إذا كان العرب مازالوا يلوذون بالصمت ويتباطأون في الضغط على أمريكا بخصوص مواقفها التبعية لاسرائيل، فإن الكثير من الامريكيين ما عادوا يتباطأون.. إن هؤلاء الأمريكيين ليسوا مؤيدين للعرب، ولا معادين لاسرائيل، ولكنهم بسبب توالي البث التلفازي للانتفاضة أصبحوا يكوّنون رؤية أكثر توازنا بشأن الصراع العربي الاسرائيلي. تهديد المصالح الامريكية إن هنتنجتون الذي كان ينتظر منه ان يستبشر بأي شرارة صراع أو نزاع تؤكد مصداقية نظريته الشريرة، قام مرتين ـ وإن يكن على استحياء ـ بنقد اسرائيل في مقالة بمجلة «نيوزويك» كما انتقد السياسة الخارجية الأمريكية لعدم توازنها ولميلها التلقائي لصالح الطرف الاسرائيلي، وقد جعل هنتنجتون من ذلك التصرف المتحيز عاملا غير مباشر أدى الى هجوم الارهابيين الذي دمّر برجي نيويورك وجناح البنتاجون، وجعل من ذلك ثمناً دفعته أمريكا وعقاباً نالته على تماديها في التحيز للاسرائيليين، ودعا لتجنب دفع ثمن باهظ مثل ذلك في المستقبل. كان ذلك أول نقد ضد اسرائيل يصدر عن قلم هنتنجتون وربما كان ذلك مجرد فاتحة لكتابات أخرى تالية، وعلامة على مرحلة جديدة في تفكير هنتنجتون وتفكير أمثاله من غلاة اليمين القومي الأمريكي الذين كانوا يتعصبون لاسرائيل، فيما مضى، حين لم يكن لذلك التعصب ثمن يدفعه الشعب الامريكي من مصالحه، أما عندما يدركون بان أن هناك ثمناً قد دفع بالفعل، وثمناً آخر ستضطر أمريكا الى دفعه وشيكاً بسبب تصاعد غضب الشعوب العربية عليها، فإن هؤلاء الكتّاب بدأوا يتيقظون وينبهون قادتهم على ما هم فيه من خطل. إن هنتنجتون غير مرتبط بمصالح سياسية مباشرة الآن، فهو لا يخشى على مركزه ولا ينافس على مركز آخر أكبر، فهو آمن من جهة التخويف والضغط الذي تشنه مراكز الضغط الصهيونية بأمريكا على من ينتقدونها، كما ان له ثقله الفكري الضخم الذي يخوله تمرير أفكاره ونشرها في أية وسيلة إعلام محترمة في أمريكا، ولذلك لم تتردد «نيوزويك» في نشر مقاله ذاك. ولعل نشر مقال هنتنجتون هو الذي شجع نشر مقال آخر للمستشار السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي زبجنيو بريجنسكي وقد نشر مقاله في الاسبوع الماضي بـ «نيويورك تايمز» حيث أشار الى ان تصاعد البغض العربي لاسرائيل أصبح يهدد المصالح القومية الأمريكية وسيؤدي الى انحسار نفوذ أمريكا تدريجيا وسط الدول العربية. ومع قيام بريجنسكي بنقد العمليات الاستشهادية الفلسطينية، ودعوة الزعماء العرب للضغط على ياسر عرفات ليقوم بايقافها، إلا انه أردف جملة قوية ضد اسرائيل، أكد فيها انه ليس بامكان 4.8 ملايين مواطن اسرائيلي ان يخضعوا ارادة 4.5 ملايين مواطن فلسطيني لا يتمتع نحو 1.2 مليون منهم بأكثر من مكانة المواطنة من الدرجة الثانية داخل اسرائيل. وحتى لو تمكن الاسرائيليون من قهر الفلسطينيين وتطويعهم فإن ذلك لا يعد أمرا مشرفا لهم، إذ انهم لا يستطيعون ان يصفوا وطنهم بعد ذلك بصفة الديمقراطية التي تعتبر أفضل أداة من أدوات الدعاية الصهيونية لاسرائيل في الغرب. وغني عن القول ان بريجنسكي لم يتفوه بهذا النقد القوي لاسرائيل الا وهو في مأمن من تسلط اللوبي الاسرائيلي عليه أو قيامه بالتشهير به، فبريجنسكي معروف في كل الاوساط بمغالاته الشديدة في الدفاع قديما وحديثاً عن المصالح القومية الامريكية حتى ليقال عنه انه وطني أكثر من الامريكيين، وذلك مما يرده البعض لعقدته المركبة من حيث انه كاثوليكي وافد من بولندا الشيوعية الى وطن رأسمالي ديانته الغالبة هي البروتستانتية. وقد كان لبريجنسكي انجازاته التاريخية لصالح أمريكا، إذ كان من قادة الحملة الفكرية والسياسية والاستراتيجية ضد المعسكر الشيوعي حتى انهار، وبالتالي فالهجوم عليه والطعن فيه ربما كان أصعب من محاولة الهجوم والطعن في مقام هنتنجتون. إخراج جديد لدور قديم ومن عباءة هذين المحللين الكبيرين خرج المحلل البارز بمجلة «تايمز» توني كارون (عدد 4 ابريل الحالي) بمقال قوي انتقد فيه عبثية السياسة الامريكية قائلا: ما جدوى ارسالها وزير الخارجية الامريكي كولن باول الى الشرق الأوسط إذا كان يحمل معه الرسالة القديمة نفسها التي حملها من قبل الجنرال زيني وفشل في اقناع عرفات بها. لقد أرسل زيني من قبل لتحقيق هدف واحد هو الضغط على عرفات ليقوم بتحقيق أهداف شارون في ايقاف الهجمات الاستشهادية، وذلك من غير ان يتعهد ولو مجرد تعهد بسوق الطرفين معا ـ عرفات وشارون ـ الى مائدة المفاوضات لتحقيق جزء من أهداف عرفات وآماله في انهاء الاحتلال وانشاء الدولة الفلسطينية. .وقد كان واضحا ان مهمة دبلوماسية كتلك سيكون مآلها الفشل، وقد فشلت بالفعل، وعلى اثر فشلها فقد كان من المفروض ـ يقول توني كارون ـ ان تتغير تلك السياسة المنحازة نحو خط أكثر واقعية، ولكن بدلا من اتخاذ خطوة عقلانية مثل تلك، إذا بحكومة بوش تنهج نهج اللامعقول بمحاولة فرض السياسة القديمة نفسها بواسطة شخص «أعلى» من اشخاص تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية هو الوزير كولن باول! وفي جرأة غير معهودة لدى الصحفيين الامريكيين أشار محلل «تايمز» ان على السياسة الامريكية أن تتجنب عقدتها المصطنعة التي تدعوها لعدم (مكافأة الارهابيين) أي عدم التنازل لمن يهدد بالعنف أو من يمارسه، ومعاندته الى آخر حد. ويعتقد الكاتب ان تطبيق هذه السياسة هو الذي يحول بين أمريكا وبين اتخاذ موقف مقبول في صراع الشرق الأوسط، ولذلك فقد دعا حكومة بلاده لتجاوز تلك السياسة طالما انها غير قادرة على تطبيقها على فدائيي حماس والجهاد الاسلامي، وأن تتراجع نحو الموقف الطبيعي المعقول، فتشترط انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية وانهاء العنف في آن واحد معاً. وعلى النسق النقدي نفسه، قامت صحيفة «كرستيان ساينس مونيتور» بتوجيه هجوم لاذع في افتتاحيتها بتاريخ 8/4 لارهاب حكومة شارون للصحفيين الذين كانوا يزمعون زيارة عرفات، وذكرت ان جنود شارون كانوا مستعدين بالفعل لاصابة أولئك الصحفيين بنيران أسلحتهم مثلما أصابوا بها المدنيين الفلسطينيين، ولمحت الصحيفة الى قلق الرأي العام الأمريكي من تنامي ظاهرة الهجوم الاستشهادي في فلسطين قائلة: ان ذلك الهجوم ربما ينطلق في المرة المقبلة ضد أمريكا ليجدد ـ لا عن نسيان ـ أحداث 11 سبتمبر اللاهبة. والتقطت القفاز صحيفة «يو.اس.ايه توداي» لتوجه نقداً للتعنت الاسرائيلي قائلة انه يعطل سير الخطط الامريكية لتوجيه الضربة المقبلة للعراق، وان الطريق الأمريكي إلى بغداد أصبح طويلا لأنه سيمر من خلال القدس، بمعنى انه لابد من حل المشكل العربي الاسرائيلي أولا ولو مؤقتا، ثم الانتقال الى قصف العراق، وإلا تصور العرب أي هجوم أمريكي على العراق على انه هجوم أمريكي اسرائيلي مشترك، وأذاعت الصحيفة على لسان مسئول في وزارة الدفاع الامريكية، لم يفصح عن هويته، ان عدة دول عربية موالية لأمريكا أعربت عن رفضها لأي تعاون مع أمريكا في شأن العراق ما لم تقم أمريكا أولاً بلجم رعونة شارون. ولم تتوان صحيفة «واشنطن بوست» عن اللحاق بسياق النقد للسياسات الاسرائيلية، حيث دعت في افتتاحيتها بتاريخ 9/4 الرئيس الامريكي ليضاعف ضغطه على رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون حتى يمتنع عن تنفيذ خطوته الخطيرة نحو اقصاء عرفات عن السلطة أو اغتياله، وحينها ستتبدد كل آمال الوصول لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وانتقدت الصحيفة تباطؤ بوش في ممارسة الضغط على شارون واطلاقه لعبارات مبهمة مثل «البدء بالانسحاب» بدلا من العبارات القاطعة «الانسحاب الفوري»، كما انتقدت تعمد الادارة الامريكية لتأخير وصول كولن باول لاسرائيل حتى تعطي الوقت الكافي لشارون لاكمال مذابحه وسط الفلسطينيين. خطر على الاختيار الامريكي وعلى الخط نفسه، انتهجت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» فانتقدت في افتتاحيتها بعدد 9/4 عدم ثقة شارون باختيار الامريكيين للرجوب كبديل لعرفات، لقد ذكرت الصحيفة ان «سي.آي.ايه» لها تقديراتها المخالفة للتقديرات الاسرائيلية حول الرجوب، فهو في نظرها زعيم مؤهل لخلافة عرفات ولحفظ الأمن ولتحقيق التعاون الأمني الاسرائيلي، كما تقتضي اتفاقيات أوسلو، ولكن الهجوم العسكري لاسرائيل العنيف على مقرات الشرطة الفلسطينية قد حطم تماماً ذلك الأمل الامريكي في الرجوب.. وقد انتقلت الصحيفة من تلك النقطة التي تمس العلاقات الاسرائيلية الامريكية لتسخر من التصرفات الاسرائيلية قائلة «وبعد مصادرة كل تلك الاسلحة من الفلسطينيين، والقتل الذريع الذي ألحق بمجاهديهم، والاعتقال العشوائي للمواطنين، فإن ذلك الشعب يبدو على استعداد دائم لتقديم عناصر بديلة تواصل العنف والمقاومة، ولا أحد يصدق البتة ان صوت المقاومة الفلسطينية يمكن ان يخمد الى الأبد، وهكذا فإن اسرائيل لم تجن بعد احد عشر يوما من اعادتها لاحتلال المناطق الفلسطينية سوى ان حرضت العالم ضدها وأثارت مشاعر الاستهجان ضد تصرفات قادتها». هذه الجملة الأخيرة التي حرصت على نقلها بنصها قد تبدو للقاريء وكأنها أخذت من مقال في احدى الصحف العربية، ولكنها للغرابة البالغة قد وردت في الفقرة التي ختمت بها صحيفة «لوس انجلوس تايمز» افتتاحيتها التي كرست جزءا كبيرا منها لنقد اسرائيل، هذا وربما يستمر هذا الاتجاه في نقد اسرائيل الى حين، وقد يتسع مدى نقد النخبة الامريكية لاسرائيل ليواجهها بالقضايا الحرجة التي تحذر كل الحذر ان يكشف عنها النقاب أو ان توضع على طاولة البحث والنقاش. إن علاقة التبعية التي تربط أمريكا باسرائيل هي أغرب علاقات التبعية على الاطلاق، وهي علاقة تستعصي على التحليل النظري ضمن اطار نظرية «ٌّكَملَمِم» المشهورة في العلاقات الدولية والسياسات المقارنة، لأن علاقة اسرائيل بأمريكا تنطوي في وقت واحد على متناقضين خطيرين هما علاقة التبعية والسيطرة، فبقدر ما تعتمد اسرائيل في وجودها وأمنها واقتصادها على أمريكا، بقدر ما تقوم في الوقت نفسه بالتحكم في الحلقات الضيقة الخانقة على مقدرات أمريكا الاقتصادية والسياسية والإعلامية وإلى حد ما الدينية. وقد فتحت اسرائيل برعونتها الأخيرة بابا من النقد الشديد يصعب عليها ان توصده بعد اليوم.. وما على العرب إلا ان يلتحقوا بقدرات إعلامية متفوقة بهذه الطلائع الناقدة لاسرائيل، وقد رحبت واشنطن بوست بالفعل بنشر مقال عميق للسفير السعودي الأمير بندر بن سلطان في هذا الاتجاه كان له تأثير كبير في فتح عيون الامريكان وتنبيههم لضرورة اتخاذ سياسات متوازنة في شأن الصراع العربي لاسرائيل. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة