاثر عدد هؤلاء الاستشهاديين، فتيات وفتيانا، فإن خللا كبيرا يقع، اذ ان توازن الرعب كان يتحقق بين امبراطوريتين، أو اكثر متكافئتين في موازين القوة والقدرة على تدمير الخصم، وهذا التوازن لا يأتي بين يوم وليلة، فهو يحتاج الى تراكم معارف وخبرات وتوظيف امكانيات هائلة في تطوير القدرات العسكرية، وحتى عندما يتحقق هذا التوازن فإنه يحتاج الى متابعة والى تطوير يومي وهو ما كانت تفعله اسرائيل، وعلى مدى نصف القرن الماضي. ونجحت، وبدعم امريكي متواصل في تحقيق «التفوق الاستراتيجي» ليس على العرب وحدهم بل على منظومة من الدول تشمل ايران وباكستان. وباتت الآلة العسكرية الاسرائيلية، بترسانتها النووية، وتفوقها التكنولوجي، تستدرج دولا مثل الصين والهند للتعاون معها، وباختصار لقد باتت اسرائيل، في مطلع القرن الواحد والعشرين، امبراطورية عسكرية تنافس اسبرطة اليونانية القديمة في سحق اعدائها. حدث في لبنان ثم وقع الخلل، وهو لم يبدأ من فلسطين بل من لبنان، خطيئة شارون كانت قاتلة، فهو عندما احتل العاصمة اللبنانية كان يحفر قبر الامبراطورية بيديه، نسف مقر القيادة الاسرائيلية في الجنوب كان محطة فحسب، ومثله نسف مقر قوات «المارينز» في بيروت، من دون ان ننسى الفرنسية، براكين الغضب التي اطلقها الاحتلال باتت تواجه الامبراطوريات، اسلحتها بدائية: شاحنة مفخخة، رجل مفخخ او فتاة، واحيانا حمار مفخخ، ولم يكن هذا السلاح يحتاج الى عبقرية بل الى ارادة، وتوفرت الارادة، ولم ينفع اسرائيل ان تخرج من العاصمة بيروت لتستقر مع عملائها في الجنوب، فالغضب كان يطاردها، ولم يكن امامها، وبعد ما يزيد على عشرين عاما من الاحتلال، إلا ان ترضخ لقرارات الأمم المتحدة وان تنسحب. هل قلنا ترضخ لقرارات الامم المتحدة؟ بل لارادة شعب مزقته الحروب الداخلية على مدى عقدين من الزمن الى ان فاجأه شارون في عاصمته المدمرة ليكشف له، وبالقتل والقهر اليومي، ان مقاومة المحتل هي اقصر طريق لعلاج امراض الطائفية والقبلية والعائلية. وزرع شارون قنبلته الموقوتة في صبرا وشاتيلا. انهم يهددون الحضارة كلها اذن توازن الرعب هذا هو ما دفع صحافياً رصيناً ومحترفاً مثل توماس فريدمان الى ان يكتب في تعليقه الاخير في «نيويورك تايمز» ما يأتي: دعونا نكن واضحين تماما: «ان الفلسطينيين تبنوا التفجيرات الانتحارية باعتبارها خيارا استراتيجيا وهو ما يهدد الحضارة كلها لانه لو سمح للتفجيرات الانتحارية ان تنجح في اسرائيل، عندئذ فإنه، مثل خطف وتفجير الطائرات، سوف يتم استنساخها، وسوف تقود في النهاية الى انتحاري يلف حول خصره قنبلة نووية ويهدد أمما بكاملها ولهذا السبب على العالم كله ان يرى ان هذه الاستراتيجية الفلسطينية الانتحارية لابد من ان تهزم». من بيروت الى القدس توماس فريدمان هو من اطلق مبادرة ولي العهد السعودي اعلاميا، قبل ان تتحول الى مشروع سلام عربي، وهو ليس غريبا عن العالم العربي ولا عن فلسطين، عندما اجتاح شارون بيروت كان فريدمان حاضرا فيها، ثم تابع نتائج هذا الاجتياح وتداعياته داخل اسرائيل، وفي كتاب وضعه فريدمان في العام 1989 تحت عنوان: من بيروت الى القدس، نقرأ عن مقابلة له مع الدكتور جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اثناء الحصار، وقد تمت المقابلة في ملجأ: لقد ضرب حبش المائدة امامه بقبضته وهو يقول: شكرا للرب فقد عشت لأشاهد اليوم الذي يحارب فيه جيش فلسطيني الجيش الاسرائيلي، الآن استطيع ان اموت (بارتياح) لم اعد احتاج الى رؤية شيء اخر. وكان الحكيم، كما يكتب فريدمان، يقاتل اسرائيل منذ العام 1948. وفي 30 اغسطس عام 1982 يوم مغادرة ياسر عرفات وقواته بيروت تحت الحماية الدولية، يكتب فريدمان: لقد كان هناك هالة من الكرامة تحيط بهؤلاء الثوار لا يمكن مقاومتها، وعندما كنت انظر اليهم لم اكن اتمالك نفسي من هز رأسي بأسى بسبب التزامهم، لقد قاموا بحراسة مداخل بيروت الغربية، لم يكونوا مسلحين بأكثر من القنابل المضادة للدروع، ضد جيش اسرائيلي يستخدم اكثر الاسلحة تطورا في العالم، لقد كانت مهمة انتحارية، كانوا اولادا، ولكن النظرات في عيونهم كانت تقول، وعلى عكس قادتهم، انهم كانوا سوف يحاربون حتى النهاية. فلسطين كانت حلماً ويزور فريدمان عرفات ورجاله بعد انسحابهم الى تونس ويكتب: لقد زرت رجاله هناك، بعد فترة قصيرة على الرحيل من لبنان.. وعندما عرفوا أنني قادم من بيروت كان كل ما يريدون ان يسمعوا عنه هو الوطن الوحيد الذي عرفوه: بيروت الغربية.. ان فلسطين الحقيقية كانت حلماً، ولبنان كان فلسطين الثابتة حيث عاشوا حياتهم وذهبوا الى المدارس وحكموا الشوارع.. ان فريدمان، وامريكيين اخرين يكتشفون ان الوطن لم يعد حلماً لهؤلاء «الاولاد»، بل أرضاً ثابتة تحت اقدامهم، هي ارضهم، وأمنهم، وربما على نقيض قادتهم، سوف يقاتلون هذه المرة وحتى النهاية. هل قلنا النهاية؟ ان صبرا وشاتيلا لم تكن النهاية، ومثلها جنين ونابلس.. واذا كان كل انتحاري يحتاج الى عشرة آلاف جندي لمنعه من تنفيذ مهمته، فإن شارون وامثاله قادرون ان يخلقوا في كل يوم عشرة آلاف انتحاري.. وليس في فلسطين وحدها.. ومن حق فريدمان ان يخاف.. (!)