الملف السياسي: دخلت العمليات الارهابية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل اسبوعها الثالث مخلفة وراءها المئات من الشهداء الفلسطينيين، والآلاف من المصابين، والدمار للبنية التحتية والمنازل والمرافق لقد وصلت المجازر، الاسرائيلية الى الحد الذي لم يكن يتصوره أحد وتحت سمع وبصر العالم كله دون أي تحرك لانقاذ الفلسطينيين، لقد ضربت الآلة العسكرية الصهيونية بقراري مجلس الأمن 1402، و1403 عرض الحائط، ورفض شارون طلب بوش الانسحاب من الاراضي الفلسطينية ومازال مستمرا في عدوانه الهمجي، والغريب ان كل هذا يحدث دون ان يكون هناك رد فعل عربي رسمي يتناسب مع طموحات الشعوب ومع جسامة العدوان الاسرائيلي.. (الملف) التقى د.عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وضياء رشوان الخبير بالمركز نفسه لالقاء الضوء على اخر تطورات الاوضاع في الاراضي الفلسطينية وطبيعة المطامع الشارونية واستهداف السلطة الوطنية وبما يعني الغاء اتفاق أوسلو، وطبيعة الدور الأمريكي المتواطيء بشكل كبير مع السياسات العدوانية الشارونية حيث ثبت بما لا يدع مجالا للشك ان هناك تنسيقا بين الطرفين فيما يتعلق بهذه الأحداث الوحشية، ومهمة زيني في المنطقة الذي تحول الى مجرد وسيط يتابع فقط مايجري دون أن يحاول عمل أي شئ الا محاولة املاء الشروط الاسرائيلية على عرفات. رؤية واسعة بداية يرى د.عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية ان شارون وبما يفعله من ممارسات اجرامية عدوانية الآن يعبر عن رؤية واسعة الانتشار بين الرأي العام الاسرائيلي وكذلك بين الاحزاب اليمينية، وهذه الرؤية ترى بأن اسرائيل دولة ديموقراطية متقدمة وجدت في بيئة مغايرة وان مستقبلها يعتمد على تفوقها المطلق وتحصنها ضد البيئة الاقليمية وتفرض هذه الرؤية عليها ان تحافظ على تفوقها العسكري الكمي والنوعي على كل الدول العربية وانها طالما تمتلك هذه القوة والقدرة العسكرية فما الذي يدفعها لأن تتنازل عن أراضي للفلسطينيين ضمن مايسمى بمسيرة التسوية، ومن هنا جاء التراجع الذي حدث في هذه المسيرة في أعقاب تولى شارون مقاليد السلطة، فهو يؤمن بأنه لا مجال للتفاوض أو تقديم أية تنازلات للفلسطينيين وألزم نفسه امام ناخبيه بمهلة المائة يوم للقضاء على الانتفاضة ودخلت المنطقة في دوامة وبحور الدم حتى الآن. ويعتقد د.عماد ان مايفعله شارون في الوقت الراهن هو حرب شاملة ضد الشعب الفلسطيني لتصفية القضية تماما واعادتها من دائرة التفاوض وفقا لمبادئ أوسلو الى التفاوض وفقا لجوهر رؤية اليمين الاسرائيلي والتي تتمثل في حكم ذاتي للبشر دون الأرض، ومن هنا كان رفض شارون للمبادرة العربية التي طرحتها القمة العربية الأخيرة، حيث انه لا يريد مفاوضات تقود الى دولة فلسطينية مستقلة، كما لا يريد علاقات طبيعية مع الدول العربية، وهو يلعب على الاجواء التي طفت على السطح في أعقاب أحداث 11 سبتمبر والحملة الأمريكية المسعورة التي تقوم بها الولايات المتحدة ضد ماتدعيه الارهاب، ومن هنا كان التوافق الأمريكي الاسرائيلي فيما يقوم به شارون حاليا، فهو من ناحية محاربة للارهاب الفلسطيني ممثلا في العمليات الاستشهادية، ومن ناحية اخرى رد أمريكي اسرائيلي على التوافق العربي الذي حدث بالنسبة لموضوع العراق حيث ان هذا التوافق من وجهة النظر الأمريكية يعوق المرحلة الثانية لمحاربة الارهاب، ولذلك كان الضوء الأخضر الأمريكي لشارون لكي ينفذ مخططه في اجتياح الاراضي الفلسطينية وتصفية القضية من جهة والرد على الرفض العربي لضرب العراق. تفريغ الأراضي الفلسطينية ويشير د.عماد جاد الى أن المذبحة والحرب التي يشنها شارون في الوقت الحالي ضد الشعب الفلسطيني تستهدف في الاساس تفريغ الاراضي الفلسطينية من كل النخب الفكرية والحركية الفلسطينية وهو ماظهر من تصريحات المسئولين الاسرائيليين عن الترانسفير وترحيل قطاعات عديدة من الشعب الفلسطيني الى خارج الاراضي الفلسطينية وقد تردد مؤخرا عن نوايا اسرائيلية لترحيل هذه القيادات الفلسطينية الى الأردن وهو ماأعلنه الرئيس المصري مبارك في أحد اللقاءات التليفزيونية التي اجريت معه، واسرائيل تهدف من وراء ذلك التخلص من كل القوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني لتمهيد الطريق امام ممارسة سيطرة كاملة على الاراضي الفلسطينية. ولا يستبعد د.عماد جاد ان يكون هناك عامل شخصي فيما يقوم به شارون حاليا من مجازر وحصار للرئيس عرفات، فهو يحمل عرفات المسئولية عن الكثير من الأمور ويرى انه ارهابي وهو المحرض لكل العمليات الاستشهادية وقد ظهر ذلك من كم تصريحات شارون التي أكد فيها ندمه الشديد على عدم قيامه بالتخلص من عرفات ابان حصار بيروت عام 1982، فهو يصر على أن عرفات أكبر خطر على الدولة العبرية ومن اصراره على قيادة بديلة تقود الشعب الفلسطيني بدلا منه، ويبدو أن الإدارة الامريكية بدأت تسير وراء هذه الرؤية الشارونية حيث حمل الرئيس بوش عرفات كل المسئولية على تدهور الأوضاع في الأرض المحتلة. ويلفت د.عماد الى أن شارون يريد أن يدمر أي قدرة لدى الفلسطينيين على المقاومة من خلال هذه العمليات الوحشية وبحيث يستطيع ان يفرض عليهم رؤيته ورؤية اليمين الاسرائيلي المتطرف وبما يجعلهم يقبلون بأي شئ يعرض عليهم، فالأمريكيون والاسرائيليون لا ينسون للفلسطينيين انهم خرجوا من اجتماعات كامب ديفيد، دون ان يوقعوا على اتفاق وهو مايرونه غلطة فلسطينية كبرى لابد ان يدفعوا ثمنها ولذلك فهم يتعرضون لهذه الحرب الشرسة حتى يقبلوا بأي شئ وحتى يندموا على الفرصة التي اضاعوها من وجهة النظر الأمريكية والاسرائيلية في كامب ديفيد، وقد كان الاتجاه واضحا ومستقرا في ذهن الادارة الامريكية الجديدة والتي تركت الأمور لتدهور دون أي تدخل منها كعقاب لعرفات الذي رفض التوقيع، وممازاد الأمر سوءا موضوع 11 سبتمبر الذي قضى على أي أمل في عودة التفاوض حيث انشغل الأمريكان في حربهم ضد الارهاب كما انشغل شارون في تكسير عظام الفلسطينيين. والغريب كما يرى د.عماد ان اسرائيل تدرك جيدا انها ومهما عربدت في الاراضي الفلسطينية فغالبا لن يكون هناك رد فعل عربي رسمي قوي في ظل الاجواء الدولية الحالية، هم يرون ان الفرصة الآن أكثر من مثالية لتنفيذ مخططاتهم ضد المقاومة الفلسطينية، وقد صدقت رؤيتهم حيث لم نسمع حتى الآن عن موقف عربي متشدد وجاد ضد العربدة الاسرائيلية، بل ثورة شعبية عارمة دون أي تحرك رسمي فاعل، ماعدا عقد اجتماع لوزراء الخارجية العربية لم يتمخض عن الكثير، وعموما لو استمر هذا الغليان الشعبي فمن المتصور ان يدفع بالحكومات العربية لاتخاذ مواقف أكثر قوة تجاه اسرائيل، ولذلك فالمطلوب من منظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات غير الحكومية ان تكثف من ضغطها حتى تجبر الحكام على اتخاذ مواقف متشددة. وفيما يتعلق بإمكانية ان يوسع شارون الحرب الدائرة حاليا لتشمل جبهات أخرى مثل الجبهة اللبنانية والسورية يرى د.عماد جاد ان ذلك ممكن في ضوء هذا الجنون الشاروني ولكنه يتوقف على تصاعد الأحداث وخاصة في الجنوب اللبناني بمعنى انه اذا صعدت المقاومة الباسلة في جنوب لبنان من عملياتها ضد القوات الاسرائيلية فلا شك أن شارون سوف يرد وقد حدث هذا بالفعل خلال الايام الماضية حيث كانت هناك غارات جوية وصاروخية متعددة ضد الجنوب اللبناني من جانب القوات الصهيونية، كما أن شارون قد يلجأ لتوسيع الحرب الدائرة عن طريق التحرش بسوريا ولبنان من اجل خلق حالة من الفوضى الشاملة في المنطقة تمكنه من توسيع نطاق الترانسفير. وهو يوجه حاليا التحذيرات لسوريا ولبنان، كما انه يعمل في الوقت نفسه على زيادة التوتر مع مصر عن طريق تسريب لمعلومات عن نيته في ترحيل اعداد من الفلسطينيين الى داخل الاراضي المصرية. موجات من الغضب ومن جانبه يرى ضياء رشوان الخبير بالمركز نفسه ان مايحدث الآن من ردود فعل شعبية قوية على الصعيد العربي يؤكد التضامن العربي الكامل مع الفلسطينيين، لقد اجتاحت كل العواصم والمدن والقرى العربية موجات من الغضب والتظاهر تندد بالعدوان الصهيوني الغاشم وحتى الدول العربية التي لم تكن تسمح من قبل بمثل هذه التظاهرات شهدتها هذه المرة، كما لم تستطع كل الأنظمة العربية وبما فيها تلك التي على علاقة دبلوماسية كاملة باسرائيل كمصر والأردن، أو تلك التي لديها مكاتب اتصال، لم تستطع أن تظهر بصورة الدولة المحايدة بل الجميع وقفوا الى جانب الفلسطينيين بصور مختلفة قد تكون غير مناسبة ولا تتوافق مع طموحات الشارع العربي ولكن في النهاية هناك موقف والسلام. ويضيف ضياء رشوان ان هذا يؤكد ان الصراع ومنذ البداية كان صراعا عربيا اسرائيليا، وليس مجرد نزاع فلسطيني اسرائيلي حول أرض أو حدود أو لاجئين، واضفاء الطبيعة العربية على الصراع ترجع لعاملين أولهما أن كل الدول العربية تدرك مدى التهديد الخطير الذي يحيق بمصالحها الاستراتيجية العليا من الدولة اليهودية ذات الطموحات التوسعية الهائلة والمحاولات المستميتة للهيمنة على محيطها الاقليمي، والثاني فهو التضامن الواسع والعميق الذي شعرت به وعبرت عنه جميع الشعوب العربية مع الشعب الفلسطيني في محنه المتعاقبة من جراء الاعتداءات الصهيونية. ويضيف ضياء رشوان ان مايريده شارون من وراء هذه المجازر التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني هو نفسه ما كان يريده باراك من خلال التفاوض بمعنى انه كلما تم الاقتراب من نقطة مايسمى بالحل النهائي كلما زاد الاجماع في اسرائيل على ثلاث قضايا الأولى رفض عودة اللاجئين والثانية رفض عودة القدس الشرقية للفلسطينيين والأخيرة رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقيادة، هذه النقاط الثلاثة يجمع عليها الاسرائيليون بمن فيهم جماعات السلام.. في السابق حاول باراك ان يحصل على توقيع عرفات على هذه النقاط الثلاث عن طريق التفاوض في كامب ديفيد ولكنه رفض وأفلت بأعجوبة من الفخ الذي كان منصوبا له هناك والآن شارون يريد الوصول الى الهدف نفسه ولكنه يستخدم استراتيجية مختلفة وهي التي تقوم على ارتكاب المجازر والارهاب للجانب الفلسطيني، وهو من خلال هذه المذابح يريد اجبار الفلسطينيين على التفريط وعدم التمسك باي مطلب من هذه المطالب الثلاثة بأن يقبلوا بعودة عدد محدود جدا من اللاجئين، والتنازل عن الجزء الشرقي من القدس مقابل أن يعطيهم شارون حق ادارة بعض المناطق بحكم ذاتي لعدد محدود من السكان وليس الأرض وعلى نسبة محدودة من الضفة والقطاع.. أي أن شارون يحاول تنفيذ الاستراتيجية الصهيونية ولكن بأسلوبه القائم على القتل والارهاب.