الملف السياسي: وصلت مشاهد القوة العسكرية الاسرائيلية الى العالم برمته، جنود يطلقون النار على رؤوس الجرحى مباشرة ودبابات تدك جدران المنازل والمكاتب ومجمع عرفات. مئات الأطفال والرجال معصبو العيون يجرون تحت ضربات أعقاب البنادق الى معسكرات التجميع، طائرات مروحية مزودة بالمدافع تدمر الاسواق. دبابات تسوي بالأرض أشجار الزيتون والبرتقال والليمون شوارع رام الله مخربة، جوامع ومدارس اصبحت كالمناخل جراء اطلاق الرصاص عليها بشكل متواصل رسوم الاطفال صارت ارباً. صلبان تحولت الى شظايا، جنود عاثوا فساداً ودماراً في كل الانحاء، ملايين الفلسطينيين محاطون بالدبابات بدون كهرباء او ماء او هاتف وبلا غذاء والقوات المهاجمة تكسر وتفجر البوابات والأثاث وادوات المطبخ وكل ما يمكن ان يجعل من الحياة امراً ممكناً لذلك ربما يكون هذا اليوم بالذات الذي لا يستطيع فيه احد ان يدعي بأنه لم يدرك بأن الاسرائيليين يقومون بارتكاب جريمة ضد شعب بأسره ازدحم ابناؤه داخل السراديب تحت دمار بيوتهم. أما الباقون على قيد الحياة من بين الجرحى والمحتضرين فإنهم ينكرون عليهم العناية الطبية عن عمد بحيث تركز جميع القرارات النظامية والمنهجية الصادرة من القيادة الاسرائيلية العليا على محاصرة جميع سيارات الاسعاف وعلى اعتقال وحتى اطلاق النار على السائقين وطواقم الاسعافات الطبية وحتى الجرحى انفسهم. وبذلك نكون قد منحنا امتيازا مريبا بمشاهدة وقراءة كيف يتطور في كل لحظة كل هذا الرعب على يد سليلي «المحرقة»، هؤلاء الذين يطالبون بمكر وحقد باحتكار استخدام الكلمة التي تصف بحق الهجوم ضد شعب بأسره، وذلك برضا غالبية الاسرائيليين ما عدا بعض النفوس القليلة الشجاعة. كل هذا يحدث والجمهور الاسرائيلي مع وسائل اعلامه وصحفييه يستنكرون عندما يواجههم البرتغالي صاحب النوبل، الكاتب خوسيه ساراماجو، بالحقيقة التاريخية التي تفيد بأن «ما يجري في فلسطين ما هو الا جريمة نستطيع مقاربتها مع ما جرى في آوسشويتز». وبدل ان يمعن هذا الجمهور الاسرائيلي النظر في اعماله العنيفة، انتفض ضد ساراماجو كونه تجرأ على مقارنتهم بالنازيين وفي ظل العمى الأخلاقي، يقوم آموس أوز، الكاتب الاسرائيلي، السلمي احياناً حتى تدخل «اسرائيل» في حرب باتهام ساراماجو بأنه «معاد للسامية» وبـ «عمى اخلاقي لا يصدق» متناسياً ان فجور حرب ضد شعب بأسره ما هو الا جريمة ضد الانسانية جمعاء وانه في هذا الاطار لا يوجد استثناءات خاصة البتة وهؤلاء المثقفون الاسرائيليون وهؤلاء المهاجرون والذين يصفون انفسهم بأنهم «تقدميون» هم بالضبط من اظهروا عمى قومياً ونذالة اخلاقية مخفين اعذارهم بالنسبة للرعب الاسرائيلي مع أسمال ضحايا المحرقة قبل خمسين عاماً. لا يحتاج المرء الا لقراءة الاعلام الاسرائيلي من أجل فهم ثبوت شرعية مناظرة ساراماجو التاريخية فمع مرور كل يوم «يتوحش» قادة بارزون ومرموقون ومنتخبون من قبل الناخب اليهودي ضد خصومهم الفلسطينيين وكل ذلك من اجل تبرير افضل لعنفهم الخاص الذي لا قيود عليه وحسب صحيفة «معاريف» الاسرائيلية ـ التي استشهد بها روبرت فيسك ـ ينصح ضابط اسرائيلي قواته المسلحة بدراسة التكتيكات المعتمدة من قبل النازية اثناء الحرب العالمية الثانية حيث يقول: «اذا كان عملنا هو الاستيلاء على مخيمات اللاجئين المكتظة بالسكان في منطقة القصبة في نابلس فعلى الضابط ان يحلل دروس الحروب السابقة بما في ذلك كيف نفذ الجيش الألماني عملياته في وارسو». عندما اتهمت الصحافة العبرية ساراماجو بمعاداة السامية ترى هل كانت مستعدة لسحب ذلك الافتراء على ضباط جيشها من خلال استخدام المعايير نفسها؟ ذلك ان الضباط الاسرائيليين سيتذرعون ايضاً بأنهم «كانوا ينفذون الاوامر» بهدم المنازل على رؤوس النساء والأطفال والشيوخ القابعين بداخلها. ان «اسرائيل» تدان في جميع المحافل العالمية من الاتحاد الاوروبي حتى الأمم المتحدة وعلى طول وعرض العالم الثالث، وذلك بسبب ما ترتكبه من افعال معادية للانسانية بحيث سيكتشف المدافعون عن «اسرائيل» بأن مناداة نقاد «معادي السامية» لم تعد تجدي نفعاً ولا تثير حماس الناس فلقد شاهد وقرأ الرأي العام العالمي ما يكفي ويزيد وبدأنا ندرك بأن الضحايا يمكن ان يتحولوا الى جلادين وان الاحتلال العسكري يؤدي إلى التنظيف العرقي وإلى الابعاد القسري الجماعي وأن عمليات القضم يمكن ان تتحول الى غنغرينة لا تتوقف عن النمو. وكما هو متوقع، ترعى واشنطن المنظمات اليهودية القوية وعسكريي اليمين المتطرف، إذ أن الحكومة وحدها هي من تدعم ارهاب الدولة الاسرائيلي ضد الرموز المسيحية والإسلامية وضد مصالح كبرى شركات البترول وحلفائها في المنطقة العربية. وفي حين تعارض مجموعات صغيرة إسرائيلية منشقة ويرفض الكثير من الاحتياطيين الخدمة في جيش الاحتلال، فإن تعليق ساراماجو على الرأي العام الاسرائيلي ينطبق بالتساوي على جميع من يعيش هناك: «الشعور بالمناعة هو ما يتصف به الشعب الاسرائيلي وجيشه: فلقد تحولوا الى مستثمرين للمحرقة». وكما هو العرف في اي دولة بوليسية، سحبت «اسرائيل كل كتب ساراماجو من المكتبات العامة والخاصة. وبالاسلوب الجدي نفسه الذي اعدت العدة من خلاله من أجل الابادة العنصرية، منعت الحكومة الاسرائيلية دخول جميع رجال الصحافة الى الاحياء الفلسطينية، باستثناء تلك التي تمتص بيانات الجيش الاسرائيلي الاعلامية. وكما فعلت ألمانيا النازية، فإن جميع الذكور الفلسطينيين الذين تتراوح اعمارهم بين 16 و60 عاما هم اسرى يتم التنكيل بهم وتعريتهم وتصفيدهم والتحقيق معهم وتعذيبهم. واستخدمت عائلات مقاتلي المقاومة الفلسطنية كرهائن بدون ماء او غذاء او كهرباء حيث يفرغ الجنود الاسرائيليون المنازل ويسرقون كل شيء ذي قيمة ويدمرون محتويات هذه المنازل. وكما فعلت النازية تماما، يتركون مئات الجرحى الفلسطينيين للموت، بينما تحاصر القوات الاسرائيلية جميع سيارات الاسعاف. ومئات الآلاف يواجهون الموت جوعاً وعطشا، بسبب قطع جميع مصادر المياه والغذاء. بل ان القوات الاسرائيلية بدباباتها ومروحياتها دمرت جميع المدن الرئيسية ومخيمات اللاجئين: طول كرم، البيره، بيت جالا، قلقيلية، الخليل.. الخ وان اكتشاف مقاتل واحد من المقاومة يعني ذنبا وعقابا جماعيين وهذا يشمل طبعا الآباء والابناء والاقارب والجيران الذين يخرجون بقوة السلاح ويجرون الى معسكرات الاعتقال الجماعية التي هي عبارة عن ملاعب لكرة القدم ومتنزهات ترفيهية للأطفال. مما لاشك فيه ان الغيظ الاسرائيلي واليهودي بسبب المساواة التي قام بها ساراماجو بين الارهاب الاسرائيلي و«أوسشويت» قد وضع الاصبع على ذكرى حساسة الامر الذي يؤدي الى ازدراء الذات عند الجلادين الذين يدركون بأنهم تلاميذ مضطهديهم، وانه ينبغي عليهم انكار ذلك مهما كلف الامر. وحتى يومنا هذا، ذهبت جميع التماسات العرب المعتدلين امام واشنطن كي تدخل من اجل وقف المجزرة التي يرتكبها الاسرائيليون ادراج الرياح. بل ان واشنطن عادت لتكرر دعمها لشارون وللعدوان وللحرب ضد الفلسطينيين. ذلك انه في الولايات المتحدة لا يوجد احد قادر على الوقوف في وجه المال وتأثير اللوبي الاسرائيلي وحلفائه اليهود الاقوياء. ومع ذلك يوجد تفاؤل في امكنة اخرى من العالم، اذ ان «التوجه الفلاحي» وانصار بوفيه وجهوا نداء من اجل المضي قدما في مقاطعة المنتجات والخدمات الاسرائيلية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان «اسرائيل» تعتمد بقوة على صادراتها الى الاتحاد الأوروبي. اما تخفيض ضخ النفط من البلدان المصدرة له عموما والعربية السعودية والكويت والعراق وايران وليبيا على وجه الخصوص، فذلك كفيل بأن يحدث ارتفاعا قويا في اسعار البترول وازمة اقتصادية في قطاعات اقتصادية مهمة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. وهذا يمكن ان يقوم ظهر الأوروبيين وان يوقظ وعي الجمهور الأمريكي. ما هو واضح بشكل مطلق هو انه طالما تعتمد تل ابيب على اللوبي الاسرائيلي في واشنطن وعلى دعم بوش، لايهم كم عدد قرارات الأمم المتحدة ومؤتمرات جنيف والنداءات الأوروبية، فكل هذا سيتم تجاهله بالكامل. ففي عقلية شارون المتصلبة والمصابين بالهذيان من انصاره الاسرائيليين فإن الجميع معاد للسامية وانصار بروتوكولات صهيون يحاولون افساد اخلاق الاسرائيليين وتثبيط عزيمتهم كي يمضون قدما في تنفيذ المهمة التوراتية التي تنص على قيام «اسرائيل الكبرى» حيث يوجد شعب واحد وأمة واحدة واله واحد، وذلك بعد طرد جميع الفلسطينيين من ارضهم «الموعودة» طبعاً. وفي هذا السياق لا يستطيع الرأي العام العالمي ان يظل مهادناً الى ان تتكرر مأساة المحرقة اليهودية للقرن العشرين في القرن الواحد وعشرين. ومع انه لايزال هناك وقت، لكن الى متى يستطيع شعب بطل بدون ماء ولا غذاء ان يقاوم عرض شارون لعرفات ـ حرية الذهاب بدون العودة مطلقا، هذا العرض الموجه اصلا للشعب الفلسطيني بأسره. ترجمة: باسل ابو حمدة عن: «ربليون» ـ امريكا اللاتينية